حلَّلت صحيفة «نيويورك تايمز» قوائم الأسماء المكتوبة بخط اليد لمعرفة مصير آلاف الأشخاص العالقين في منظومة يمكن من خلالها احتجاز المعتقلين لأجل غير مسمى؛ مما يجعل الإجراءات القانونية تبدو وكأنها مهزلة. وهذا ما سلَّطت عليه الصحيفة الأمريكية الضوء في تحقيقٍ أجراه ثلاثة من مراسليها، هم فيفيان يي، وأليسون ماكان، وجوش هولدر، وفيما يلي عرض للتحقيق يقدمه لك «ساسة بوست».

استهل المراسلون تحقيقهم بما قاله وليد سالم، 42 عامًا، طالب الدكتوراة في جامعة واشنطن، لقد «تهلَّلت أساريري عندما علمت تهمتي الثانية؛ لأنها واهية تمامًا، ومن السهل جدًّا دحضها»، إلا أن وليد اكتشف لاحقًا أن «وصم أي متهم بهذه التهمة يعني وضعه ضمن القائمة السوداء». 

احتجاز إلى ما لا نهاية

يُوضِّح التحقيق أن هذه التهمة تعني أنه المعتقل أصبح عالقًا في الحبس الاحتياطي، وسيظل محتجزًا على ذمة القضية، دون محاكمته أو توجيه أي اتهام رسمي ضده. وبدلًا عن ذلك، كلما انتهت فترة الحبس الاحتياطي القانوني تمدد النيابة حبسه خلال جلسة تستغرق عادة 90 ثانية. يقول سالم: «خلال الأشهر الخمسة الأولى، يحاول الواحد منَّا إقناع نفسه بأن الأمر مجرد خمسة أشهر. ولكن بعدما تأتي خمسة أخرى وتنتهي وتأتي غيرها وتنتهي، يبدأ الخوف في شَقِّ طريقه إلى القلوب وتوقُّع الأسوأ».

عربي

منذ 3 سنوات
مترجم: كيف رسخ النظام المصري قواعده وأسكت أصوات المعارضة حتى الموالية له؟

وأشار التحقيق إلى أن الرئيس الأمريكي جو بايدن التقى في مؤتمر جدة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي طالما ندَّد بسجله في حقوق الإنسان، وهو ما يُعد تراجعًا عن سياساته. وبحسب جماعات حقوقية وباحثين، تحتجز مصر في سجونها عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، والذين تزايدت أعدادهم بسبب حملة السيسي القمعية ضد المعارضة. وعلى الرغم من أن السيسي ليس بِدعًا من رؤساء مصر في اعتقاله للمعارضين، لكن حملته القمعية كانت أوسع نطاقًا بكثير، وذلك من خلال تحويل الحبس الاحتياطي الذي يسبق المحاكمة إلى أداة أساسية للقمع.

وتعتقل قوات الأمن المصرية الأشخاص من الشوارع أو من منازلهم، وتخفيهم قسريًّا دون إخطار عائلاتهم ودون السماح لمحامين بالدفاع عنهم. وعندما يَمْثُلون في قاعات المحاكم، تُوجَّه ضدهم اتهاماتٍ بارتكاب أعمال إرهابية ويُحبسون لأشهر أو سنوات دون تقديمهم للمحاكمة أو تمكينهم من إثبات براءتهم. ونتج عن الحملة القمعية – التي اعتُقل فيها سالم في عام 2018 – اعتقال مصريين من كل الانتماءات، حيث وُصِفوا بأنهم أعداء الدولة. ومن بين القضايا التي اعتُقل على إثرها مواطنين، قضية ضد سياسي «فكَّر» في الترشح ضد السيسي، وأخرى ضد سيدتين اشتكيتا من ارتفاع سعر تذكر مترو الأنفاق، وثالثة ضد جندي شاب نشر رسمًا ساخرًا على «فيسبوك» للسيسي يشبه ميكي ماوس.

لمحة عن سياسة مصر لتدوير السجناء

يلفت التحقيق إلى أن بعض المعتقلين السياسيين يُحاكَمون أمام محاكم الطوارئ الخاصة التي تنظر في قضايا الإرهاب، والتي لا تُوجِّه فيها السلطات اتهاماتٍ رسمية أو تقدِّم أدلة أو تسمح للمحتجزين بالدفاع عن أنفسهم. ولن تجد سجلات عمومية تحصر عدد المحتجزين بانتظار المحاكمة، لكن التحليل الذي أجرته «نيويورك تايمز» لسجلات مكتوبة بخط اليد، احتفظ بها محامون متطوعون، تكشف لأول مرة عدد الأفراد المحتجزين دون محاكمة وتفضح العملية القانونية التي يمكن أن تُبقِيهم وراء قضبان السجن إلى ما لا نهاية.

Embed from Getty Images

وخلال الفترة من سبتمبر (أيلول) 2020 إلى فبراير (شباط) 2021، قدَّرت الصحيفة الأمريكية أن حوالي 4500 شخص كانوا عالقين في الحبس الاحتياطي. وعلى الرغم من تحديد القانون المصري لفترة الاحتجاز قبل المحاكمة، يُمدِّد المدعون العموميون والقضاة فترات الاحتجاز بعد جلسات استماع روتينية. وأمضى واحد على الأقل من كل أربعة من المعتقلين أكثر من عام رهن الاعتقال، ومُدِّدت فترات احتجازهم دون محاكمة لمرات عديدة.

وأفاد التحقيق أن العشرات أو المئات من الأشخاص يُجمَعون معًا في القضية نفسها، ويُجدَّد حبسهم بصورة جماعية. ومن بين هذه القضايا، التي ضمَّت أكثر من 600 معتقل احتُجزوا خلال احتجاجات مناهضة للحكومة، يوجد صبي عمره 14 عامًا اعتُقل في الجيزة وسيدة عمرها 57 عامًا اعتُقلت في الإسكندرية، وشاب عمره 20 عامًا اعتُقل في السويس.

وطابقت «نيويورك تايمز» الأسماء المكتوبة بخط اليد وأرقام قضايا الأشخاص الذين مَثَلوا أمام المحكمة، وبعد تفادي التباين في الأسماء وتكرارها بعد فحصها بعناية، توصَّلت الصحيفة الأمريكية إلى أن إجمالي العدد الحقيقي للمحتجزين الاحتياطيين قد يكون أكبر من تقديراتها، لكنه يعطي صورة عن المنظومة التي يتبعها النظام المصري مع المحتجزين.

سجناء سياسيون.. نفي ثم إقرار!

يُنوَّه التحقيق إلى أن الصحيفة استبعدت من تقديراتها المحتجزين الذين اعتُقلوا وأُطلِق سراحهم قبل مرور خمسة أشهر، وهي المدة الأولى التي تتطلب مثول المتهم أمام المحكمة، كما أنها استبعدت هؤلاء الذين حوكموا خارج العاصمة أو هؤلاء المعتقلين المحتجزين خارج إطار القانون في مراكز الشرطة والمعسكرات أو المختفين قسريًّا. ونقلت الصحيفة عن خالد علي، المحامي الحقوقي، قوله: «مزيد من الأشخاص العاديين قد اعتقلوا»، موضحًا أن الحبس الاحتياطي من المفترض أن يعطي السلطات وقتًا للتحقيق في القضايا، لكنه «يُستخدم عقابًا للمحبوسين احتياطيًّا».

ومن جانبها تقدر منظمات حقوق الإنسان عدد المعتقلين السياسيين في مصر بـ 60 ألفًا، بمن فيهم هؤلاء الذين ينتظرون المحاكمة، والذين حوكموا وأُدينوا، والمتهمين بأعمال الإرهاب، بالإضافة إلى أصحاب الآراء السياسية المضلِّلة بحسب السلطات التي طالما نفَت احتجازها لمعتقلين سياسيين، وقالت إنها تحتجز فقط من يُكدِّر السلم العام بانتقاده للسياسات. ويوضح صلاح سلام، العضو السابق في المجلس القومي لحقوق الإنسان، أن هناك «قانونًا ضد الاحتجاج، ولا يمكنني وصف أي شخص تآمر على الدولة بالسجين السياسي».

واستدرك التحقيق أنه في الأسابيع الماضية، بدأ بعض المسؤولين في الاعتراف بوجود سجناء سياسيين، مدَّعين أن احتجازهم كان ضروريًّا لاستعادة الاستقرار بعد الربيع العربي في مصر عام 2011. وقال طارق الخولي، عضو البرلمان المصري، إنه «يجب اتخاذ إجراءات استثنائية، عندما تمر بالبلاد بفترات عصيبة، مثل الهجمات الإرهابية أو الإصلاحات الاقتصادية».

وقد توصَّلت مجموعة بحثية مصرية، ترصد نظام العدالة المصرية، إلى أن حوالي 11700 شخص اتُّهموا بالإرهاب في الفترة من عام 2013 إلى 2020، لكن الأغلبية العظمى منهم ليس لهم علاقة بأعمال العنف – بحسب المنظمات الحقوقية. وينقل التحقيق عن محمد لطفي، المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، قوله: «هذا الأمر يُظهِر كيف فقدت تهمة الإرهاب معناها. إنه أمر غير معقول وغير منطقي».

دوامة الاحتجاز

يؤكد التحقيق أن الإطار القانوني للحبس الاحتياطي يوحي بوجود إجراءات قانونية حقيقة. ولكن بحسب معدي التحقيق الذين أجروا مقابلات مع معتقلين سابقين وأهالي معتقلين حاليين ومحامين ونشطاء وباحثين، ثبت أن هناك نظامًا يحرص فيه المدعون العموميون والقضاة على تجاهل أي حقوق للمعتقلين وتقييد هذه الحقوق.

Embed from Getty Images

وخلال الأشهر الخمسة الأولى، يُمكن احتجاز الأفراد قانونيًّا لمدة أسبوعين بناءً على الاتهامات الموجَّهة ضدهم من الادِّعاء، وهي فترة يُمكن تمديدها إذا طلب المدعون مزيدًا من الوقت للتحقيق. وهذا هو ما يفعله المدعون بالضبط؛ إذ يُجددون حبس المحتجزين كل 15 يومًا دون توجيه اتهامات رسمية أو تقديم أدلة. وبعد ذلك، يَمْثُل المحتجز أمام قاضي محكمة الطوارئ، الذي يُجدد له مدى الحبس 45 يومًا.

ونظريًّا تمنح الجلسة المعتقلين فرصةً أخرى للطعن في احتجازهم، لكن – بحسب معتقلين سابقين ومحامين – لا يظهر مع المعتقلين إلا قليلًا محام للدفاع عنهم، ولا تُقدَّم أية أدلة تثبت اتهاماتهم. كما أن جلسات المحاكمة مُغلقة أمام أهالي المعتقلين أنفسهم. ويظهر المعتقلون في أقفاص زجاجية كاتمة للصوت، فلا يسمعون حتى الأحكام الصادرة في حقهم.

ويشير التحقيق إلى أنه بعد انتهاء خمسة أشهر في الحبس الاحتياطي، مَثُل سالم أمام محكمة الإرهاب في قفص كاتم للصوت مع عشرات المتهمين الآخرين. وعندما نُودي اسمه، فتح القاضي الميكروفون وسمح له بالكلام. فقال سالم «حضرتك، أنا أكاديمي ولدي طفلة، أرجو أن تضع هذا في اعتبارك»، لكن القاضي مدد حسبه 45 يومًا أخرى.

وأدَّى تفشي جائحة كوفيد-19 إلى وضع حاجز أكبر بين المحتجزين وجلسات المحاكمة. وأوضح محامون أنه منذ العام الماضي، لجأ مسؤولون إلى نقل بعض المعتقلين إلى غرف تحت قاعات المحكمة دون مثولهم أمام القضاء، وهي طريقة لاستيفاء المتطلبات الإجرائية لجلبهم إلى المحاكمة مع منعهم من تقديم التماس إلى القاضي. ولا تستغرق معظم جلسات المحاكمة أكثر من دقائق معدودة قبل توقيع القاضي على قرار التجديد.

تمثيلية وليست عدالة

ينقل التحقيق عن خالد البلشي، رئيس تحرير موقع «درب»، قوله: «هذا الأمر برمته لا علاقة له بالعدالة؛ إنها تمثيلية». ويُمكن تمديد فترات الحبس 45 يومًا بصورة متكررة لمدة تصل إلى عامين. وبعد ذلك، يتعين الإفراج عن المعتقل، لكن ذلك لا يحدث. وفي أحيانٍ كثيرة يوجِّه الادِّعاء المصري اتهاماتٍ جديدة للمعتقل ويدخل في قضية جديدة لبدء عامين جديدين من الحبس الاحتياطي. وأفاد مركز الشفافية المصري للأبحاث والتوثيق وإدارة البيانات أن حوالي 1764 محتجزًا أُعيد تدويرهم في قضايا جديدة من يناير (كانون الثاني) 2018 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2021. 

مصر

منذ سنتين
ماذا يمكن لجنرال أن يفعل في واشنطن؟ أعوام السيسي الأولى في عالم اللوبيات

ومن هؤلاء علا القرضاوي، 56 عامًا، وزوجها حسام خلف، 59 عامًا، وقد ألقي القبض عليهما أثناء إجازة عائلية بمصر عام 2017. واتُّهما بالانضمام إلى جماعة إرهابية، لكن جريمتهما الحقيقية على ما يبدو، هي علاقتهما بالشيخ يوسف القرضاوي. وبعد انتهاء عامي الحبس الاحتياطي، زَجَّ بهما الادعاء المصري في قضية جديدة، مُتَّهمًا إياهما بارتكاب جرائم جديدة وهما في غيابات السجن.

وأبرز التحقيق أنه على الرغم من وجود تمييز قانوني بين الحبس الاحتياطي وعقوبة السجن، إلا أن ظروف الاعتقال غالبًا ما ترقى إلى عقوبة قاسية. ويُحتجز المعتقلون لسنوات داخل زنازين مكتظة وقذرة، ويُحرمون غالبًا من الزيارة والفراش والطعام والدواء، وقد يتعرضون للتعذيب. وأفادت منظمات حقوقية أن مئات المعتقلين ماتوا داخل السجون المصرية خلال السنوات الخمس الماضية بسبب الظروف المزرية والمعاملة الوحشية والحرمان من الرعاية الصحية.

شبكة تتسع

وعرضت الصحيفة الأسباب التي ساقتها الحكومة لتبرير احتجاز الأشخاص لفترات طويلة دون محاكمة، ومنها تكدس المحاكم وعدم قدرة المدَّعين العامين والمحاكم على مواكبة العدد الهائل من المحتجزين، وهو عبء زاد مع توسيع مصر لحملتها العنيفة ضد المعارضة، بحسب الصحيفة.

ولفت التحقيق إلى وَعْد السيسي، بعد توليه السلطة بعد عزل الجيش لأول رئيس منتخب ديمقراطيًّا لمصر، بتحقيق الأمن والازدهار، وهما كل ما أراده كثير من المصريين بعد سنوات من الثورة والفوضى والصراع الأهلي، على حد تعبير الصحيفة. لكنه استخدم السعي لتحقيق الاستقرار في تبرير تعميق الاستبداد.

Embed from Getty Images

وتطرَّقت الصحيفة إلى الحملة التي شنَّها السيسي بعد توليه السلطة، والتي بدأها باعتقال أعضاء جماعة الإخوان والمتعاطفين معها متهمًا إياهم بالإرهاب، ثم توسَّعت حملته لتشمل النشطاء والصحفيين والأكاديميين. وقالت منظمة ترصد النظام القضائي إن نحو 110 نشطاء، و733 إعلاميًّا، و453 أكاديميًّا اعتقلوا في الفترة من 2013 إلى 2020.

وأشارت الصحيفة إلى ان السلطات اعتقلت ما لا يقل عن 4 آلاف شخص عندما اندلعت سلسلة نادرة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة في عام 2019، بحسب تقديرات جماعات حقوقية ومحامين، وهي اعتقالات ترى الصحيفة أنها كانت مقدمة لحملة قمع أوسع سعَت فيها السلطات المصرية إلى تفادي مزيد من الاضطرابات؛ مستخلصة الدرس من انتفاضة عام 2011.

وعرَّجت الصحيفة على اعتقال ضباط الأمن في ميدان التحرير للمارة بعد إيقافهم عشوائيًّا والبحث في هواتفهم وحساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي عن أي محتوى سياسي. وقالت جماعات حقوقية ومحامون إن هناك وحدة مخصصة في وزارة الداخلية تمشِّط أيضًا وسائل التواصل الاجتماعي بحثًا عن منشورات تنتقد الحكومة.

وهي ممارسة تتكرر مع كل ذكرى سياسية حسَّاسة، بحسب الصحيفة. وأضاف التحقيق أن أكثر من 16 ألف شخص تعرَّضوا للاعتقال أو الاحتجاز أو الاستدعاء من جانب الأجهزة الأمنية لأسباب سياسية من 2020 إلى 2021، وفقًا لمركز الشفافية المصري، وهو رقم لا يشمل الاعتقالات في شمال سيناء، حيث تقاتل الحكومة «جماعات إسلامية مسلحة» ولا تُتاح معلومات عامة كثيرة بشأنه.

وتلفت الصحيفة إلى أن معظم هؤلاء المعتقلين يذهبون مباشرةً إلى الحبس الاحتياطي، على الرغم من أن معظمهم لا يظهر في القوائم التي حصلت عليها الصحيفة؛ إذ أفرجت السلطات عن العديد منهم قبل مرور خمسة أشهر؛ حين بدأ التحقيق في جمع البيانات.

وأدَّى تصاعد القضايا إلى ضغط النظام وتكدس المحاكم واكتظاظ السجون. ونقلت الصحيفة عن اللواء خالد عكاشة، رئيس المركز المصري للدراسات الإستراتيجية، وهو معهد أبحاث موالٍ للحكومة، قوله إن تراكم أعداد المعتقلين يجعل فترات الانتظار الطويلة قبل المحاكمة مسألة «حتمية». وأضافت الصحيفة أن تلك الأوضاع أوجدت كذلك موجة من بناء السجون؛ إذ شيدت مصر 60 سجنًا جديدًا منذ ثورة 2011، جميعها تقريبًا في عهد السيسي، وفقًا لتقارير حقوقية وإخبارية.

مفقود

وتلفت الصحيفة إلى انقطاع التواصل تمامًا مع المعتقلين عند القبض عليهم ولا تخصص السلطات لهم أي مكالمات هاتفية مع ذويهم. وقد تنتظر العائلات شهورًا قبل أن تعلم بدخول أبنائهم مأزق الحبس الاحتياطي. وبعض العائلات لا تسمع عن أبنائها كلمة واحدة.

وتعرِّج الصحيفة على بحث الآباء والأشقاء عن ذويهم في مراكز الشرطة ومكاتب الأمن الوطني، حيث ينكر المسؤولون عادةً احتجاز أقاربهم. وقد يستغرق الأمر أسبوعًا أو أسبوعين حتى يُنقل المشتبه بهم إلى مكتب النائب العام في القاهرة لاستجوابهم، بحسب محامين.

ونقلت الصحيفة عن خالد علي، المحامي الحقوقي، قوله: «يُلقى بالعائلات في حلقة مفرغة من عدم اليقين لأن ذويهم قد يكونون في عِداد الموتى»، مضيفًا أنه «في بعض الأحيان يرغبون في ظهور ذويهم في النيابة؛ لأنهم عندئذ سيعرفون أنهم على قيد الحياة، على الأقل».

رد النظام

وأشارت الصحيفة أن الحكومة المصرية، وبعد أن تعرضت للانتقادات الدولية لانتهاكاتها لحقوق الإنسان وحرصها على استرضاء الرئيس بايدن، كشفت النقاب عن «استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان» الخريف الماضي. وهذا العام، مع تصاعد الضغط الاقتصادي في الداخل، وأطلق الرئيس المصري «حوارًا وطنيًّا»، وصفه السيسي بأنه فرصة للمعارضة للعودة إلى الحظيرة السياسية والضغط من أجل الإصلاحات.

Embed from Getty Images

ونوَّهت الصحيفة إلى شروع لجنة رئاسية في العفو عن عشرات المعتقلين السياسيين، ومناقشة الشخصيات الموالية للحكومة علانيةً لكيفية الحد من طول فترة الاحتجاز السابق للمحاكمة.

وقال الخولي، عضو لجنة العفو، في مداخلة هاتفية تلفزيونية الشهر الماضي إن قرارات العفو عكست «حرص الحكومة على الانفتاح على جميع القوى السياسية واستعدادها لخلق إرادة حقيقية للانخراط في الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس». لكن وحسبما تستدرك الصحيفة حتى مع إطلاق سراح بعض المعارضين والسياسيين، حُكِم على آخرين بالسجن وتتواصل الاعتقالات المدفوعة سياسيًّا على قدم وساق.

ولفتت الصحيفة إلى أن معظم المسؤولين المصريين الذين سئلوا عن نظام الحبس الاحتياطي رفضوا التعليق على هذا التحقيق، ولم يرد أي متحدث حكومي على الطلبات التي أرسلتها الصحيفة إلى مكتب النائب العام ومسؤولي السجون والرئاسة.

البحث عن ابن

واستعرضت الصحيفة معاناة عائلات بعض المعتقلين الذين يختفون في بعض الأحيان في غياهب سجون هذا النظام، ولا يمكن العثور عليهم أبدًا مرةً أخرى.

ومن هؤلاء عرضت الصحيفة حالة عبده عبد العزيز، 82 عامًا، تاجر أسماك مخللة من أسوان، والذي أمضى الأيام القليلة الأولى بعد أن اعتقل ضباط الأمن ابنه في أكتوبر (تشرين الأول) 2018 منتظرًا ابنه في مركز الشرطة. وقد كان على يقين من أن ابنه جعفر سيخرج قريبًا، وقال الأب إن جعفر كان سائقًا، وأب لأربعة أطفال وليس لديه وقت للسياسة.

واستعرضت الصحيفة محاولاته الدؤوبة للعثور على ابنه في أسوان ثم اتصاله بالنائب العام دون جدوى، وتكبَّد مشاق السفر الطويل إلى القاهرة، لكن محاولاته ذهبت سُدى. وقال: «اعتقدتُ أننا في بلد يُحترم فيه القانون والدستور، ولهذا السبب ذهبت. ولم أجد شيئًا من ذلك».

يعلق التحقيق على الأمر قائلًا: «حاول محامون عديمو الضمير اقتناص فرصة يأس الرجل، وأخبروه أن جعفر متهم بالانضمام إلى جماعة إرهابية. وقالوا إنهم يستطيعون العثور على جعفر، وربما حتى مساعدة عبد العزيز في رؤيته، مقابل 640 دولارًا تقريبًا». وبالفعل دفع عبد العزيز المبلغ، وعاد إلى القاهرة، 15 ساعة أخرى في القطار، لكنه لم يعثر عليه أبدًا، حسبما تختم الصحيفة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد