حول لجوء المواطنين اللبنانيين إلى شراء السلاح لتسليح أنفسهم، في ظل تدهور الاقتصاد وزيادة الجرائم، كتب كريم شهيب من بيروت تقريرًا لموقع «ميدل إيست آي» البريطاني استهله بمشهدٍ مثير لرجل يرتدي قناعا جراحيًا ويشهر مسدسًا بينما يطلب من أحدهم أن يريه النقود، ويضع بعض الأشياء داخل حقيبة، وهو يحذره من المماطلة. 

لم تكن هذه عملية سطو على بنك في لبنان، الذي يعاني من ضائقة مالية، بل كان الرجل المسلح يسرق حفاضات وبعض النقود النثرية من صيدلية محلية؛ ما يعكس مدى تدهور الأوضاع في هذا البلد.  

داخل صيدلية أخرى، في ضاحية جديدة شمال بيروت، كان رجل شديد النحافة والطول يلوح بمسدسه وهو منهمك في بحث محموم عن المال صباح الأربعاء، سعيًا لاقتناص أي نقود يمكنه العثور عليها. 

هذا ما يحدث حين يسيطر القلق على الأجواء

يُرَجِّح التقرير أن هذه الجرائم التي تشهدها شوارع بيروت تصاعدت نتيجة الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان، ما أدى إلى تزايد قلق السكان الذين يفكرون في شراء السلاح، وهو خيار كان لا يمكنهم تصور اللجوء إليه فيما مضى.

Embed from Getty Images

حكى اثنان من السكان قصتهما لموقع ميدل إيست آي، وأوضحا سبب اختيارهما لشراء سلاح ناري، بشرط عدم الكشف عن هويتهما. يقول أحدهما – واسمه المستعار نضال – في غضون شهر واحد، سمعت عن تعرض العديد من الأشخاص للهجوم والسرقة. وحينما سادت الفوضى، شعرت بضرورة حماية نفسي.

مثل كثيرين آخرين في لبنان، سحب نضال أكبر قدر ممكن من النقود من حسابه المصرفي، في ظل ما تسمح به القيود التي وضعت حدودًا للسحب بالدولار الأمريكي منذ أواخر سبتمبر 2019، مما تسبب في تفشي حالة من الذعر على مستوى البلاد. لكن مع وجود أمواله الآن في المنزل، ولأنه يعيش وحده، بات نضال يدرك – مثلما أدرك كثيرون غيره – أنه قد يكون الآن في خطر. فما كان منه إلا أن اشترى سلاحًا ناريًا بمبلغ 500 دولار، وهو المبلغ الذي يساوي الآن خمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور في البلاد.

«لم أتخيل أبدًا أن أمتلك سلاحًا»

يعيش ما لا يقل عن 55% من سكان لبنان في فقر، وفقًا لإحصائيات الأمم المتحدة، فيما تضاءلت الثقة في خطة الإنقاذ التي يقدمها صندوق النقد الدولي منذ تعليق المفاوضات الكسيحة في يوليو (تموز). وفقدت العملة اللبنانية المحلية قرابة 80% من قيمتها منذ اشتعال الاحتجاجات ضد الحكومة لأول مرة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حسبما ذكر التقرير. 

وما زاد الطين بلة هو الانفجار الهائل الذي ضرب ميناء بيروت في الرابع من أغسطس (آب) وتسبب في مقتل حوالي مائتي شخص وجرح أكثر من 6 آلاف آخرين وتشريد 300 ألف. وبعد أقل من أسبوع، استقال حسن دياب من رئاسة الوزراء.

في خضم تدهور الوضع الاقتصادي، وتزايد الجرائم، أصبح نور (اسم مستعار)، مثل نضال، يخشى على سلامته الشخصية. وهو يحكي عن تجربته لموقع ميدل إيست آي قائلًا: «عندما بدأ الوضع الأمني ​​ينهار؛ فكرت في شراء سلاح». وأضاف: «أنا أمارس الرماية هواية – ومستوى تصويبي جيد بالفعل – لكنني لم أفكر مطلقًا في أنني سأضطر يومًا لامتلاك سلاح، حتى تغير الوضع».

اشترى نور سلاحًا من طراز Vzor 70 صنع في جمهورية التشيك. لكن الأسعار ارتفعت ارتفاعًا هائلًا، كما يقول: «السلاح الذي استخدمته كان ثمنه 300 دولار في السابق، لكن ثمنه الآن أصبح 700 دولار».

أما العثور على شخص ليبتاع منه مسدسًا فلم يكن يشبه مشهدًا من أحد أفلام هوليوود، بل كل ما يتطلبه الأمر هو بعض الاستفسارات الشفهية في محيط الأقارب وغيرهم من المهتمين بالصيد. بل كان الأمر أكثر سهولة بالنسبة لنضال الذي قال لموقع ميدل إيست آي: «كان الأمر يسيرًا. إذ كنتُ أعرف بالفعل شخصًا يبيع أسلحة».

ازدهار سوق السلاح في لبنان

كشف تقرير نشرته صحيفة الأنباء الكويتية مؤخرًا أن سوق الأسلحة غير الرسمية في لبنان «يزدهر».  وفي ظل هذا الإقبال الكبير، ارتفعت الأسعار، وبات تجار الأسلحة لا يقبلون سوى الدفع نقدًا وبالدولار الأمريكي. وعلى الرغم من هذين العاملين اللذين يثقلان كاهل أي ميزانية لبنانية، فإن الطلب على شراء الأسلحة مرتفع.

وأكد مصدر أمني لموقع ميدل إيست آي وجود زيادة في نشاط سوق السلاح، وقال: «عندما تتوتر الأجواء، يمكن أن تكون هناك زيادة في المبيعات». وأضاف: «يؤثر الوضع (الاقتصادي) قطعًا على الوضع الأمني». وعلى  الرغم من ذلك، قال المصدر إن الأجهزة الأمنية في لبنان مستمرة في القبض على المجرمين، ولا تزال لديها القدرة على إبقاء الأمور تحت السيطرة، مؤكدًا مواصلة متابعة هذه الظاهرة. 

Embed from Getty Images

تجدد الاشتباكات السياسية

في غضون ذلك، تنشغل الأجهزة الأمنية اللبنانية بمهام تتجاوز مكافحة السطو المسلح، في خضم تدهور الأوضاع في البلاد. إذ تجددت الاشتباكات بين الجماعات السياسية والمجتمعات المختلفة في عدة مناطق، حيث أدت الأزمة الاقتصادية في البلاد إلى تأجيج التوترات السياسية.

وفي 20 أغسطس، اندلعت اشتباكات في خلدة ورأس النبع على مشارف بيروت، وكذلك في قرية سعد نايل في سهل البقاع، وكل ذلك في أقل من 24 ساعة. في رأس النبع، أضرمت النيران في لافتة لزعيم القوات اللبنانية المسيحية سمير جعجع بعد إحراق لافتة شيعية لإحياء ذكرى عاشوراء. 

وبسبب رفع علم عاشوراء على ما يبدو، اندلعت اشتباكات في خلدة بين أنصار حزب الله وعشائر سنية، مما أسفر عن مقتل شخصين. وفي أواخر الأسبوع الماضي، اشتبك أنصار الحزبين المسيحيين الرئيسيين في لبنان، القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، أمام مقر التيار الوطني في قرية سن الفيل.

وفي كل هذه الاشتباكات، كان ضروريًا أن يتدخل الجيش اللبناني أو قوات الأمن.

«فزع»

في الثامن من سبتمبر (أيلول)، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على وزراء سابقين من الأحزاب المتحالفة عن قرب مع حزب الله، ويبدو أنها عرقلت جهود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمساعدة رئيس الوزراء المكلف مصطفى أديب على تشكيل حكومة جديدة.

Embed from Getty Images

وفي ظل عدم وجود نهاية في الأفق للأزمات الاقتصادية والسياسية في لبنان، يتساءل التقرير: كيف ينظر أصدقاء نور ونضال وعائلتاهما إلى قرارهما بحمل سلاح ناري؟ اختار نضال ألا يخبر أحدًا. وهو يقول عن ذلك: «لا يعرف سوى عدد قليل من الأصدقاء. لكنهم فوجئوا؛ لأنهم يعرفون أنني أكره هذه الأشياء.. ثم شرحت وجهة نظري، ووافقوني».

كان رد الفعل مختلفًا بعض الشيء بالنسبة لنور، الذي حكى تجربته لموقع ميدل إيست آي، قائلًا وهو يبتسم: «تنوعت ردود الأفعال تنوعًا كبيرًا؛ فبعض الأصدقاء أصيبوا بالفزع، وآخرون ألهمتهم تجربتي لأن يحذو حذوي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد