نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا لـ سيوبهان أوجرادي، مديرة مكتب الصحيفة في القاهرة، حول الانتخابات الليبية التي ستُجرى هذا الشهر. وفي الوقت الذي يشعر فيه الليبيون بتفاؤل حذر من أن تكون هذه الانتخابات نهاية للحرب الأهلية وطي صفحتها، يتخوف كثيرون منهم أن تؤدي نتيجة الانتخابات إلى تجدد المظالم والمتاعب، خاصة إذا ما فاز فيها حفتر أو نجل القذافي.

وتستهل الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى حالة مواطن ليبي، حيث تقول إنه قبل 10 سنوات، احتفل خالد مامي بسقوط نظام معمر القذافي، على أمل أن يفضي ذلك إلى حقبة جديدة من الازدهار. ولكن بدلًا من ذلك، استنزفت الحرب الأهلية ليبيا. وبحلول الوقت الذي وقع فيه وقف إطلاق النار في العام الماضي، دمَّرت أزمة اقتصادية تجارة الملابس التي يعمل فيها مامي، وتوفي أحد أبنائه الصغار – قُتِل في هجوم بقذيفة هاون على منزلهم جنوبي العاصمة طرابلس.

والآن، بينما تستعد ليبيا لإجراء أول انتخابات رئاسية لها في الشهر الجاري، يُعد مامي، 48 عامًا، واحدًا من ليبيين كثيرين يخشون أن تؤدي المنافسة على كرسي الرئاسة إلى إعادة البلاد إلى حالة من الاضطراب.

أكثر الشخصيات إثارة للانقسام في تاريخ ليبيا

وتوضح الكاتبة أنه من بين 98 شخصًا سجَّلوا أسماءهم لخوض الانتخابات، هناك اثنان من أكثر الشخصيات إثارة للانقسام في التاريخ الليبي الحديث، هما نجل القذافي سيف الإسلام القذافي، المطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وخليفة حفتر، وهو أمير حرب مقره في شرق ليبيا وفرض حصارًا استمر عامًا على العاصمة الليبية طرابلس. كما سجَّل رئيس الوزراء المؤقت عبد الحميد الدبيبة، الذي كان قد تعهد في السابق بعدم دخول السباق، اسمه أيضًا لخوض الانتخابات الرئاسية.

Embed from Getty Images

إن هذه الشخصيات الثلاثة تحظى بالولاء بين شرائح متنافسة من الشعب الليبي، ومن غير المرجح أن يظهر أي منها باعتباره شخصية توافقية يُجمِع عليه الناس. وعلى العكس من ذلك، يخشى عديد من الليبيين من أن تثير الانتخابات مشاعر ومظالم متجددة، مما يدفع ليبيا مرةً أخرى إلى أتون الحرب الأهلية. يقول مامي: «لا أريد أن أختار رجلًا آخر من سلة القمامة. لماذا يريد الجميع أن يحكم البلاد بالقوة؟».

وفي حين أن ليبيا دولة غنية بالموارد ولديها أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا، أدَّى عقد من الاضطرابات إلى إفقار كثيرين في البلاد وتحويلها إلى ساحة معارك بالوكالة للقوى الأجنبية – بما في ذلك تركيا وروسيا والإمارات – التي تدخلت في بعض الأحيان بآلاف من المقاتلين الأجانب.

وضغطت الحكومات الغربية والأمم المتحدة من أجل إجراء الانتخابات ووصفتها بأنها خطوة حاسمة في تعافي البلاد، وهددت بمعاقبة أي مفسدين للعملية الانتخابية. ومن المقرر أن تُجرى الجولة الأولى في 24 ديسمبر (كانون الأول). ومن المفترض إجراء الانتخابات البرلمانية بعد مدة وجيزة من ذلك.

وتنقل الكاتبة عن عماد السايح، رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، قوله إن صندوق الاقتراع هو المفتاح لتحديد «مستقبل المسار السياسي لليبيا». وقال إن الدولة «إما أن تستمر على مسار الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، أو تذهب إلى المربع صفر، حيث ستندلع الحرب».

سيناريوهات فوز حفتر أو نجل القذافي

يخشى كثيرون أن يحدث الأسوأ. وينقل التقرير توقُّع صلاح تومي، صاحب شركة إنشاءات في العاصمة، أنه في حال فوز حفتر أو القذافي، «ستكون هناك حرب»، وأنه يعتزم التصويت للدبيبة، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تفادي مزيد من إراقة الدماء.

كان حفتر حليفًا ومن ثم منافسًا لمعمر القذافي. وهو عميل سابق لدى وكالة المخابرات المركزية ومواطن أمريكي عاش طويلًا في شمال فيرجينيا، ويقود الآن قوات تعرف بـ الجيش الوطني الليبي، مقرها في شرق البلاد، حيث يسيطر على منطقة كبيرة. وفي عام 2019، وجَّهت قواته أنظارها إلى طرابلس، حيث تتولى السلطة حكومة تدعمها الأمم المتحدة. وجرى صد هذا الهجوم في النهاية، واتُّهم حفتر في المحاكم الأمريكية بارتكاب جرائم حرب أثناء الهجوم، فيما يحاول حفتر المطالبة بالحصانَة.

Embed from Getty Images

واحتُجز سيف الإسلام القذافي، الذي أسرته المعارضة في 2011 بعد وقت قصير من مقتل والده في الانتفاضة الشعبية، لسنوات في بلدة الزنتان الجبلية. وحكمت عليه محكمة في طرابلس بالإعدام غيابيًّا بتهمة ارتكاب جرائم حرب خلال الثورة. كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه بتهمة الاغتيال والاضطهاد. وبعد غياب طويل عن أعين الجمهور، عاد إلى الظهور في العام الجاري.

الدفع النقدي للمتزوجين يرفع أسهم الدبيبة

وفي الوقت نفسه، فإن الدبيبة رجل أعمال ثري ولد في مدينة مصراتة الساحلية، وكان يترأس الشركة الليبية للاستثمار والتنمية المملوكة للدولة في عهد القذافي. وخاض غمار السياسة في وقت لاحق وعُيِّن رئيسًا للوزراء في فبراير (شباط) في خطوة كانت بمثابة جزء من عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة. ومنذ توليه منصبه، حصل على بعض الدعم الشعبي بين الناخبين الشباب، وجاء ذلك جزئيًا بسبب تعهده بالدفع النقدي للمتزوجين الجدد.

وتنوه الكاتبة إلى أن خطوط الصدع بين المرشحين الثلاثة تعد جغرافية إلى حد كبير، حيث يوجد أنصار حفتر بالأساس في الشرق، ويتجمع خصومه حول الدبيبة في الغرب، والقذافي في الجنوب.

عربي

منذ شهر
تمكين روسيا وتطبيع مع إسرائيل.. هكذا سيحكم حفتر ليبيا حال فوزه بالرئاسة

يقول أنس القماطي، مدير معهد صادق، وهو مركز أبحاث ليبي مقره طرابلس: «هناك صراع يلوح في الأفق بين هذه المعسكرات الثلاثة». وقال إن القذافي وحفتر هما «مرشحان على وجه الخصوص يجلبان معهما احتمال نشوب حرب وليس مزيدًا من السلام».

واتُّهم الرجال الثلاثة بمخالفة معايير أهلية المرشح، مع مخاوف أُثيرت بشأن الإدانة الجنائية للقذافي، وتعهد الدبيبة بعدم الترشح ورفضه التنحي قبل ثلاثة أشهر من التصويت، وازدواج الجنسية الأمريكية المزعوم لدى حفتر وهجومه على طرابلس.

الاستئناف ضد قرار عدم الأهلية قد يؤخر الانتخابات

اعتُبر كل من القذافي والدبيبة غير مؤهلَيْن لخوض الانتخابات الأسبوع الجاري، لكنهما استأنفا ضد القرار، ورُفِع الحظر عن الدبيبة الأربعاء الماضي للترشح، (صدر حكم مماثل لصالح القذافي بعد ساعات من نشر التقرير، وأعلن عودته للسباق الرئاسي). وقررت محكمة في مدينة الزاوية شمال غرب البلاد أن حفتر غير مؤهل أيضًا، ولم تتضح خطواته التالية على الفور. ويمكن أن يؤدي الاستئناف ضد قرارات عدم الأهلية إلى عملية مطولة يخشى المراقبون السياسيون من أنها ستؤخر الانتخابات، وتنشر مزيدًا من عدم الثقة بين الناخبين، وتثير الغضب بين أنصار المتنافسين.

Embed from Getty Images

تقول كلوديا جازيني، محللة الشؤون الليبية البارزة في مجموعة الأزمات الدولية، إن: «هناك خوفًا ملموسًا.. من أن المرشحين الأكثر استقطابًا سوف يشككون في النتائج سواء ترشحوا أو لم يترشحوا، وسواء خسروا أو فازوا». وعلى الرغم من أن بعض الليبيين أعربوا عن تفاؤلهم بشأن العملية الديمقراطية، إلا أن كثيرين يشعرون بالارتباك والتشوش بشأن مَنْ يتعين عليهم دعمه. وينقل التقرير عن رياض علي جحا (50 عامًا)، رجل أعمال ومرشح برلماني من مصراتة، قوله: «لا أؤمن بأي منهم. كلهم لصوص».

لا أحد يتمنى عودة نظام القذافي

واستدركت الكاتبة قائلةً: غير أن بعض الليبيين يساندون القذافي على الرغم من أن والده أنهى حكمه ملطخًا بالعار.

كان مبروك الكساك، 23 عامًا، طفلًا عندما أُطيح القذافي الأكبر. لكن الكساك يستمع باهتمام عندما يتحدث والداه بحنين عن الأيام التي سبقت الثورة والاضطراب الذي أعقب ذلك. والآن، يقول الكساك إنه يعتقد «ربما نحتاج إلى العودة إلى النظام نفسه». وقال، بعد أن توقف عن عمله في بيع الملابس التقليدية للرجال في متجر صغير في مدينة طرابلس القديمة، إنه: «على مدار 10 سنوات، لم يكن لدينا أي شيء. قلبي يميل إلى سيف الإسلام».

ينقل التقرير عن مامي أن أكثر ما يخشاه هو وعائلته هو وقوع مزيد من الحرب. إذ كان مامي من بين الذين فروا أثناء حصار حفتر لطرابلس، تاركين وراءهم منزلًا في مزرعة في عين زارة، إحدى ضواحي جنوب العاصمة. وانتقل مامي للعيش مع أقاربه، بينما أخذت زوجته هناء ابنتهما إيلاف وثلاثة أبناء، هم سليمان وحمودي ونور الدين، للإقامة مع أقاربها.

عربي

منذ شهرين
4 مراكز للثقل.. كيف يمكن قراءة المشهد الانتخابي في ليبيا؟

وعندما اعتقدوا أخيرًا أن الأوضاع أصبحت آمنة، عادوا معًا إلى مزرعتهم الفسيحة المحاطة بأشجار الزيتون والبرتقال المورقة. ثم جاء هجوم الهاون الذي يلقي مامي بمسؤوليته على قوات مرتبطة بحفتر. وأصيب سليمان إصابة خطيرة في الرأس، واحتاج نور الدين إلى أربع عمليات جراحية، بما في ذلك واحدة في بطنه، مما أدى إلى نفاد مدخرات الأسرة، بحسب مامي. وتوفي حمودي، البالغ من العمر 10 أعوام، قبل أن يتمكنوا حتى من الوصول إلى المستشفى.

وما زالوا يستيقظون من نومهم على الكوابيس ويدفعون فواتير المستشفى الهائلة، ولا يزالون يشعرون بالحزن بجانب سرير حمودي الفارغ ويعتنون بأشجار إبرة الراعي التي غرسها قبل وفاته بثلاثة أيام فقط. يقول مامي وهناء إنهما سيقبلان في النهاية أي مرشح يمكنه الفوز في الانتخابات. لكنهما يعرفان أن الرئيس الجديد لا يمكنه أن يعيدهم إلى حياتهم السابقة.

وتختتم الكاتبة تقريرها بتساؤل هناء الذي ينضح بالحزن والألم: «كل ليلة أضع رأسي على الوسادة وأكرر السيناريو نفسه في ذهني. مَنْ يأتي لي بالسلام الذي كنتُ أنعمُ به من قبل؟».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد