لم يقف القرَّاء بعد على مدى جدية هذا الكتاب من سخريته، لكن كتاب «تقرير من الجبل الحديدي» قدَّم قبل 55 عامًا استنتاجاتٍ مروِّعة للغاية حول الحضارة.

نشر موقع مجلة «ريسبونسبل ستيت كرافت» التابعة لمعهد كوينسي لفن الحكم الرشيد مقالًا كتبه لورنس ويلكرسون كول يستعرض فيه فكرة أن الحروب هي المصير الحتمي للمجتمعات البشرية، وهي النظرية التي طرحها كتاب «تقرير من الجبل الحديدي».

مجتمع

منذ سنة واحدة
3 حضارات تحكي لك.. كيف تؤثر الطبيعة الجغرافية للبلد في تماسك مجتمعها؟

يبدأ الكاتب مقاله بالإشارة إلى أنه منذ عدة عقود مضت أثار كتاب «تقرير من الجبل الحديدي» قشعريرة المشهد السياسي الأمريكي. وكان الكتاب من أكثر الكتب مبيعًا وتُرجِم إلى أكثر من 12 لغة.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 1967، نقلت شبكة الإعلام الأمريكية «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت» عن مسؤول حكومي لم تذكر اسمه قوله إن الرئيس ليندون جونسون استشاط غضبًا عندما قرأ كتاب «التقرير» وأمر بالحد من انتشاره. ولم يتحقق هذا الأمر بالطبع، كما يشهد على ذلك وضعه إذ إنه الأكثر مبيعًا بحسب «نيويورك تايمز».

جاد أم ساخر

وأشار الكاتب إلى أن السؤال الذي كان يدور في أذهان معظم القراء هو: هل كتاب «التقرير» جادٌ أم ساخرٌ؟ ولم يستطع أحد تحديد ذلك. ويبدو الكتاب مثل دراسة حكومية، ولكنها كانت مختلفة للغاية. ومَنْ سرَّبها إذا كانت من نِتاج الحكومة؟ لم يعرف القراء لتلك الأسئلة إجابة. فهل كان الكتاب نِتاج عمل فريق دراسة سري للغاية بتوجيهات رئاسية، والذي كُلِّف بدراسة مدى إمكانية تحقيق السلام العالمي، أم أنه كان سُخْرية ذكية للغاية من عدم قدرة البشرية على فعل أي شيء في هذا الصدد باستثناء بدء مزيد من الحروب.

وفي نهاية المطاف، لم يتحدد بعد هل كان الكتاب سُخْرية متقنة الصنع من تأليف ليونارد سي لوين (كان هذا هو التخمين على أي حال)، أم تقريرًا حقيقيًّا لمجموعة دراسة خاصة مكونة من شخصيات بارزة متباينة مثل إي. دوكتورو وجون كينيث جالبريث. وعلى الرغم من الجدل القانوني الذي يكتنف مصدر الكتاب وإمكانية نشره مرةً أخرى، صدرت عدة طبعات منه منذ عام 1967، بما في ذلك طبعة جديدة ذات غلاف ورقي في عام 2008.

استنتاج صادم

وأوضح الكاتب أن كتاب «التقرير» لا يزال حاضرًا معنا لأنه استفزازي للغاية ومدهش وذو صلة بالأحداث الجارية، بالإضافة إلى كونه صادمًا إلى حد ما. وتكفي جملة واحدة من الكتاب لتوضيح صداه وأهميته بالإضافة إلى قوته الصادمة: «الحرب نفسها هي النظام الاجتماعي الأساسي، والذي تتعارض أو تتعاون داخله الأنماط الثانوية الأخرى للنظام الاجتماعي. إنه النظام الذي يحكم معظم المجتمعات البشرية، كما هو الحال اليوم».

ومثل هذه الاستنتاجات الحازمة تزداد وضوحًا من خلال غرض فريق الدراسة المزعوم من جعلها دراسة حول مدى إمكانية نزع السلاح العام وتحقيق السلام من عدمها.

دبابات وحيد القرن تعرف إلى السلاح الغريب الذي حرر باريس من النازيين

وفي الواقع، كان العنوان الأصلي الكامل للكتاب هو «تقرير من الجبل الحديدي عن إمكانية تحقيق السلام والرغبة فيه أو Report From Iron Mountain on the Possibility and Desirability of Peace». ونميل إلى الادعاء بأن الكتاب، مهما كان أصله، كان ردًّا على خطاب يوم التخرج الرائع الذي ألقاه الرئيس جون كينيدي في الجامعة الأمريكية في 10 يونيو (حزيران) 1963، وآية ذلك أن الرئيس تحدث بقوة ليس فقط عن خطة للحد من الأسلحة النووية، ولكن عن خطة لطريق واقعي نحو السلام العالمي. وكان هذا في وقتٍ هددت فيه الحرب الباردة مرتين – في برلين وكوبا – بتدمير العالم.

ومع ذلك، كانت إجابة الكتاب، كما كانت وكما يوحي الاقتباس أعلاه، سلبية مدوية. فبسبب الطبيعة الأساسية للحرب داخل الثقافات والمجتمعات والدول القومية، وفي الواقع داخل الوعي البشري، بدا السلام مستحيلًا تمامًا.

وفي الكتاب، هناك حتى دلالة ضمنية فريدة إلى حد ما على أنه عندما رأى كارل فون كلاوزفيتز، ربما كان أبرز منظري نظرية الحرب الوشيكة في العالم وغالبًا ما تُقتَبس أطروحاته في هذا الصدد، أن الحرب كانت امتدادًا للسياسة بوسائل أخرى، فقد تسبَّب في وقوع أقصى قدر من الإضرار بالبحث عن السلام لأنه جعل من الحرب أمرًا منطقيًّا.

لكنه لم يفعل ذلك من منظور البحث عما يمكن فعله لمنع الحرب، بل من منظور إدامتها بوصفها نظامًا اجتماعيًّا مهيمنًا يدير البشر من خلاله شؤونهم، وباختصار، لجعل فكرة الحرب أكثر قبولًا واستساغة.

ونظرًا إلى أن نابليون بونابرت – الأمير والقائد الميداني في المعارك في شخص واحد – كان نموذجًا يُحتذى به لكلاوزفيتز، فإن الإسهام الأساسي لمنظِّر الحرب يلقي ضوءًا جديدًا تمامًا؛ ضوءًا مروعًا ومزعجًا.

وهكذا نجد في «موجز واستنتاجات» التقرير ما يلي:

«ليست الحرب في الأساس أداةً، كما يُفترض على نطاق واسع، للسياسة تستخدمها الدول لتوسيع قِيَمها السياسية المعلنة أو مصالحها الاقتصادية أو للدفاع عن ذلك. بل على العكس من ذلك، فالحرب نفسها هي الأساس الرئيس للنظام الذي تُبنى عليه جميع المجتمعات الحديثة. ويتمثل السبب المباشر المشترك للحرب في التدخُّل الواضح لأمة ما في تطلعات دولة أخرى.

ولكن أساس جميع الاختلافات الظاهرية في المصلحة الوطنية يكمن في المتطلبات الدينامية لنظام الحرب نفسه فيما يخص الصراع المسلَّح الدوري. والاستعداد للحرب يميِّز النظم الاجتماعية المعاصرة على نطاق أوسع مما تفعله هياكلها الاقتصادية والسياسية».

ضرورة وجود خطر داهم

وأضاف الكاتب أن المرء لا يمكنه اليوم أن ينظر بعقلانية إلى الصراع في أوكرانيا – وفي الواقع إلى الحروب العديدة التي دمرت الكوكب على مدى العقود الثلاثة الماضية والتي تعيش بوضوح في ذكرياتنا البشرية – ولا يفهم الحقيقة الأساسية في هذه الكلمات.

وكذلك اليأس الذي تولده تلك الحقيقة، سواء لأوكرانيا أو إسرائيل أو الفلسطينيين أو اليمن أو ليبيا أو الصومال أو الجنس البشري بأكمله. أضف إلى هذا الواقع وجود الأسلحة النووية في تسع دول قومية قائمة تقوم هياكلها الاقتصادية والسياسية على الحرب، والخطر هائل على نحو واضح.

تاريخ

منذ شهرين
أحدهم منع حربًا نووية.. هؤلاء رفضوا إطاعة الأوامر فغيروا التاريخ

ومع ذلك، فإن التقرير لديه نقطة أخرى ليقدمها:

«… لا يمكن أن يكون البديل القابل للتطبيق للحرب، بوصفها نظامًا اجتماعيًّا، مجرد تمثيلية رمزية، وآية ذلك أنه يتعين أن ينطوي ذلك البديل على خطر حقيقي للتدمير الشخصي الفعلي، وأن يكون ذلك الخطر على نطاق يتوافق مع حجم النظم الاجتماعية الحديثة وتعقيداتها. إن المصداقية هي الأهم، وسواء أكان البديل طقوسًا بطبيعته أو موضوعيًّا وظيفيًّا، ما لم يوفر تهديدًا بالحياة والموت قابلًا للتصديق، فلن يخدم وظيفة النظام الاجتماعي للحرب».

ولذلك، يُعد وجود خطر خارجي مقبول أمرًا ضروريًّا للتماسك الاجتماعي، وكذلك لقبول السلطة السياسية. ويجب أن يكون الخطر قابلًا للتصديق، ويجب أن يكون بحجم يتسق مع تعقيد المجتمع المهدد، ويجب أن يظهر، على الأقل، أنه يؤثر في المجتمع بأسره.

حرب أوكرانيا حصار ماريوبول أوكرانيا حرب بالوكالة

وعند قراءة القسم الفني من كتاب «التقرير» الذي عرضته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في 28 فبراير (شباط) 2022، يتعين على المرء أن يطرح السؤال الآتي:

«هل ونحن نعيش بهذا اليقين الذي لا جدال فيه بشأن تدميرنا الشامل تسلَّمنا أداةَ خلاصنا عن طريق العناية الإلهية أو القضاء والقدر؟».

وفي هذا الصدد، يبدو أن مسألة كون الكتاب منتجًا رسميًّا لمجموعة الدراسة أو عرضًا ساخرًا لا تهم كثيرًا. ويطرح كتاب «التقرير من الجبل الحديدي» سؤال عصرنا، وعلى الأرجح سؤال كل العصور، وفق ما يختم به الكاتب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد