نشر موقع «ذي إنترسبت» الأمريكي مقالًا ليحيى ليند، كاتب أمريكي الأصل ومترجم وأسير حرب سابق، تناول فيه القضية التي لا تزال عالقة لا تجد لها حلًّا بعد انتهاء الاحتلال الأمريكي لأفغانستان الذي دام 20 عامًا، وهي قضية أسرى الحرب، والمجازر التي ارتكبتها القوات الأمريكية الخاصة في حق المعتقلين الأفغان في ضواحي مدينة مزار شريف ومدينة صحراء داشت ليلي، مشددًا على وجوب إيجاد حل لهذه القضية وإطلاق سراح جميع المعتقلين، وإجراء تحقيقات مستقلة شاملة في هذه المجازر والوفيات المشبوهة.

وفي مطلع مقاله، يقول الكاتب إنه مع اقتراب كتابة آخر السطور في الفصل الأخير من احتلال الولايات المتحدة لأفغانستان، آملُ أن يبدأ المُنصِفون في إعادة النظر في تاريخ هذا الصراع الدموي الطويل. وهناك حادثتان بارزتان منذ بواكير الحرب تستحقان اهتمامًا شديدًا نظرًا إلى أهميتهما التاريخية، بالإضافة إلى علاقتهما الوثيقة الصلة بقضية معسكر الاعتقال في خليج جوانتانامو التي لم تجد حلًّا حتى الآن.

معتقل جوانتانامو.. تعاطف ضئيل

يوضح الكاتب أنه خلال الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2001، وبالقرب من مدينة مزار شريف، أُعدِم نحو 5 آلاف أسير حرب من عناصر طالبان غير المسلِّحين في حادثتين وثيقتيِّ الصلة. وكان عشرات من الناجين من بين أوائل المعتقلين الذين زُجَّ بهم في معسكر اعتقال خليج جوانتانامو. وقد حظيت مثل هذه المذابح بتغطية إعلامية كبيرة في ذلك الوقت، لكنها أثارت قدرًا ضئيلًا من تعاطف الجمهور الأمريكي، الذي لا يزال تستبد به العاطفة عندما تحل ذكرى 11 سبتمبر (أيلول).

دولي

منذ 6 أيام
«ستراتفور»: بعد تشكيل حكومة طالبان.. كيف ستتعامل دول العالم مع أفغانستان؟

وتحدث المراسل روبرت يونج واصفًا حال عديد من الأمريكيين عندما قال: «كان بإمكاننا أن نمحو أثر أي عنصر من عناصر طالبان من على وجه الأرض، ولم يكن ليَهْتم أحد بأمرهم».

والآن وبعد أن انتهى الاحتلال الأمريكي لأفغانستان أخيرًا، فقد حان الوقت لإعادة تقييم هذه الأحداث دون عواطف من أجل إيجاد حل نهائي لقضية أسرى الحرب.

بداية الانهيار

يشير الكاتب إلى أنه خلال فصلي الصيف والخريف من عام 2001، خدمتُ بصفتي جندي مشاة تابعًا لحركة طالبان في شمال أفغانستان. وفي منتصف نوفمبر من ذلك العام، كانت إمارة أفغانستان الإسلامية على حافة الانهيار. واجتاح تحالف الشمال الأفغاني العاصمة الأفغانية كابول وعديدًا من المدن الكبرى الأخرى، وكان تحالف الشمال الأفغاني (أو ما عُرِف رسميًّا باسم الجبهة الإسلامية المتحدة للإنقاذ في أفغانستان) عبارة عن عصبة مكوَّنة من أمراء الحرب.

Embed from Getty Images

ووصفه الصحافي البريطاني، روبرت فيسك، بأنه «رمز للمذابح والاغتصاب الممنهج والسلب والنهب»، وكان من شأنه أن يشكل نواة النظام المتعاون مع أمريكا على مدى العقدين المقبلين. وأخبرنا قادتنا بأن طالبان بدأت في إجلاء قواتها من المراكز الحضرية لحماية المدنيين من الأخطار التي تشكِّلها قنابل «ديزي كترز» التي يبلغ وزنها 15 ألف رطل، وصواريخ توماهوك كروز، والقنابل العنقودية، وذخائر اليورانيوم المنضَّب. وقد رأيتُ آثار بعض هذه الأسلحة وتداعياتها على المدنيين الأفغان بأم عيني.

يضيف الكاتب: وبحلول منتصف نوفمبر، حاصر تحالف الشمال الأفغاني في مدينة قندوز فرقتنا المكوَّنة من حوالي 8 آلاف مجاهد. وتوصَّل قادتنا إلى اتفاق مع أمير الحرب في تحالف الشمال الأفغاني، عبد الرشيد دوستم، الذي أخضع مليشياته لوكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه). وبموجب هذا الاتفاق، ضمنَّا ممرًا آمنًا عبر مدينة مزار شريف إلى مدينة هرات الواقعة بالقرب من الحدود الأفغانية مع إيران.

ومن هرات، نما إلى علمي أن المجاهدين الأفغان سيعودون إلى ديارهم، في حين يغادر المتطوعون الأجانب إلى بلدان مجاورة. وفي المقابل، يسيطر دوستم على مدينة قندوز الشمالية الشرقية دون قتال.

خيانة

وألمح الكاتب إلى أن الاتفاق نصَّ على أن نسافر إلى هرات في قافلة من الشاحنات تحمل أسلحتنا الخفيفة فقط، وكان ثلثنا من العرب، والثلث الثاني من الأوزبكيين، والثلث الأخير من الباكستانيين، وأعداد قليلة من جنسيات أخرى يبلغ مجموعها بضع مئات. وقبل ذلك ببضعة أيام، وعلى بعد آلاف الأميال ودون علمنا، حدث هذا الحوار في مؤتمر صحفي للبنتاجون:

المراسل الصحفي: سيادة الوزير، ذكرتَ سابقًا أن الولايات المتحدة لا تميل إلى التفاوض أو استلام سجناء. هل يمكنك أن تشرح بالتفصيل ما قصدته بعبارة «استلام سجناء»؟

وزير الدفاع دونالد رامسفيلد: ليس لدينا سوى بضعة أفراد هناك. وليس لدينا سجون، ولا حراس، ولا أشخاص – لسنا في وضعٍ يسمح لنا بأن تستسلم الناس لنا. وإذا حاولوا ذلك، فإننا نرفض. ليس هذا هو الهدف من وجودنا هناك، وهو أن نبدأ في استلام السجناء وحجزهم بطريقة ما أو محاكمتهم. هذه مهمة تحالف الشمال الأفغاني، وهذا أمر متروك للقبائل في الجنوب.

Embed from Getty Images

المراسل: إذن سيُسلَّمون، وبعبارة أخرى، أنت لا تقترح إطلاق النار عليهم؟

رامسفيلد: أوه، يا إلهي، لا أقترح ذلك.

يقول الكاتب: وفور أن مضينا قدمًا على الطريق، وبدلًا من السماح لقافلتنا بالمرور وفقًا للاتفاق، أصرَّت القوة التي تقودها وكالة المخابرات المركزية على أن نلقي أسلحتنا قبل الذهاب عبر مدينة مزار شريف. وبعد مفاوضات متوترة وقدر كبير من التردد من جانبنا، امتثلنا لمطالبهم. ولكن بدلًا من السماح لنا بالمضي قدمًا، حوَّل رجال مليشيات دوستم مسار شاحناتنا إلى قلعة جنكي الواقعة في ضواحي مزار شريف، ومن ثم بدأوا في ربط أيدينا باستخدام عماماتنا. ولما وصلنا إلى القلعة، وجدنا محققي وكالة المخابرات المركزية الذين أوضحوا لنا أنه إذا لم نتحدث معهم، فسوف نُقتَل:

ضابط وكالة المخابرات المركزية مايك سبان: هل تؤمن بما تفعله هنا إيمانًا راسخًا؟ هل أنت على استعداد للموت هنا؟ كيف جرى تجنيدك؟ مَنْ أتى بك إلى هنا؟ ما اسمك؟ استيقظ! مَنْ أتى بك إلى أفغانستان؟ هل أنت مسلم؟ ارفع رأسك كي تكلمني. لا تجعلني أطلب منهم أن يرفعوا رأسك بالقوة…

ضابط المخابرات المركزية الأمريكية ديفيد تايسون

سبان: نعم، لن يتحدث معي.

تايسون: حسنًا، لقد أوضحنا له طبيعة الصفقة.

سبان: كنتُ أوضح ذلك للرجل الذي نريد التحدث إليه لنعرف قصته.

تايسون: حسنًا، إنه مسلم. والمشكلة أنه يحتاج إلى أن يقرر هل يريد أن يعيش أم يموت، وسيموت هنا. وإذا كان لا يريد أن يموت هنا، فسوف يموت هنا… هذا قراره، نحن نقدم المساعدة للأشخاص الذين يريدون التحدث إلينا…

سبان: هل تعرف أن الأشخاص الذين تعمل معهم إرهابيون وقتلوا مسلمين آخرين؟ وقُتِل بضع مئات من المسلمين في تفجير مدينة نيويورك. هل هذه تعاليم القرآن؟ لا أعتقد ذلك. هل ستتحدث إلينا؟

تايسون: حسنًا، يجب أن تعطيه فرصة، ها هي الفرصة.

وأردف الكاتب قائلًا: كان إخواننا الأوزبكيون يدركون تمامًا احتمالية إعادتهم إلى بلد وصفه وزير الخارجية آنذاك، كولن باول، بأنه «عضو مهم في هذا التحالف». وتعرَّض السجناء السياسيون في أوزبكستان للتعذيب بعِصيِّ الماشية، والخنق باستخدام أقنعة واقية من الغازات وأكياس بلاستيكية، والغمر بالمياه الباردة المتجمدة، والضرب بالأنابيب الفولاذية والهراوات الخشبية المرصعة بالمسامير، والصعق بالصدمات الكهربائية في الأعضاء التناسلية، وخلع أظافر اليدين والأقدام بالكماشات، وحرق بعض أجزاء الجسم، والاغتصاب، والركلات المتكررة في الرأس، والجَلد على أخمص القدمين، والعمل القسري في درجات حرارة تحت الصفر، ووضْع الأشخاص أحياءً في ماء مغلي.

Embed from Getty Images

ولما اتضح أننا تعرضنا للخيانة، ثار بعض المجاهدين الأوزبكيين المعتقلين في القلعة ثورة يائسة لم يكن من الممكن أن تؤدي إلا إلى مجزرة، ولكن كما قال المتنبي:

وَالهَجْرُ أقْتَلُ لي مِمّا أُراقِبُهُ … أنَا الغَريقُ فَما خَوْفي منَ البَلَلِ

الجزء الآخر من القافلة

وبعدما بدأت الأمور تتكشف، علمنا أن بقية القافلة سارت على الطريق نفسه. وتعرضوا للإيقاف في الصحراء على بعد حوالي خمسة أميال غرب قندوز وحاصرتهم القوات الخاصة الأمريكية، بمساعدة المليشيات التي تعمل بالوكالة. ومن ثم نُقِلت القافلة إلى قلعة مختلفة، تعرف باسم قلعة الزيني تقع على الطريق بين مزار شريف وشبرغان. وأُنزِل المعتقلون من الشاحنات ورُبطت أيديهم بعماماتهم. ويتذكر أحد الناجين ويُدعى عبد الرحمن، أنه رأى نحو 50 شخصًا يُدفنون أحياء.

ويتذكر ناجٍ آخر يُدعى محمد يوسف أفغان، أنه رأى كثيرًا من السجناء يتعرضون للضرب حتى الموت، وآخرين يُغرَقون في برك المياه الراكدة. والأنكى من ذلك، حُبِست الغالبية العظمى في حاويات شحن معدنية وتركوا ليلقوا حتفهم.

ولما وصلوا إلى شبرغان وفُتِحت الحاويات، كان معظم المعتقلين قد ماتوا خنقًا. يقول أحد سائقي الشاحنات: «لما فتحوا الحاويات، تناثرت الجثث كالأسماك». ثم دُفنت آلاف الجثث في مقابر جماعية في صحراء داشت ليلي خارج المدينة. وقال شاهد آخر إن بعض الناجين أعدموا في موقع الدفن تحت إشراف القوات الخاصة الأمريكية.

وخلُصت مذكرة سرية للأمم المتحدة حصلت عليها صحيفة «نيوزويك» إلى أن الأدلة التي جُمِعت في الموقع كانت «كافية لإجراء تحقيق جنائي كامل»، ومع ذلك، ونظرًا إلى الحساسية السياسية لهذه القضية، يوصى بشدة بإيقاف جميع الأنشطة ذات الصلة بهذه القضية حتى يُتَّخذ قرار بشأن الهدف النهائي من الممارسة: محاكمة جنائية، لجنة تقصي حقائق، إلخ.

وكما قالت سوزانا سيركين، نائبة مدير جمعية أطباء من أجل حقوق الإنسان، في تقرير صدر عام 2009: «جرى العبث بمواقع القبور، وأُتلِفت الأدلة، وتعرض الشهود للتعذيب والقتل». وأضاف الباحث في جمعية أطباء من أجل حقوق الإنسان، ناثانيال ريموند، قائلًا إن: «جهودنا المتكررة لحماية الشهود وتأمين الأدلة وإجراء تحقيق كامل قوبلت من جانب الولايات المتحدة وحلفائها بالمتاعب والتأخير والعرقلة».

Embed from Getty Images

وكتب عبد السلام ضعيف، سفير حكومة طالبان في باكستان، الذي اعتُقل لمدة ثلاث سنوات ونصف في خليج جوانتانامو، لاحقًا موضحًا أنه من بين نحو 8 آلاف مقاتل من طالبان استسلموا، «كان من المقرر أن ينجو 3 آلاف فقط من الأسر. وكنتُ في إسلام آباد أحاول تأمين إطلاق سراحهم، وتحدثت إلى دوستم عدة مرات، وأكد لي أن السجناء سيُعاملون معاملة حسنة. حتى إنني ذهبت إلى الأمم المتحدة لإبلاغهم عن السجناء، وكذلك لجنة حقوق الإنسان والصليب الأحمر».

متى بدأ تاريخ معسكر الاعتقال؟

وأفاد الكاتب أن الناجين من المذبحتين احتُجِزوا في قلعة جنكي ودشت ليلي معًا في البداية في سجن مكتظ للغاية في مدينة شبرغان. وكاد البعض أن يُقتل على أيدي الحراس أو بسبب الإهمال الطبي أو الجوع أو المرض، لكن أُطلِق سراح معظمهم لاحقًا. وكان هناك عشرات آخرون قد نُقِلوا بالطائرات إلى معسكر إكس-راي (X-Ray) في خليج جوانتانامو. ومن ثم عُثِر عليهم أمواتًا في زنازينهم وجثثهم ممزقة.

ولم يبدأ تاريخ معسكر الاعتقال في خليج جوانتانامو في يناير (كانون الثاني) 2002 مع افتتاح معسكر إكس-راي، ولكنه بدأ في نوفمبر 2001 بذبح جماعي لمعتقلي طالبان في ضواحي مزار شريف. ولم تنشر وكالة المخابرات المركزية بعد مقاطع الفيديو الخاصة بمجزرة قلعة جنكي، وما أسباب وقوعها، وقد شاهدتهم يصورون بعضها، ولم يُجر أي تحقيق شامل في الوفيات المشبوهة لكثير من المعتقلين في جوانتانامو.

واختتم الكاتب مقاله مشددًا على أن النزاع الذي دام 20 عامًا لن يشهد حلًّا شاملًا ونهائيًّا حتى تجد قضية أسرى الحرب حلًّا عادلًا ومُنصفًا. ويجب إطلاق سراح جميع المعتقلين المتبقين، ويجب إجراء تحقيقات مستقلة شاملة في هذه المجازر والوفيات المشبوهة. ومع انتهاء الاحتلال الأمريكي لأفغانستان الذي دام 20 عامًا، يجب أيضًا أن ينتهي الاستهزاء الفاضح بالعدالة في معتقل خليج جوانتانامو.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد