نشر موقع مجلة «ريسبونسبل ستيتكرافت» التابعة لمعهد كوينسي الأمريكي لفن الإدارة الرشيدة تقريرًا أعدَّه الكاتب أليك دوبرو لموقع «فورين بوليسي إن فوكس» يُقدم فيه إطلالة على طموح اليابان في تعزيز قوتها العسكرية والعقبات التي تكتنف هذا الطموح.

يشير الكاتب في مطلع تقريره إلى أن فرقاطة البحرية الألمانية «بايرن» رَسَت في اليابان في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) بعد يومين من التدريبات مع المدمرة «ساميدار» التابعة لقوات الدفاع الذاتي البحرية اليابانية، لافتًا إلى أنها ليست إعادة تأسيس لدول المحور (الدول التي حاربت في الحرب العالمية الثانية ضد الحلفاء)، لكنها لم تزل مسألة تحمل دلالات مهمة.

وقال الجنرال إبرهارد زورن، قائد القوات المسلحة الألمانية في مؤتمر صحافي عُقد في طوكيو: إن «منطقة المحيطين الهندي والهادئ تُعد اليوم واحدة من أهم المناطق الإستراتيجية في العالم»، موضحًا أن «قرارات مهمة بشأن الحرية والسلام والرفاهية في العالم تُتخذ في هذه المنطقة، ويوضح نشر فرقاطتنا في المحيطين الهندي والهادئ أن ألمانيا تدافع عن قيمنا المشتركة». وبعبارة أخرى يضطلع الألمان بدورهم لاحتواء الصين، تمامًا كما فعل البريطانيون، والفرنسيون، والهولنديون، وبالطبع الأمريكان.

تناقض مع الدستور

ولفت الكاتب إلى أن قوات الدفاع الذاتي اليابانية وُصِفت بأنها خامس أقوى قوة عسكرية في العالم. وفي نوفمبر 2021، استكملت الميزانية العسكرية لليابان البالغة 47 مليار دولار باعتماد إضافي قدره 6.7 مليار دولار. وضغط رئيس الوزراء يوشيهيدي سوجا والحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم من أجل الملحق الإضافي بسبب التهديدات المستمرة ليس فقط من الصين، ولكن من روسيا وكوريا الشمالية.

ولم تُمثل تلك الخطوة مفاجأة للأمريكيين؛ ففي اجتماعهما رفيع المستوى الذي عُقد في أبريل (نيسان) بواشنطن، أعلن كل من سوجا والرئيس بايدن عزمهما على زيادة قدرات الدفاع الوطني اليابانية من أجل «زيادة تعزيز التحالف الأمريكي الياباني والأمن الإقليمي».

Embed from Getty Images

ويعني الأمن الإقليمي ضمنًا وجود قوة إستراتيجية، وهو أمر يتناقض مع دستور السلام الياباني لعام 1947. وتلك الوثيقة الأساسية واضحة تمامًا في التفاني من أجل السلام العالمي والإقليمي. وتنص المادة 9 منه على ما يلي:

«يتطلع الشعب الياباني بإخلاص إلى السلام العالمي القائم على العدل والنظام، ويشجب الشعب الياباني الحرب، وإلى الأبد، بوصفها حقًا سياديًّا للأمة، والتهديد أو استخدام القوة باعتبارها أداة لحل النزاعات الدولية».

ومع ذلك فإن هذا الإعلان المذهل للأمة التي دمَّرت شرق وجنوب شرق آسيا، بوصفه جزءًا من وثيقة فرضها الاحتلال الأمريكي على اليابان، بدأ يتآكل قبل أن يجف الحبر الذي كُتبت به. وفي الوقت الحاضر تمتلك اليابان ميزانية عسكرية أكبر من ميزانية فرنسا، أو المملكة المتحدة، وتستمر في النمو.

عزم واضح

وأوضح الكاتب أن اليابان تعترف الآن علنًا بعزمها على الانخراط عسكريًّا في الدفاع عن مياهها الساحلية وجزرها النائية، أيًّا كان ما يعنيه ذلك، والتي تدعي الصين ملكيتها. وتُسمى هذه الجزر التي تسيطر عليها اليابان في بحر الصين الشرقي «سينكاكو» باللغة اليابانية و«دياويو» باللغة الصينية، لكن طوكيو منفتحة تمامًا أيضًا بشأن هدفها المتمثل في أن تصبح لاعبًا رئيسًا في بحار الصين الشرقية والجنوبية، وكذلك في باقي غرب المحيط الهادئ. ويبدو أن هذا يحظى بمباركة البنتاجون.

وبعد اجتماعه في أبريل 2021 في واشنطن مع الرئيس جو بايدن، قال رئيس الوزراء الياباني الجديد فوميو كيشيدا «إنه تلقى رسالة» قوية «من الرئيس الأمريكي» عن الالتزام بالدفاع عن «سينكاكو». وكان البيان يفتقر إلى التفاصيل، ربما لأن الولايات المتحدة لا تعرف تمامًا كيف ستبدو طبيعة دفاع من هذا القبيل.

وحاليًا تمتلك اليابان 150 ألفًا من القوات البرية العاملة، بما في ذلك 50 ألف جندي في قوة الدفاع الذاتي البحرية (بالإضافة إلى 150 سفينة و350 طائرة) و50 ألف جندي من أفراد القوات الجوية. وهذا عدد يفوق عدد العسكريين في بريطانيا أو فرنسا. وبالإضافة إلى ذلك خصصت اليابان الاعتمادات الإضافية لشهر نوفمبر لشراء أنظمة صواريخ أرض-جو الأمريكية «سام» وغيرها من الأجهزة العالية التقنية.

Embed from Getty Images

هذا بالإضافة إلى مزيد من طائرات الدوريات البحرية والألغام البحرية والطوربيدات وغيرها من المعدات. وكل ذلك يَصبُّ في مواجهة سوء سلوك كوريا الشمالية المتمثل في التهديد باستخدام الصواريخ، وكذلك تعدي الصين على جزر اليابان الواقعة غربي المحيط الهادئ غير المأهولة في الغالب.

عقبات على الطريق

ويستدرك الكاتب مضيفًا أن أرقام الميزانية، على الرغم من ذلك لا تكشف بالضرورة عن فعالية الجيش، ذلك أن المشكلة هي أن قوات الدفاع اليابانية اعتمدت في الأساس على المعدات اليابانية، وهذه المعدات قديمة ومكلفة. على سبيل المثال كان عُمْر الدبابات التي عُرضت في مجموعة من المناورات العامة في هوكايدو مؤخرًا 30 عامًا. وهذا لا يضع القوات اليابانية في وضع غير مؤاتٍ في ساحة المعركة فحسب، ولكنه يقلل أيضًا من مبيعات الأسلحة اليابانية في جميع أنحاء العالم.

وينقل الكاتب عن خبير الدفاع هيجو ساتو، في حديثه إلى وكالة أسوشييتد برس، قوله: «المشكلة هي أن منتجات الدفاع اليابانية ليست من الدرجة الأولى. ولا أحد يهتم بشراء منتجات من الدرجة الثانية أو الثالثة بأسعار أعلى».

وعلاوةً على ذلك تواجه اليابان أيضًا عقبات بسبب علاقتها غير المُثلى مع حليفتها من الناحية الشكلية المناهضة للصين، كوريا الجنوبية؛ إذ يشعر الكوريون دائمًا بالغضب حيال فشل اليابان في تقديم تعويضات مناسبة عن معاملتِها في زمن الحرب لمستعمرتها آنذاك، إذ يقول اليابانيون بشكل أو بآخر «تجاوزوا الأمر».

وعلى الجانب الآخر، تمتلك الصين جيشًا أكبر كثيرًا، وربما البحرية الأكبر في العالم. ولكن ميزانية الدفاع الضخمة وحدها ليست مقياسًا موثوقًا للقوة، وفقًا لريتشارد صامويلز، مدير برنامج اليابان التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومركز الدراسات الدولية التابع له. وقال صامويلز: «من غير المحتمل أن تكون اليابان قادرة على ردع الصين بمفردها (باستثناء الاختراق النووي)، ولذلك فهي تبذل جهودًا دءوبة لاحتضان الولايات المتحدة وتنمية العلاقات مع دول أخرى في المنطقة، وفي أوروبا أيضًا».

ثم هناك مسألة مزعجة تتعلق بدستور السلام الياباني الذي لم يزل ساري المفعول رغم تفسيره الإبداعي في كثير من الأحيان. وباختصار على الرغم من أن الجناح اليميني الياباني يؤيد بالكامل استعادة الجيش القوي، فمن غير الواضح على الإطلاق مدى رغبة عامة الشعب في دعم هذا التوجه. وقد أثارت سابين فروستوك، رئيسة قسم الدراسات الثقافية اليابانية بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، هذه النقطة قائلةً: «بغض النظر عمن تتكلمون معه، أود أن أسأل: هل يعتقدون أن شباب اليابان سيكونون على استعداد لخوض حرب إذا ما حدث صراع بمجرد أن يصبح واقعًا»؟ خصوصًا إذا كانت الحرب على بضعة صخور مهجورة على الحدود البحرية لليابان والصين.

Embed from Getty Images

إنها ليست مجرد مسألة إرادة، فهناك أيضًا مسألة انخفاض عدد السكان. وفي عام 2020 ووفقًا لمعهد الدراسات الإستراتيجية لكلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي: «إن الافتقار إلى القوى البشرية يفرض قيودًا هيكلية على قدرة اليابان على توسيع قواتها العسكرية، حتى ولو توفرت الموارد اللازمة لتعزيز كبير. وقد ظلت مستويات الأفراد في قوات الدفاع الذاتي راكدة منذ نهاية الحرب الباردة. والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن قوات الدفاع الذاتي كافحت لاستكمال صفوفها».

وأعرب الكاتب عن عدم يقينه إزاء رغبة الشعب الياباني في المخاطرة بحضارتهم المزدهرة والمنظمة من أجل بقايا إمبراطوريتهم الشاسعة في المحيط الهادئ، حتى وإن كان إلى جانبهم الولايات المتحدة والبحرية الألمانية.

ويلفت الكاتب في ختام تقريره إلى أن طوكيو ترغب على ما يبدو في توخي الحيطة في رهاناتها، مستشهدًا بما كتبته صحيفة «جابان تايمز» في 28 ديسمبر (كانون الأول) موضحةً أن «وزير الدفاع نوبو كيشي قال يوم الاثنين إنه اتفق مع نظيره الصيني وي فنجي على فتح خط ساخن بين مسؤوليهما في خضم التوترات بشأن الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد