ما هي التحديات التي تواجهها دول مثل ماليزيا وإندونيسيا عندما تعمل في بيئة أصبحت مضطربة ومتعددة الأقطاب بشكل متزايد

قال جاي بيرتون في مقال على موقع «ذا دبلومات»: إن نائب وزير الخارجية الماليزي داتوك قمر الدين جعفر زار مؤخرًا تركيا، وقطر، وإيران، لحشد الدعم في العالم الإسلامي. في غضون ذلك أعلنت الإمارات أنها ستستثمر 10 مليارات دولار في صندوق الثروة السيادية الإندونيسي.

هذه الأخبار ليست سوى أحدث نقاط الاتصال بين الدولتين الواقعتين في جنوب شرق آسيا، ماليزيا وإندونيسيا، وبين الشرق الأوسط. ولكن ما هي طبيعة علاقات هذين البلدين مع المنطقة بشكل عام؟ وما هي التحديات التي تواجهها دول مثل: ماليزيا، وإندونيسيا، عندما تعمل في بيئة أصبحت مضطربة ومتعددة الأقطاب بشكل متزايد، خاصة في العقد الذي أعقب الانتفاضات العربية في عام 2011؟ يتساءل بيرتون.

باعتبارهما قوى وسطى، فإن إندونيسيا وماليزيا لديهما مساحة أقل للعمل من الدول القوية الأكبر مثل الولايات المتحدة، ولكن لديهما مساحة أكبر من الدول الصغيرة. وبالتالي، فإنهما تتمتعان بهامش لحرية المناورة، لكنهما ستجدان أيضًا أن هناك حدودًا لاختياراتهما. يتعين عليهما التعامل بحذر، من خلال استيعاب الجهات الفاعلة الإقليمية وكذلك إبعادهم عند الضرورة.

تعليم

منذ سنة واحدة
مترجم: بتأسيس هذه الجامعة.. إندونيسيا تسعى لتصبح مركزًا لبحوث «الإسلام المعتدل»

إن الإشارة إلى القيود التي تواجهها القوى الوسطى في المجال الدولي ليست جديدة في حد ذاتها. لكن جوهر الموضوع هو مدى تشابك السياسة الخارجية والقضايا المحلية في حالة بلدان مثل: ماليزيا، وإندونيسيا. فبينما يبدو الشرق الأوسط في كثير من الأحيان بعيدًا بالنسبة للماليزيين والإندونيسيين، إلا أن الواقع هو أن تطوراته وتوتراته المختلفة لها تأثير قوي على السياسة والمجتمعات والاقتصاد في البلدين.

كيف أثرت أحداث الشرق الأوسط على البلدين؟

في الواقع – يشير بيرتون – لقد أثرت الخصومات والصراعات في الشرق الأوسط لفترة طويلة على مشاركة ماليزيا وإندونيسيا في المنطقة، فضلا عن نفوذ المملكة العربية السعودية. من الناحية الاقتصادية، تعد السعودية، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة، أكبر شريك تجاري إقليمي للبلدين، فضلًا عن كونهما مستثمرين رئيسيين.

ومن الناحية الدينية، فإن المملكة وجهة بارزة لتدريب العديد من العلماء المسلمين الإندونيسيين والماليزيين. وهي أيضًا داعم ومانح رئيسي للأنشطة والمشاريع الدينية ومؤسسات التعليم العالي في كل من إندونيسيا وماليزيا.

Embed from Getty Images

سياسيًا – يضيف بيرتون – كان النفوذ السعودي محسوسًا أيضًا على مستوى النخبة. كشفت فضيحة فساد في عام 2015 سحب 700 مليون دولار من شركة التطوير الحكومية 1MDB إلى الحساب المصرفي الخاص لرئيس الوزراء نجيب رزاق؛ مما أدى إلى إدانته في عام 2020. ادعى نجيب أن المبلغ هو تبرع من العائلة المالكة السعودية لدعم حملة نجيب الانتخابية قبل عامين.

بالنظر إلى الوجود السعودي القوي في كلا البلدين، تعرضت الحكومتان الماليزية والإندونيسية لضغوط لاتباع خط الرياض في السنوات الأخيرة. شمل ذلك دعم الحملة العسكرية التي قادتها السعودية في اليمن في عام 2015، وحصارها لقطر خلال أزمة الخليج بين 2017 وأوائل 2021، ومعارضتها للاتفاق النووي الإيراني لعام 2015.

عندما يتعلق الأمر بكل من قطر وإيران، قاومت ماليزيا وإندونيسيا المطالب السعودية إلى حد كبير. ومع ذلك، في حالة إيران، لم يتمكنا من تجاهل الضغط الأمريكي عندما انسحب الرئيس آنذاك دونالد ترامب من الاتفاق النووي في عام 2018 وأعاد فرض العقوبات. سحبت شركة بيرتامينا النفطية الإندونيسية استثماراتها في 2018 بينما بدأت البنوك الماليزية في إغلاق حسابات مملوكة لإيرانيين بعد عام.

كان موقف ماليزيا أكثر تناقضًا فيما يتعلق باليمن – يكشف بيرتون. أرسلت القوات الماليزية إلى المملكة بعد عام 2015، ولكن حرى استدعاؤها في عام 2018 عندما تم انتخاب أول حكومة في البلاد بدون «المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة (UMNO)». تلك الحكومة الجديدة، التي استمرت حتى أوائل عام 2020 بقيادة رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد، أغلقت أيضًا مركز الملك سلمان للسلام الدولي الذي تم إنشاؤه مؤخرًا والمدعوم من السعودية. نظم مهاتير قمة للدول ذات الأغلبية المسلمة في كوالالمبور في ديسمبر (كانون الأول) 2019، ضمت قادة من تركيا، وقطر، وإيران. أثارت القمة انتقادات من منظمة التعاون الإسلامي، وغابت عنها كل من السعودية والإمارات.

Embed from Getty Images

إلى جانب العلاقة السعودية القوية، كان التطور الإقليمي الأبرز في العقد الماضي هو الحرب الأهلية السورية. بالنسبة لكل من ماليزيا وإندونيسيا، كانت قدرتهما على إحداث التغيير على أرض الواقع محدودة للغاية. في الوقت نفسه، كان ممكنا ممارسة دور قيادي محدود – طالما أنها تعترف بالقيود التي يمكن أن تعمل ضمنها. ولكن في أعقاب هجوم النظام السوري بالأسلحة الكيماوية على المعارضة عام 2013، وجد الأمريكيون والروس أنفسهم على طرفي نقيض فيما يتعلق بالتدخل. استفاد رئيس إندونيسيا آنذاك، سوسيلو بامبانج يودويونو، من حضور بلاده في قمة مجموعة العشرين لإيجاد حل وسط للخروج من الأزمة الحالية مع التركيز على ما هو ممكن، ولا سيما المساعدة الإنسانية.

التصدي للإرهاب

إلى جانب الدبلوماسية الإندونيسية المحدودة – يكشف بيرتون – ركزت ردود الفعل الإندونيسية والماليزية على الحرب السورية بشكل أكبر على احتواء ردود الفعل المحلية. ركزت النخب السياسية المهتمة بالأمن في جاكرتا وكوالالمبور على مواجهة صعود التطرف الإسلامي ونداءات الجماعات الجهادية مثل «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) » بعد عام 2014 لجذب المواطنين للانضمام إليهم كمقاتلين أجانب في سوريا أو القيام بعمل في الداخل.

ردًا على ذلك، تبنت الحكومتان الماليزية والإندونيسية مقاربات مختلفة للتصدي لخطر التطرف. اتبعت ماليزيا نهجًا من أعلى إلى أسفل من خلال قانون مكافحة الإرهاب في عام 2015، والذي سمح باحتجاز الإرهابيين المشتبه بهم لمدة تصل إلى عامين أو أكثر. في إندونيسيا، جرى استكمال إجراءات الدولة بنشاط من قبل عملاء مختلفين من الأجهزة الأمنية لتشمل أيضًا السلطات المحلية وأكبر حركتين اجتماعيتين إسلاميتين في البلاد، نهضة العلماء والمحمدية.

دولي

منذ سنة واحدة
«جيروزاليم بوست»: لماذا يثير تحالف تركيا وقطر وماليزيا وباكستان قلق إسرائيل؟

باختصار أدى الاندماج بين العوامل المحلية والدولية فيما يتعلق بعلاقة ماليزيا وإندونيسيا بالشرق الأوسط إلى مجموعة متنوعة من الإجراءات الحكومية المختلفة. منذ عام 2011، تبنت الحكومتان في البلدين مواقف مكملة ومتناقضة مع جهات فاعلة مختلفة مثل السعودية وإيران والولايات المتحدة في المنطقة. دعمت كوالالمبور وجاكرتا مختلف اللاعبين الإقليميين وعارضتهما وابتعدتا عنهم، وأحيانًا في نفس الوقت. وقد أدى ذلك إلى توجه أطلق عليه علماء العلاقات الدولية «التحوط».

التحوط هو النهج الذي تبنته القوى المتوسطة والصاعدة الأخرى مثل الصين أيضًا في الشرق الأوسط، نظرًا للاضطرابات الإقليمية. لكن بينما قد يكون التحوط الإستراتيجية الأكثر تفضيلًا في الوقت الحالي، يبقى سؤال كبير: ماذا يحدث عندما تبدأ المنطقة في الاستقرار أو تبدأ القوى الخارجية مثل الولايات المتحدة والصين في فرض «حرب باردة» ثنائية القطب على المنطقة؟ ما هو إذن النهج الذي ستتخذه القوى الوسطى مثل: إندونيسيا وماليزيا، اللتين تندمج علاقاتهما الإقليمية مع الاعتبارات المحلية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد