كتب بيير فاندرجينست وإيزابيل فونيشي كارديا في موقع «بيج ثينك» حول التعلم المستمر مدى الحياة، وجدواه في الحياة الحديثة، والتطور الذي يتعين أن تطبقه الجامعات لكي تواكب عصر رقمنة التعليم، والاستمرار في توفير التعلم مدى الحياة. يستهل الكاتبان مقالهما بالقول: لتتخيل نفسك في يوم التخرج من الكلية، مع فوجٍ جديد من الطلبة وأنتم تبحرون باتجاه آفاق جديدة. ما الذي يفكرون فيه وهم يطوحون بقبعاتهم في الهواء؟

ما هو السبب الذي يجعل هذه ورقة الكتاب الرقيقة ثمينة للغاية؟ إنها ليست فحسب دليلًا على معرفة مكتسبة، ولكن لها دور في بناء سمعتك بناء على المكان الذي تلقيت فيه تعليمك. فكونك تخرجت من كلية الحقوق بجامعة هارفارد يمنحكَ بريقًا إضافيًا، أليس كذلك؟ غير أنك لو ألقيت نظرة عن كثب، ستجد أن الشهادة هي النهاية المثالية لمأساة التعليم الحديث.

الجامعات والمناهج.. مأساة تقليدية

لماذا؟ لأن الجامعات والمناهج مصممة على غرار الوحدات الثلاث للمأساة التقليدية الفرنسية: الزمن والفعل والمكان. يلتقي الطلاب في الحرم الجامعي (وحدة المكان) لحضور الصفوف الدراسية (وحدة الفعل) خلال العشرينات من أعمارهم (وحدة الزمن).

أنتج هذا النموذج الكلاسيكي تقليديًا جامعات مرموقة، ولكنه يواجه الآن تحديًا بسبب رقمنة المجتمع – التي تسمح لكل شخص متصل بالإنترنت بالوصول إلى أدوات التعلم – والحاجة إلى اكتساب مهارات تتماشى مع عالم سريع التغير.

يضيف الكاتبان: يجب أن تدرك الجامعات أن التعلم في العشرينات من العمر لن يكون كافيا. وكلما تطور الانتشار والتطبيق التكنولوجي بوتيرة أسرع، تعين على العاملين تحديث مهاراتهم باستمرار.

ولذلك يحتاج نموذج الجامعة إلى التطور. ويتعين أن تزود الجامعات الطلاب بالمهارات والمعرفة الصحيحة من أجل التنافس في عالم «تُستمد القيمة فيه إلى حد كبير من التفاعل البشري والقدرة على اختراع وتفسير الأشياء التي لا تستطيع الآلات القيام بها»، كما قال عالم المستقبليات الإنجليزي ريتشارد واتسون.

ومن خلال تدريس المعرفة الأساسية والمهارات الحديثة، سيكون بمقدور الجامعات أن تزود الطلاب بمهارات التحوط للمستقبل عن طريق التعلم مدى الحياة، وليس بمجرد جعلهم «جاهزين للعمل».

تلعب بعض الجامعات بالفعل دورًا حاسمًا في التعلم مدى الحياة؛ لأنها تريد الحفاظ على قيمة شهاداتها. ويأتي هذا الدور الجديد مع مجموعة ضخمة من التحديات ويحتاج إلى حد كبير إلى ابتكاره.

يقترح الكاتبان إحدى الطرق لبدء عملية التحول هذه وهي: تجاوز «نموذج الشهادة الخمسية (التي يحصل عليها الطالب بعد الدراسة لمدة خمس سنوات)»، بهدف تكييف المناهج مع التعلم مدى الحياة. وهما يسميان هذا النموذج «جواز سفر مدى الحياة».

 - التعلم - التعليم - كتب

جواز سفر مدى الحياة

يتابع المقال: يمكن أن تكون درجة البكالوريوس هي جواز سفرك للتعلم مدى الحياة. في السنوات القليلة الأولى، «يتعلم الطلاب أن يتعلموا» ويكتسبوا مهارات التفكير التي تبقى معهم لبقية حياتهم.

على سبيل المثال، تسمح لك الفيزياء بمراقبة العالم وعقلنته، وأيضًا بدمج الملاحظات في النماذج، وأحيانًا النماذج في النظريات أو القوانين التي يمكن استخدامها لإجراء التنبؤات.

والرياضيات هي اللغة المستخدمة لصياغة قوانين الفيزياء أو الاقتصاد، ولإجراء حسابات صارمة تتحول إلى تنبؤات. ويشكل هذان النظامان التعليميان على نحوٍ طبيعي الركائز الأساسية للتعليم في الجامعات التقنية.

يكمل الكاتبان: يدفعنا التقدم الأخير في الأساليب الحسابية وعلوم البيانات إلى إعادة التفكير في العلوم والهندسة. وتصبح أجهزة الكمبيوتر على نحوٍ متزايد جهات فاعلة رئيسة في الاستفادة من البيانات لصياغة الأسئلة، وهو الأمر الذي يستلزم طرقًا جذرية جديدة للاستدلال.

لذلك يجب إضافة نظام جديد يمزج علوم الكمبيوتر، والبرمجة، والإحصاء، وتعلم الآلة إلى الموضوعات الأساسية التقليدية الخاصة بالرياضيات والفيزياء. وستسمح هذه الركائز الثلاث باستمرار تعلم المواد التقنية المعقدة طوال الحياة؛ لأن علم الحساب هو الأساس الذي يبنى عليه كل شيء آخر في نهاية المطاف.

الماجستير أول طابع في رحلة التعلم مدى الحياة

في ضوء هذا النموذج الجديد، سيصبح ماجستير العلوم أول طابع في رحلة التعلم مدى الحياة. ويجب أن يجهز منهج الماجستير الطلاب للانطلاق في مسيرتهم المهنية من خلال السماح لهم بالتركيز على اكتساب المهارات العملية من خلال المشاريع.

تتضافر هذه المشاريع بعد ذلك مع الوحدات التقنية سريعة الوتيرة التي يجري تعلمها «على عجل» و«حسب الرغبة» اعتمادًا على طبيعة المشروع. على سبيل المثال، إذا كان مشروعك يطور دائرة متكاملة، سيتعين عليك دراسة وحدة نمطية حول المفاهيم المتقدمة في الإلكترونيات الدقيقة.

ستتطور المهارات الأكثر أهمية حتى قبل أن يبدأ المشروع، في شكل معسكرات تدريب، في حين يمكن تعزيز الباقي جنبًا إلى جنب مع المشروع؛ مما يجعلها متاحة للاستخدام الفوري، وبالتالي توفير سياق تعليمي غني.

بالإضافة إلى القدرات التقنية، فإن طبيعة المشاريع نفسها تطور مهارات عرضية واجتماعية وأخرى مرتبطة بريادة الأعمال، مثل التفكير التصميمي وأخذ زمام المبادرة وقيادة الفريق والإبلاغ عن الأنشطة أو تخطيط الموارد.

لن تدمج هذه المهارات بحكم الأمر الواقع في المناهج الدراسية فحسب، بل سيكون من المهم جدًا حيازتها في المستقبل؛ لأنه من الصعب حفزها تلقائيًا، بحسب المقال.

باختصار تصبح شهادة الماجستير الجديد عبارة عن محفظة من المشاريع المنجزة وقائمة بالمهارات التقنية المكتسبة في الوحدات. هذه المحفظة ليس لها نهاية ويجب تحديثها طوال الحياة؛ لأن التقنيات وتطبيقاتها تتغير بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.

التعلم وإعادة التعلم

بعد الحصول على شهادة الماجستير في العلوم، سيكون هناك العديد من طوابع التعلم مدى الحياة على مر السنين. وإذا قررت الجامعات الانخراط في هذا النموذج التعليمي، فسيتعين عليها التعامل مع العديد من التحديات التنظيمية التي قد تهز وحدة المكان والعمل لديها.

أولًا، عدد الطلاب سيكون من الصعب التنبؤ به. إذا كان جميع خريجي الجامعة سيصبحون طلابًا مرة أخرى، فستكون مجموعات أكبر بكثير مما هي عليه الآن، ويمكن أن تصبح غير مستدامة بالنسبة للحرم الجامعي من حيث الحجم والموارد.

ثانيًا سيختلط الطلاب حديثو التخرج مع الطلاب ذوي الخبرة المهنية. وسيؤدي هذا إلى تغيير ديناميات الفصول الدراسية، ربما للأفضل. ولأن التعلم القائم على المشاريع الذي يوجد به فريق غير متجانس يعكس واقع العالم المهني، فبالتالي يمكن أن يكون إعدادًا أفضل له.

الدراسة لجزء من الوقت

هل يبدو الأمر كما لو كان رواية خيال علمي؟ في العديد من البلدان تعد الدراسة لجزء من الوقت ليست استثناء: وفي المتوسط عبر دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كان الطلبة الذين يدرسون لجزء من الوقت في عام 2016 يمثلون عنصرًا يبلغ 20% في التعليم العالي. وفي العديد من الدول، تعد هذه الحصة أكبر ويمكن أن تتجاوز 40% في أستراليا، ونيوزيلندا، والسويد.

وإذا كان التعلم مدى الحياة سيصبح أولوية، ويتحوَّل إلى المعيار السائد الجديد، يمكن إعادة اعتماد الشهادات، مثلها في ذلك مثل جوازات السفر، دوريًا. ومن شأن إعادة الاعتماد المحددة زمنيًا أن تخفف من عبء الإدارة للجميع.

وهكذا ستعرف الجامعات بالإضافة إلى أصحاب العمل والموظفين متى يتعين عليها القيام بإعادة التدريب. على سبيل المثال، سيتعين على الخريجين من عام 2000 العودة إلى الجامعة في عام 2005.

منصات التعليم عبر الإنترنت

يمكن أن يؤدي هذا إلى إصلاح التحديات التنظيمية الرئيسة التي تواجه الجامعة، ولكن ليس للمتعلمين، بسبب ضيق الوقت، أو الالتزامات العائلية، أو الأموال. وهنا قد يكون التعلم عبر الإنترنت خيارًا؛ لأنه يسمح للمتعلم بتوفير «وقت الانتقال»، ولكن هذا التعلم له حدوده.

التعلم - التعليم مدى الحياة

يستدرك الكاتبان: حتى الآن، لم يلتزم أي من أصحاب العمل الرئيسيين المرتبطين بمنصات التعلم عبر الإنترنت مثل Coursera و Udacity بتوظيف أو حتى إجراء مقابلات مع خريجي برامجهم الجديدة عبر الإنترنت.

حتى لو لم يكن الوقت يمثل مشكلة، من سيدفع تكلفة التعلم مدى الحياة؟ هذا هو الجدل الأبدي: هل يجب أن يكون ذلك مسؤولية المتعلم أم مسؤولية صاحب العمل أم الدولة؟ على سبيل المثال، في ولاية ماساتشوستس، تتطلب مهن الرعاية الصحية اعتمادات مالية للتعليم المستمر، تخضع للإثبات والتوثيق بعناية.

غير أن محاميي الولاية نفسها لا يتعين عليهم الحصول على تعليم مستمر في القانون، على الرغم من أن معظم المحامين يشاركون فيه مشاركةً غير رسمية. وأحد تفسيرات ذلك هو أن التكنولوجيا تعد عاملًا أقل وضوحًا في القانون مما هي عليه في الرعاية الصحية.

التعلم مدى الحياة في فرنسا وسويسرا

يوجد في أوروبا العديد من السيناريوهات، لكن من المثير للاهتمام المقارنة بين السيناريوهين الفرنسي والسويسري:

في فرنسا، لكل فرد الحق في التعلم مدى الحياة، وينظم ذلك عبر حساب تعلم شخصي يحمل اسم «الحساب الشخصي للتدريب» compte personnel de formation تقيد تكلفته في الحساب مع استمرار العمل.

في سويسرا، يعد التعلم مدى الحياة مسؤولية شخصية وليست مسؤولية حكومية. غير أن أصحاب العمل والدولة يشجعون التعليم المستمر، إما عن طريق تمويل أجزاء منه، أو عن طريق السماح للموظفين بأن يلتحقوا به.

وخلص تقرير عن مستقبل العمل لمعهد ماكينزي العالمي أن 89% من الشركات في سويسرا في عام 2015 دعمت المزيد من الدورات التدريبية، وأن 44% من جميع العاملين في الشركات التي لديها 10 موظفين على الأقل شاركوا في دورات تدريبية.

وتضطلع الجامعات بدور جوهريا في هذه الرحلة، والتعليم العالي عرضة للتغيير، على غرار التغيير الذي شهده نموذج المسرح الكلاسيكي الفرنسي في القرن التاسع عشر. ففي عام 1830، قدم فيكتور هوجو مأساة رومانسية تحت عنوان «هرناني»، كان من شأنها الإطاحة بالوحدات الثلاث.

ولضمان أن الرقابة لن تحظر المسرحية، حشد هوجو «جيشًا رومانسيًا» من خلال جمع جمهور كاف في ليلة الافتتاح. لم يسمح بعرض هرناني فحسب، بل عرضت مئة مرة، لتحطم احتكار النموذج القديم. ومثل المسرح الكلاسيكي، أنتج النموذج الجامعي القديم المواهب والقيمة للمجتمع. يقول الكاتبان في ختام مقالهما: ونحن لا ندعو إلى إلغائه، بل ندعو إلى تكييف خصائصه لتلبية احتياجات اليوم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد