جذبت المناوشات الأخيرة على الحدود بين الهند وباكستان انتباه العالم مجددًا إلى النزاع حول إقليم كشمير، وعلى الرغم من أن الأزمة الأخيرة قد خفّت حدتها في الوقت الراهن، إلا أن القضية لا تزال تتفاقم، ومن المحتمل أن تؤدي إلى مزيد من الاشتباكات بين هاتين الدولتين المسلحتين نوويًا.

وأشار كل من «أكريتي باخوات» الباحثة في معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي (مؤسسة أبحاث سياسية واستراتيجية مستقلة وغير حزبية مقرها في كانبرا)، و«براتيك جوشي» الباحث المشارك في مؤسسة فيفيكاناندا الدولية (مؤسسة فكرية للسياسة العامة مقرها في نيودلهي وتُعتبر مركز أبحاث يميني متحالف عن كثب مع حكومة الهند)، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية المهتمة بالشؤون الخارجية، إلى أنه من المهم فهم الديناميات التاريخية والسياسية والأيديولوجية في مسألة جامو وكشمير؛ لأن مفترق الطرق الذي تجد الهند وباكستان نفسيهما حاليًا عنده هو ذاته الذي يفسد علاقتهما منذ عام 1947.

وقال الكاتبان في التقرير الذي يحمل عنوان «الهند ضد باكستان: الشيء الوحيد الذي قد يُشْعِل حربًا نوويةً (مليارات من القتلى)»: إن باكستان تزعم أن «سيطرة» الهند على كشمير غير قانونية، وأن الحكومة الهندية تلغي بوحشية حق الكشميريين في تقرير المصير؛ في حين تحتج الهند بأن جامو وكشمير جزء لا يتجزأ من البلاد.

جذور الصراع بين الهند وباكستان

ترجع جذور هذا الصراع إلى تقسيم شبه القارة الهندية على أسس دينية بأيدي الحكام البريطانيين في أواخر أربعينات القرن الماضي.

كانت ولاية جامو وكشمير الأميرية حالةً شاذةً في منطق التقسيم: فقد كانت ولايةً ذات أغلبية مسلمة، يحكمها حاكم هندوسي، وحتى عندما تحيَّر المهراجا بشأن الانضمام إلى الهند أو باكستان أو الاحتفاظ بوضع الاستقلال، أرسل الجيش الباكستاني عصابة من المهاجمين الذين تسللوا إلى كشمير في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1947.

قوات قبائل باثمان الباكستانية تستعد للتوجه نحو كشمير أثناء حرب الاستقلال عام 1947، حين بدأت أزمة الهند وباكستان.

قوات من قبائل باثمان الباكستانية تستعد للتوجه نحو كشمير أثناء حرب الاستقلال عام 1947.

وناشد المهراجا رئيس الوزراء الهندي آنذاك جواهرلال نهرو، الذي جعل تدخل نيودلهي مشروطًا بانضمام جامو وكشمير إلى الاتحاد الهندي، ووقع المهراجا وثيقة انضمام إلى الهند في أكتوبر 1947، وأحبطت القوات المسلحة الهندية تقدُّم المتسللين الباكستانيين.

وفي يناير (كانون الثاني) عام 1948، رفعت الهند الأمر إلى الأمم المتحدة، لكنها ندمت لاحقًا على القرار بعد أن أصدر مجلس الأمن الدولي قرارًا يدعو إلى إجراء استفتاء للسماح لشعب جامو وكشمير بتحديد البلد الذي يريدون الانضمام إليه، غير أن الأمم المتحدة جعلت الاستفتاء مشروطًا بجلاء القوات الباكستانية عن المنطقة.

ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بوساطة الأمم المتحدة في عام 1949، كانت باكستان قد رسخت سيطرتها على إقليم جيلجيت بالتستان (المعروف أيضًا باسم المناطق الشمالية) وآزاد كشمير، الذي يُشار إليه اليوم باسم «كشمير الخاضعة لإدارة باكستان».

وخاضت الدولتان منذ ذلك الحين ثلاث حروب بشأن كشمير، وأصبح القصف والعدوان عبر الحدود أمرًا شائعًا.

وأضاف الكاتبان أنه مما زاد الطين بلَّة أن الجزء الشرقي من جامو وكشمير – المعروف باسم «أكسي تشين» – يخضع الآن للسيطرة الصينية، بعد أن استولت بكين على معظمه في حرب عام 1962 مع الهند (وبشكل منفصل، تنازلت باكستان عن وادي شاكسجام إلى الصين بموجب اتفاق وُقِّع في عام 1963)، وما تبقى من الولاية يحكمه الهند منذ عام 1948.

ومع ذلك تشهد الولاية اضطرابات مستمرة تقريبًا بسبب التنافس بين الهند وباكستان، ودعم باكستان للجماعات المتطرفة المحلية، والعلاقات المشحونة بين الحكومة الهندية والشخصيات السياسية الكشميرية الرئيسة.

ونوَّه الكاتبان بأن حدثين – على وجه الخصوص – أطلقا العنان لسلسلة من الأزمات التي لا تزال تؤثر على كشمير حتى يومنا هذا:
الأول: انتخابات الولاية عام 1987 (التي زُعِم أن نيودلهي زوّرتها، وخيمت عليها الاضطرابات السياسية)، والثاني: امتداد الجهاد الأفغاني إلى كشمير (الذي فاقم الصراع المسلح في المنطقة).

وكانت المذبحة والهجرة الجماعية لرجال الدين الهندوسي الكشميريين (المجتمع الهندوسي المحلي) في أواخر عام 1989 وأوائل عام 1990 – نتيجة التمدد الجهادي – فصلًا صعبًا للغاية في تاريخ الولاية المضطرب.

https://sasapost.co/translation/why-kashmir-may-see-increased-violence-after-revocation/

ونتيجة لذلك سنّت الحكومة الهندية «قانون الصلاحيات الخاصة للقوات المسلحة» المثير للجدل في الولاية في عام 1990، الذي يمنح حصانات خاصة للجيش في المنطقة. ولطالما كان بكشمير وجود عسكري هندي مكثّف، وكثيرًا ما تعرضت تصرفات الجيش على مر السنين لانتقادات لاذعة.

وشهد العقد الماضي ارتفاعًا في نشاط المقاتلين المحليين – الذين تحرضهم باكستان – أخفقت الحكومات الهندية المتعاقبة في إخماده، وأشعل إعدام الإرهابي المحلي «أفضال جورو» في عام 2013 وحالات أخرى من هذا القبيل اضطرابات هائلة واستياءً من نيودلهي على مر السنين.

صراع أيديولوجي وعنف لا ينتهي

وتابع الكاتبان أنه مما يزيد من التوترات القائمة أن حزب بهاراتيا جاناتا – بزعامة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي – وعد بإلغاء المادتين 370 و35 أ (اللتين تمنعان الهجرة إلى كشمير من ولايات أخرى) من الدستور الهندي؛ وأدى ذلك إلى ردود فعل محمومة ليس فقط من الأحزاب الكشميرية المحلية، بل من باكستان أيضًا.

وبشكل عام تُعتبر الأزمة في كشمير حلقةً مفرغةً من العنف – تغذيها باكستان وتسحقها الهند – تعصف بالسكان المحليين منذ عقود عديدة.

وفي نهاية المطاف يرى الكاتبان أن الصراع حول كشمير يُعد صراعًا أيديولوجيًا. فالتصور الباكستاني، الذي صاغه قادة رابطة مسلمي عموم الهند قبل التقسيم على افتراض عدم قابلية توفيق الاختلافات بين المسلمين والهندوس، كان حاسمًا ولا يقبل المساومة، ويؤمن بأن المسلمين لن يتمتعوا أبدًا بالازدهار داخل هذا البلد (الهند) ذي الأغلبية الهندوسية، ويفسّر المؤرخ «فيصل ديجي» القومية الباكستانية بأنها مبنية بشدة على فكرة رفض الماضي المشترك مع الهندوس في شبه القارة الهندية.

صورة للصاروخ الهندي بعيد المدى (Agni-5)، الذي يمكنه حمل رؤوس نووية.

صورة للصاروخ الهندي بعيد المدى (Agni-5)، الذي يمكنه حمل رؤوس نووية.

ووصف الكاتبان استيعاب الهند لولاية كشمير ذات الأغلبية المسلمة بأنها «لعنة» على علة الوجود الباكستاني، وبمقتضاها يُنظر إلى الهند العلمانية على أنها تهديد لوجود باكستان ذاته.

وقد أدى دور الهند في المساعدة على تأسيس دولة بنجلاديش بعد عام 1971 أيضًا إلى تعميق الهوة مع باكستان، الأمر الذي ربما يدفع باكستان إلى الانتقام بإثارة الأزمات في كشمير، ويعزز التفوق الاقتصادي والعسكري التقليدي لنيودلهي على إسلام آباد تصورات التهديد لدى الأخيرة.

وعلى الرغم من الخطوات الرامية إلى زيادة الروابط الشعبية بين الهند وباكستان، إلا أن الجيش وأجهزة الاستخبارات الباكستانية – التي تحتكر السياسة الخارجية للبلاد – تعمل على ضمان بقاء كشمير «نقطة غليان» بين البلدين.

وتقول «كارول كريستين فير» الباحثة الأمريكية والأستاذة المشاركة في برنامج الدراسات الأمنية بمدرسة «إدموند والش» للشؤون الخارجية بجامعة «جورج تاون»:
«باكستان.. لديها جيش لا يمكن أن يفوز في الحروب التي يبدأها، وأسلحة نووية لا يمكنها استخدامها، لذلك يجب عليها أن تثبت أن أهداف الهيمنة الهندية ليست دون رادع. وهذا يعني أن باكستان يجب أن تهاجم الهند من خلال جهات فاعلة بالوكالة تحت مظلتها النووية، فقط لإثبات أن الهند لم تهزمها أو أجبرتها على قبول الوضع الراهن».

واعتبر الكاتبان – في ختام تقريرهما – أن أفضل بيئة لمثل هذه الحُجّة هي كشمير، وهذا يعني أن القضية لن تُحل في أي وقت قريب.

https://sasapost.co/gulf-states-and-the-position-of-the-kashmir-dispute/

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد