نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعدته لويزا لوفلوك، مديرة مكتب الصحيفة في العاصمة العراقية بغداد، تحدثت فيه عن مشكلة إعادة سكان مخيم الهول في سوريا، الذين جمعتهم علاقات مع «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، إلى بلدانهم. 

على بعد أميال من الوطن

استهلت الكاتبة تقريرها بالقول: سطعت شمس منتصف النهار في العراق، فيما جلست سيدتان في ظل خيمتهما تتجاذبان أطراف الحديث وتتفكران كيف تقلَّبت أحوالهما. ولم تكن المسافة من مخيم الهول في سوريا إلى العراق بعيدة، بضعة أميال فقط، إلا أن رحلة العودة إلى الوطن استغرقت سنوات.

كانت الأوضاع في المخيم السوري تشبه الجحيم؛ فقد تسببت عمليات القتل المتكررة في الليل إلى تسرُّب الفزع إلى قلوب السكان فور حلول الظلام. وبعد سنوات من الهزيمة الرسمية لتنظيم «داعش»، حوَّل أتباع التنظيم هذا المخيم إلى مسرح جديد لعمليات العنف وفرض السيطرة.

Embed from Getty Images

وفاضت عينا هدير خالد (34 عامًا) بدموع الفرح بعد عودتها إلى بيتها في العراق قادمة من جحيم المخيم، الذي تقول اللافتة المعلَّقة أعلاه إنه مركز تأهيل، وقالت وأطفالها يطلقون الضحكات من زاوية المنزل إن: «العودة إلى الوطن هي كل شيء لي». وأضافت وهي تنظر إلى أصغر أولادها: «كان وضع أطفالي سيئًا جدًّا. ولم نكن نستطيع التنفس». 

ولا يزال مخيم الهول أحد أكثر المشكلات استعصاءً على الحل في المنطقة؛ إذ هو في الواقع سجن كبير في الهواء الطلق يضم عشرات الآلاف من النساء والأطفال من جميع أنحاء العالم، تربط عديدًا منهم صلات قرابة بالمسلَّحين، وتسمح حكومات بلادهم لقليلٍ منهم بالعودة إلى أرض الوطن.

ندوب الحرب

تلفت الكاتبة إلى أن صعود «داعش» وسقوطه في العراق قد خلَّف ندوبًا عميقة، ولا تزال ذكريات شلال الدماء الذي شهدته البلاد حاضرًا في الأذهان. والسؤال المطروح حول الأراضي التي اقتطعها المسلحون من البلاد هو: كيف، أو هل يمكن، إعادة لَم شمْل المجتمعات التي مزقتها الحرب مع بعضها مرةً أخرى؟ وهل سيقبل الناس عودة جيرانهم السابقين من المخيم ليعمروا بيوتهم مرةً أخرى؟ 

عربي

منذ 5 شهور
«زوّار سيرحلون»: لماذا يرفض السوريون العودة للاستقرار في بلادهم؟

وعلى عكس معظم البلدان الأخرى، يحاول العراق بالفعل إعادة شعبه إلى الوطن. ووصف سبعة من الدول الغربية، التي رفضت استعادة مواطنيها من مخيم الهول، المخيمَ بأنه جرح نازف في خاصرة الضمير العالمي. وقال مسؤول، رفض الكشف عن نفسه نظرًا لحساسية القضية في عاصمة بلاده، إن: «الحكومات حاولت التنصل من مسؤولياتها تجاه هؤلاء الناس». 

ومنذ مايو (أيَّار) 2021، أُعيد ما يقرب من 2500 عراقي من مخيم الهول الذي يضم نحو 30 ألف عراقي من مجموع سكانه البالغ عددهم 55 ألف نسمة. ويقول المسؤولون إنهم يتوقعون المزيد من عمليات الإعادة إلى الوطن. 

وعلى الرغم من أن المخيمات الأخرى التي تؤوي النازحين داخليًّا في العراق متهالكة بسبب الإهمال ونقص التمويل، أغلقت الحكومة معظمها العام الماضي، فإن المنشأة التي تضم العائدين من مخيم الهول منظمة وتدار على نحو جيد. وقد رسم السكان جداريات زاهية الألوان على خيامهم، وهناك معالجون نفسيون يقدمون جلسات لمن تظهر عليهم أعراض الصدمة. 

وعندما زار مراسلو «واشنطن بوست» مخيم جدة، قال جميع العائدين تقريبًا إنهم كانوا في مخيم الهول منذ عام 2017، ما يعني أنهم فروا من «خلافة» الدولة الإسلامية قبل سنوات من اتخاذ مسلَّحيها آخر معقل لهم في قرية الباغوز السورية الواقعة بالقرب من الحدود العراقية.

الأطفال وصدمات الحرب

يشير التقرير إلى أن السيدات لا يمتلكن تأثيرًا حقيقيًّا في القرار داخل أسرهن. ففي بعض الأحيان، ينضم الزوج أو الأب مقاتلًا إلى مجموعة مسلَّحة. وفي حالات أخرى، صدرت الأوامر أن يواصل الأقارب الذكور العمل في الوظائف البلدية.

Embed from Getty Images

ويقول الاختصاصيون النفسيون الذين زاروا المخيم العراقي إن علامات الصدمة أكثر حدة عند الأطفال. فهم قلقون ومنعزلون، وربما يتبوَّلون لا إراديًّا بسبب التوتر أو الخوف. كما أن أي صوت خفيف يجعلهم يتحركون حركات مفاجئة لاإرادية، وبعضهم راودته أفكار انتحارية.

وقال السكان إنهم أبقوا أطفالهم داخل الخيام في الهول معظم الوقت خوفًا عليهم من العنف أو التلقين في الخارج. ولهذا، يتعلم الصبية والفتيات الآن فقط اللعب في الهواء الطلق. وقالت عالية إبراهيم، 65 عامًا من تلعفر، المدينة ذات الأغلبية الشيعية التركمانية التي سيطر عليها تنظيم الدولة لمدة ثلاث سنوات: «لقد استغرق الأطفال بعض الوقت ليشعروا بأنهم يستطيعون اللعب فعلًا في الخارج».

وكانت حفيدتها ماريا البالغة من العمر ثلاث سنوات نائمة على أرض الخيمة بجانب دمية مقطوعة اليدين. ومع أن والدها، عبد الله، الذي قضى سنوات أيضًا في مخيم الهول، يريد أن يأخذ طفلته إلى منزلها في تلعفر، إلا أنه كان حذرًا وقال: «ليست بالفكرة السهلة، نحن نعلم أن الناس سيطلقون الأحكام علينا».

التحدي الأكبر

تواصل الكاتبة: إذا كان نقل الأشخاص عبر الحدود يمثل تحديًا، فإن إعادتهم إلى منازلهم هو تحدٍّ آخر. ويحاول المسؤولون العراقيون في الوزارت المختلفة وغرف المؤتمرات ذات الأسقف العالية معرفة الطريق إلى ذلك.

ومؤخرًا في مدينة أربيل، أدار سعيد جياشي، مستشار إحدى هيئات الأمن القومي العراقي، نظره حول الطاولة التي تجمع حولها أعيان من محافظة نينوى المجاورة في الفندق المزدحم لسماع ما الذي يريد قوله قبل الموعد المحدد لإعادة بضع مئات من الناس إلى بلداتهم. تنفس عميقًا ثم قال للمجتمعين: «نحن مسؤولون عن كل عراقي سواء كان مواطنًا صالحًا أو سيئًا. والآن كونوا صريحين معي وعبروا عمَّا يُقلِقكم، وكلي آذان صاغية». 

عربي

منذ 5 شهور
أطول أزمة سياسية منذ الغزو الأمريكي: هل وصل العراق إلى حافة الانهيار السياسي؟

واتفق كثيرون أنه لا يجب أخذ الأطفال بجريرة آبائهم، إلا أن أسئلتهم تركزت على عملية الفحص الأمني. وكان المشاركون في الاجتماع قد رأوا مقاطع فيديو صادمة من مخيم الهول تظهر نساءً وأطفالًا يهاجمون طواقم الإعلام ويهتمون بتحدٍّ لدعم الدولة الإسلامية.

وقال أحدهم: «لدينا مشكلة، فهؤلاء الناس لا يزالون يؤمنون بهذه الأيديولوجية». وأضاف آخر: «لا نريد أن نعيد عناصر داعش إلى بلادنا». وتقول السلطات العراقية إن بطء وتيرة إعادة سكان المخيم إلى البلاد يُعزى جزئيًّا إلى عمليات الفحص المطوَّلة؛ إذ تفحص أجهزة أمنية عديدة العائدين للتأكد من عدم تورطهم في أي جرائم. ولكن الجماعات الحقوقية تشير إلى أن معايير صنع القرار حول هذا الأمر لا تتَّسم بالشفافية. 

وبما أن الحوار كان يعود مرارًا وتكرارًا إلى سؤال كيف يمكن للسلطات معرفة ما يدور حقًّا في أذهان العائدين، أجاب جياشي عن الأسئلة واحدًا تلو الآخر. وقال: «يجب أن نكون واضحين هنا، نحن لا نعيد عناصر داعش، بل نعيد الأبرياء». 

القبول ليس سهلًا

وقد عاد أكثر من 80% من ملايين المدنيين العراقيين الذين شردتهم الحرب ضد تنظيم «داعش» إلى ديارهم. أما فيما يخص أولئك الذين اختار بعض أفراد عائلاتهم الانضمام إلى الجماعة، فقد اختلف أمر قبولهم في بلدانهم. ومع أن هناك تقارير قليلة تشير إلى وقوع عمليات انتقام عنيفة ضد العائلات العائدة، فإن كثيرًا من العائدين يعانون العوز والفاقة والنبذ من الآخرين. فالأمهات لا ترغبن في أن يلعب أبناؤهن مع أطفال العائدين. والجيران الذين تقاسموا الطعام يومًا ما، أغلقوا أبوابهم في وجوه جيرانهم السابقين. 

وفي المدينة القديمة بالموصل، التي لا تزال سماؤها تشهد آثار ضربات القصف الجوي الأمريكي على مسلَّحي داعش، قال معظم السكان إنهم لا يكادون يصدقون أن أحدًا من مخيم الهول يمكن أن يعود. وتساءل غسان عبد الغني، صاحب متجر ويبلغ من العمر 56 عامًا، مستنكرًا: «هل تعتقد أنهم سيعودون إلى هنا»؟!

Embed from Getty Images

وكانت الجماعة قد أعلنت الموصل عاصمة لها وحكمتها بالحديد والنار لمدة ثلاث سنوات. ومع بقاء صدمات تلك الفترة حاضرة في المنازل وعلى الأجساد، قال سكان البلدة القديمة إنهم سيواجهون صعوبة في العيش إلى جانب العائدين من الهول. وقال عبد الغني: «هذا مستحيل، لا أحد يمكن أن يقبل هذا».

وعلى بعد أربعين ميلًا جنوب بلدة القيارة، حيث من المقرر أن تعود عدة عائلات خلال الأشهر المقبلة، ينقسم السكان هناك حول مَنْ يجب أن يُسمح لهم بالعودة إلى منازلهم ومن لا يجب. واتفق معظمهم على أن النساء والأطفال يجب أن يعاملوا على أنهم «بلا ذنب»، إلا أن فكرة أن يعيش العائدون بينهم تثير قلق الكثيرين. 

وفي صيدليته الكائنة في شارع جانبي، استسلم جمال جهاد، 42 عامًا، للأمر، على الرغم من أنه لا يعجبه كثيرًا. وقال وهو يرتِّب صيدليته التي أعاد افتتاحها بعد مغادرة المسلَّحين: «في نهاية المطاف، المسؤولون هم مَنْ سيقررون هذا، وليس نحن. لقد عانى الناس كثيرًا هنا، ومهما حدث الآن، علينا أن نتقبله». 

وفي مكان قريب، قال فارس أحمد، 47 عامًا، إنه لا يتصور حتى عودة هذه العائلات. ثم توقف قليلًا عن الكلام وقطب جبينه كما لو أن هزة ألم ألمَّتْ بجسده وقال: «قتلوا سبعة من إخوتي عندما سيطروا على هذا المكان وأنا الذي استلمتُ جثثهم من المشرحة».

وختمت الكاتبة تقريرها بالقول: بالتأكيد لن يسمح أحد في هذه البلدة الصغيرة لأي شخص مرتبط بالتنظيم بالعودة، أليس كذلك؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد