قال أليكس فاتانكا في مقال له على موقع «فورين بوليسي» إنه في خطاب ألقاه في 2 أكتوبر (تشرين الأول) أمام كبار قادة الحرس الثوري، طلب المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي أن يكونوا مستعدين لـ«الأحداث الكبرى». بلغة غامضة، حذر خامنئي خصومه المحليين، الرئيس حسن روحاني، وأعداء البلاد الأجانب. ولم يكن كلامه صدفة.

يصادف هذا العام الذكرى الثلاثين لتسلّم خامنئي أعلى منصب في البلاد. كان أول عهده مضطربًا. لكنه عقد صفقة مع الحرس الثوري الإيراني، الذي نظر إليه بعين الريبة وقتها. يبحث خامنئي البالغ من العمر 80 عامًا عن الجيل الثاني من الحرس الثوري الإيراني لحماية النظام بعد رحيله. لكن إطلاق يد الجنرالات – المجازفين بطبيعتهم والمنخرطين هذه الأيام في الحروب بالوكالة في المنطقة – قد يأتي برد فعل عكسي.

تحالف اضطراري

هناك من يقول إن خامنئي أخذ العصا من مؤسس النظام، آية الله روح الله الخميني، في عام 1989 – يشير فاتانكا. في الواقع، اختار صقور النظام حماية أنفسهم فوق كل شيء آخر ووجدوا في خامنئي، وهو رجل دين متوسط ​​الرتبة ورئيس سابق، مرشحًا يمكن أن تدعمه الأغلبية باعتباره زعيمًا انتقاليًّا مؤقتًا.

وحتى تنجح خطتهم، تعين إسقاط شرط أن يحمل المرشد الأعلى لقب «آية الله العظمى». أُجري التعديل الدستوري بسرعة، وأُقر بعد الاستفتاء في 28 يوليو 1989، بعد عدة أسابيع من وفاة الخميني. أيد 97.6% من الناخبين المبادرة. لكن المهمة الحقيقية كانت السيطرة على الشوارع وإقناع الجمهور الإيراني بأن الزعيم الجديد الشاب محل ثقة. لهذا السبب، لجأ خامنئي إلى الحرس الثوري الإيراني طلبًا للمساعدة، عارضًا عليهم معاهدة.

ففي مقابل حمايتهم القيادة العليا، سيُمنح الحرس الثوري غطاءً سياسيًا لمصالحه، بما في ذلك الأولوية في الحصول على أموال من الميزانية الوطنية، وحصة كبيرة في الاقتصاد الإيراني، وفرع استخباراتي منفصل وقوي لمنافسة وزارة الاستخبارات، وحق النقض في مسائل السياسة الخارجية الرئيسية.

لم يكن تحالفهم قويًّا – يكشف فاتانكا؛ فطوال الثمانينيات، كان الحرس يشك في خامنئي، الذي كان يشغل منصب رئيس إيران في ذلك الوقت. اعتبره الحرس مسوقًا حرًا فيما يتعلق بشؤون الاقتصاد وليس من بين أكثر رجال النظام الجدارة بالثقة فيما يتعلق بالمسائل المتعلقة بالسياسة الخارجية.

وفي مرحلة ما خلال الحرب مع العراق، منع الحرس الثوري الإيراني الرئيس من زيارة خط المواجهة. وفي مناسبة أخرى، عندما وصل مجتبى خامنئي، ابن خامنئي الثاني والمُجنَّد، إلى فوج الحرس الثوري الإيراني، سمع إساءات شديدة عن والده دفعته إلى طلب النقل.

لكن نهاية الحرب حرمت الحرس أيضًا من مسوغ لوجودهم. لقد انضموا إلى الثورة قبل عقد من الزمان بالضبط وضحوا كثيرا في الحرب ضد صدام حسين. ولكن بعد الحرب وموت الخميني، أراد الحرس أن يظلوا ذوي نفوذ. وقد عرض عليهم خامنئي دورًا قياديًا: ففي مقابل تحكمه في المسار الذي ستتخذه «الثورة»، سيضمن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ أفكاره. كان يبدو من المستحيل رفض العرض.

وفي الوقت نفسه – ينوه فاتانكا – أراد خامنئي مضطرًا أن يساعده الحراس في ترميم المؤسسات المهتزة التي خلفها الخميني. وهكذا، عقد أول ظهور علني له قائدًا أعلى في تجمع لضباط الحرس الثوري. في حضور معظمه من الشباب الذين يتوقون إلى سماع ما يمكن أن يحمله المستقبل، لم يكن لدى خامنئي نفس الشكوك التي كانت لديه قبل أيام قليلة في مجلس الخبراء، الهيئة الدينية التي عينته ولكن كان لديها شكوك عميقة حوله وتعتقد أنه يفتقر إلى المؤهلات الدينية.

خلال خطابه أمام الضباط في عام 1989، قال: «بدون الحرس الثوري، لا يمكن الدفاع عن الثورة». وقد ثبتت صحة ذلك في العقود التالية. فخلال أكبر موجتين احتجاجيتين في إيران – انتفاضة الطلاب عام 1999 ضد النظام، وفي عام 2009 عندما حشدت الحركة الخضراء المعارضة ملايين الإيرانيين ضد حكم خامنئي – كانت بنادق الحرس الثوري الإيراني هي التي أنقذت خامنئي.

تحديات المستقبل

في خطابه أمام جنرالات الحرس هذا العام – يضيف فاتانكا – أشار خامنئي إلى أن الفيلق وحلفاءه التابعين، مثل حزب الله وحماس والحوثيين في اليمن، يجب ألا يقتصروا في عملياتهم على حدود إقليمية محددة. لا شك أن هذا تحذير موجه إلى الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط من أن موجة من العمليات المسلحة التي ترعاها إيران في أماكن ربما لم تتأثر من قبل قد تخدم مصالح طهران.

وقال لرؤساء الحرس الثوري الإيراني: «لا تبني الجدران من حولك وتبقى داخلها». مثل هذا الدعم العلني لمزيد من التشدد الإقليمي هو جزء من استراتيجية الردع لخامنئي. تبحث طهران عن طرق جديدة لإقناع الغرب بأن التوصل إلى اتفاق مع إيران أفضل بكثير من دفعها إلى الزاوية، إذ لن يظل بديل أمامها سوى أن تصبح مفسدة ومتهورة.

ومع ذلك، كان هناك أيضًا جمهور محلي لتصريحات خامنئي، الذي يمكن القول إنه الهدف الأكبر. يراقب خامنئي وحلفاؤه – روحاني ومعسكره المعتدل المزعوم – وهم يقدمون أنفسهم بوصفهم دعاة للتغيير السياسي التدريجي في إيران، ويخوضون معركة ضد تحالف خامنئي – الحرس الثوري الإيراني.

ومثال على ذلك – يواصل فاتانكا حديثه – ففي هجوم صارخ مؤخرًا على ممارسات النظام، وصف روحاني أول برلمان في الجمهورية الإسلامية «1980-1984» بأنه الأكثر تمثيلًا لرغبات الشعب. في ذلك البرلمان، تمكن حتى الشيوعيون وغيرهم من غير الخمينيين من الحصول على مقاعد في الانتخابات. كان هذا هجومًا مباشرًا على مجلس صيانة الدستور الذي يسيطر عليه خامنئي والذي يتمتع اليوم بسلطة الموافقة على أي مرشح يرغب في الترشح في الانتخابات. جاء الرد سريعًا. إذ سرعان ما انتُقد روحاني بسبب ترديده كلام أعداء إيران المزعومين عبر التشكيك في شرعية النظام.

إن خطيئة روحاني هي أنه يذكر الإيرانيين بأن سلطة خامنئي لا تأتي من خلال صناديق الاقتراع بل من خلال بنادق الحرس الثوري الإيراني. لم يستجب خامنئي بشكل مباشر، لكن صحيفة كيهان، التي يسيطر عليها، ذكرت أن روحاني يزداد «راديكالية» – أي إصلاحية – في المجتمع. ليست هذه هي المرة الأولى التي يهاجم فيها روحاني صلاحيات خامنئي، لكنه عادة ما يشعر بالقلق بشأن شرعية النظام فقط في وقت الانتخابات. من المقرر أن تجري البلاد انتخابات برلمانية في أوائل عام 2020، وربما تشهد مقاطعة الناخبين وستكون بمثابة إحراج كبير للنظام.

في الواقع – يقول فاتانكا – لا يمكن لروحاني أن يقرر ما إذا كان يريد أن يكون رئيسًا منتخبًا انتقاليًا أو مجرد وكيل تابع لخامنئي غير المنتخب. لقد احتل روحاني عناوين الصحف في الأسبوع الأول من سبتمبر بإعلانه أنه لا ينبغي أن يكون لدى الناس توقعات منه لأنه «ليس لديه سلطة». وقال في خطاب حديث آخر: «ماذا تريدون من شخص عاجز؟ لا يمكن إجراء أي تغيير في إيران حتى يجري تغيير توزيع السلطة». يمثل هذا التصريح بالتأكيد ضربة قاضية لخامنئي والحرس الثوري. كما يوضح أن روحاني لا يزال يبحث عن الخروج من أسفل عباءة القائد.

يمكن أن يكون هناك سببان وراء رغبته تلك. أولًا، لا يريد روحاني أن يتحمل كل اللوم على أزمات بلاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ثانيًا، ربما يحاول روحاني أن يبدأ في بناء سمعته باعتباره «معتدلًا»، وأنه سيكون نوعًا مختلفًا من القائد الأعلى في حال تمكنه من خلافة خامنئي.

وتمثل تصريحات روحاني أيضًا تحديًا للحرس وسلطتهم. ولعل هذا هو السبب في أن خامنئي يطلب من الحرس الثوري أن يفكر خارج الصندوق وأن يكون مستعدًا لـ«الأحداث الكبرى». وهذه بلا شك دعوة عامة للتيقظ ضد أولئك الذين يطالبون بالإصلاح السياسي والذين قد يتطلعون إلى الاقتتال الداخلي في النظام باعتبارها لحظة مناسبة لتحدي نموذج خامنئي – الحرس الثوري للحكم. على أي حال، فإن التفسير بين الجمهور الإيراني هو أن خامنئي يكلف جنرالات الحرس الثوري الإيراني بأن يكونوا طليعة الثورة وأن يتصرفوا بما يرونه مناسبًا. هذا يعني أن أي شخص يقف في طريقه يمكن وصفه بأنه معاد للثورة.

لكن إطلاق يد الحرس الثوري الإيراني لمواجهة أعدائهم المشتركين لا يخلو من المخاطرة – يستدرك فاتانكا. يشير التصعيد المستمر بين حكومة روحاني والحرس إلى أن هذه منافسة قد تخرج عن السيطرة.

ما يُقلق الحرس الثوري الإيراني هو أنه يُنظر إليه اليوم باعتباره العامل الرئيسي للقمع في إيران. يتورط كبار أعضاء المنظمة في فضائح سياسية وفساد مختلفة، مما يزيد من تركيز الغضب العام على الطبيعة المتوحشة للحرس ودوره باعتباره العقبة الرئيسية أمام الإصلاح السياسي. قد يطلب خامنئي من الحرس شن هجوم، في الداخل والخارج. لكن السؤال المطروح على الحرس هو ما إذا كان ينبغي عليهم مواصلة قمع حكومة روحاني والشعب الإيراني، أم البدء في التفكير في صيغة جديدة للحفاظ على مصالحهم السياسية والاقتصادية بينما تستعد الجمهورية الإسلامية لمرحلة ما بعد خامنئي.

«الجيش الإيراني الضعيف».. كيف تهزم خصومك دون أن تحاربهم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد