أعدَّت جيسيكا مونتيل، المديرة التنفيذية لمنظمة «هموكيد» الإسرائيلية لحقوق الإنسان، مقالًا نشرته مجلة «جاكوبين» اليسارية الأمريكية، سلَّطت فيه الضوء على التمييز الذي تمارسه السلطات الإسرائيلية ضد المواطنين الأمريكيين الذين يرغبون في زيارة الأراضي الفلسطينية.

في بداية مقالها، أشارت الكاتبة إلى أن وزارة الدفاع الإسرائيلية في الآونة الأخيرة جعلت متطلبات الحصول على التأشيرة للمواطنين الأمريكيين الذين يسعون لزيارة فلسطين أكثر صرامة. وهذا بدوره، سيُصعِّب على كثير من الفلسطينيين (الذين يحملون الجنسية الأمريكية) زيارة عائلاتهم المقيمة في الأراضي الفلسطينية كما أنه سيجعل عمل المواطنين الأمريكيين في البلاد أمرًا صعبًا.

الجامعات الإسرائيلية مقابل الجامعات الفلسطينية

تضرب الكاتبة مثالًا بأنه إذا قررت طالبة أمريكية الدراسة في إحدى جامعات الضفة الغربية، وتقدمت بأوراقها مباشرة إلى الجامعة وقُبِلت فيها، فإنها ستحتاج، بالطبع، إلى تأشيرة دخول من السلطات الإسرائيلية، التي تتحكم في كل منافذ الدخول إلى الضفة الغربية. لكن أي سلطات بالضبط؟ يعتمد هذا على خطط الطالبة الأمريكية للدراسة في جامعة أرييل، الواقعة في مستوطنة أرييل الإسرائيلية، حيث يجب عليها التقدم بطلب للحصول على تأشيرة دخول من وزارة الداخلية الإسرائيلية، وهي عملية يجعلها الاحتلال بسيطة وواضحة، ويمكن للطالبة الحصول على تأشيرات دخول متعددة قابلة للتجديد طالما استمرت في دراستها.

اقتصاد الناس

منذ شهرين
اقتصاد المواجهة والصمود.. بين انتفاضات الفلسطينيين ومحاولات التجريف الإسرائيلية

لكن إذا كانت الطالبة الأمريكية قد قررت الدراسة في جامعة فلسطينية، فإنها بحاجة إلى طلب تأشيرة من الجيش الإسرائيلي. وهذه عملية تتسم بقدر أكبر من التقييد والإجحاف. ولا يمكن تمديد تأشيرة الطالبة لأكثر من 27 شهرًا.

وفي هذه الحالة، يُشترط في الطلب المقدَّم من الطالبة أن تُدوِّن أرقام الهواتف المحمولة الخاصة بها وعناوين البريد الإلكتروني لأي من أفراد عائلتها في الضفة الغربية وتفاصيل أي ممتلكات تمتلكها في فلسطين أو دعاوى ميراث. ويتعين على الطالبة الأمريكية أن تجري مقابلة مع القنصلية. وفي حقيقة الأمر، أن كل هذه المتطلبات لا تضمن لها إمكانية الحصول على التأشيرة، إذ يسمح الجيش الإسرائيلي لـ 150 طالبًا أجنبيًّا فحسب بالدراسة في الجامعات الفلسطينية.

اشتراطات جديدة

توضح الكاتبة أن كل هذه المتطلبات منصوص عليها في الإجراءات الجديدة التي حددتها وزارة الدفاع الإسرائيلية بشأن دخول الأجانب وإقامتهم في منطقة يهودا والسامرة (المسمى التوراتي الذي تستخدمه الحكومة الإسرائيلية للإشارة إلى منطقة الضفة الغربية المحتلة). ولا تتعلق تلك الإجراءات الجديدة، التي من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ الشهر المقبل، بالطلاب فحسب. بل إن تلك الإجراءات تحدد، على نحو مماثل، معايير مجحفة وغريبة لأي شخص يسعى للعمل أو التدريس أو التطوع في أي مؤسسة فلسطينية أو يرغب في زيارة الضفة الغربية لأي سبب من الأسباب، بما في ذلك الأشخاص المتزوجون من فلسطينيات. 

Embed from Getty Images

وهناك ما هو أكثر من ذلك، إذ لن يتمكن المواطن الأمريكي، الذي يحمل جواز سفر أردنيًّا، من التقدم بطلب للحصول على التأشيرة. وعلى الرغم من العلاقات الدبلوماسية التي تربط إسرائيل مع الأردن ومصر والمغرب والبحرين وجنوب السودان، فإن مواطني تلك الدول مستبعدون تمامًا من هذه الإجراءات الجديدة، ولا يمكنهم دخول الضفة الغربية إلا في «حالات استثنائية وإنسانية». والأمر نفسه ينطبق أيضًا على مزدوجي الجنسية، ويُمنع الأمريكيون، الذين يحملون أيًّا من جوازات سفر تلك الدول، تمامًا من العمل أو الدراسة أو العمل التطوعي في الضفة الغربية.

ذعر من النتائج

تلفت الكاتبة إلى أنه من جانب آخر، تدرس الإدارة الأمريكية حاليًا إدراج إسرائيل في برنامج الإعفاء من التأشيرة، إذ يتطلع الإسرائيليون إلى أن يكونوا قادرين على السفر إلى الولايات المتحدة دون الحاجة إلى التقدم للحصول على تأشيرة. إلا أن هذا البرنامج قائم على مبدأ المعاملة بالمثل: تلتزم إسرائيل بمعاملة الأمريكيين بالطريقة نفسها التي تعامل بها الولايات المتحدة الإسرائيليين. ولا يتوافق التمييز الصارخ والسافر ضد المواطنين الأمريكيين في الإجراءات الجديدة لوزارة الدفاع مع شروط برنامج الإعفاء من التأشيرة.

وقد تلقى مكتب المساعدة القانونية الإسرائيلي لمنظمة «هموكيد» الحقوقية سيلًا من المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني المذعورة من أشخاص يحاولون فهم الإجراءات الجديدة: يحاول مدرس موسيقى بريطاني معرفة هل سيكون بمقدوره مواصلة التدريس في مدرسته الثانوية (لن يكون بمقدوره، إذ تسمح الإجراءات الجديدة بحصول أساتذة الجامعات على تأشيرات ولكن لا يسمح بإصدار تأشيرات لمعلمي المدارس الثانوية).

وسألت سيدة أمريكية متزوجة من مواطن فلسطيني ما إذا كان سيُسمح لها بالعودة إذا غادرت الضفة الغربية لتزور والدتها المريضة (يُمكنها الحصول على تأشيرة مدتها ثلاثة أشهر، لكن سيتعين عليها إيداع 20 ألف دولار للتأكد من أنها لن تبقى مدة أطول). وبالمثل، سيدة أردنية تواجه وضعًا مشابهًا، إذا غادرت الضفة الغربية لرؤية والدها المسن قبل وفاته، فمن المحتمل ألا تتمكن من العودة إلى زوجها وأطفالها.

ما الداعي لكل هذه القيود؟

تنوِّه الكاتبة إلى أن هذه الأمثلة تظهِر أنه لن يتضرر من الإجراءات الإسرائيلية الجديدة الأجانب فحسب، بل المجتمع الفلسطيني بأكمله. وتُقيِّد الإجراءات الجديدة قدرة المجتمع الفلسطيني على الاستفادة من الاتصالات مع العالم الخارجي. وتفرض إدارة تفصيلية دقيقة للجامعات الفلسطينية والتي تشكل ضربة قاصمة للحرية الأكاديمية.

Embed from Getty Images

وبخلاف التأشيرات الأكاديمية التي تقتصر على 27 شهرًا، لا يمكن للجامعات تمديد فترة عمل أعضاء هيئة التدريس الأجانب. وبالإضافة إلى تحديد حصة 150 طالبًا أجنبيًّا، ستفرض وزارة الدفاع الإسرائيلية حصة جديدة من 100 محاضر أجنبي. وسيقرر مسؤول بوزارة الدفاع الإسرائيلي المجالات الأكاديمية التي تتطلب محاضرين أجانب والمؤهلات التي يجب أن يحملوها.

لكن ما هو السبب وراء كل هذه القيود؟ لا تقدم وثيقة وزارة الدفاع الإسرائيلي المؤلفة من 97 صفحة أي تفسير لتلك القيود. وبموجب القانون الإنساني الدولي، يمكن للجيش الإسرائيلي العمل في الضفة الغربية لأحد سببين: ضمان أمنها أو لصالح السكان المحليين. ولا توجد وسيلة ممكنة لتبرير هذه القيود الصارمة على دخول الأجانب إلى الضفة الغربية على أساس مخاوف أمنية مشروعة، كما أن هذه القيود لا توفر الرفاهية للسكان المحليين بالتأكيد، بحسب المقال.

وتشير الكاتبة إلى أن منظمة «هموكيد» الإسرائيلية الحقوقية تستعد لتقديم التماس إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية للمطالبة بتعديل شامل لهذا الإجراء. ويجب على الجيش الإسرائيلي السماح للفلسطينيين بالعيش مع أزواجهم دون خوف من الانفصال القسري. وتطالب الكاتبة جيش الاحتلال باحترام الحرية الأكاديمية للجامعات الفلسطينية، وليس من حقه أن يحدد أولويات المؤسسات الفلسطينية فيما يتعلق بالمتطوعين الأجانب والطلاب وأعضاء هيئة التدريس وغيرهم من الموظفين. وتضييف الكاتبة أنها قرارات يجب أن يمتلك المجتمع الفلسطيني حريته في أن يتخذها بنفسه.

ويجب على الإدارة الأمريكية أن تنقل الرسالة نفسها إلى إسرائيل، وأن تُصر على أن تعامل إسرائيل جميع المواطنين الأمريكيين دون تمييز. وبالتزامن مع تخطيط الرئيس الأمريكي جو بايدن لزيارة إسرائيل، قد يكون الكشف عن قلق الإدارة الأمريكية أكثر فعالية من تقديم التماس إلى محكمة إسرائيل نفسها، بحسب ما تختم الكاتبة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد