ربما تظن أن النسوية هي فكرة حديثة، أو أنك على درايةٍ بتوجهات كل النساء اللاتي دافعن عن حقوقهن ضد المجتمع، لكن وفقًا لمقال نشره موقع «أول ذاتس إنترستنج» عن ماري أستل، فهذه الفكرة خاطئة.

وأوضح تقرير الموقع أنه قبل ظهور الأمريكية غلوريا ستاينم، كانت هناك البريطانية ماري وولستونكرافت، وقبل ماري وولستونكرافت، كانت هناك النسوية الرائدة ماري أستل، ورغم كونها غير معروفةٍ على نطاق واسع الآن، إلا أن بعض المؤرخين يصفونها بأنها «أول نسوية إنجليزية» – أو نسوية أولية، للدقة – تكتب عن أفكارها.

وكتبت ماري بفطنةٍ رهيبة وفهمٍ عميق عن وضع النساء الاجتماعي المهمش في وقتها، والذي يُعزى في الأصل إلى افتقارهن للتعليم بحسب الموقع، كما عاشت حياةً مستقلة بتهوِّر بالنسبة للنساء، إذ كن عادةً يتلقين الرعاية من الأب أو الزوج بوصفهن «جنسًا ناعمًا». ورغم هذا كله أصبحت ماري فيلسوفةً، ومناظرة، وكاتبة منشورات مرموقة بجهدها الخاص، وصاغت لنفسها اسمًا كرائدةٍ للفكر النسوي.

نشأة ماري أستل

وُلِدَت ماري أستل في نيوكاسل أبون تاين بإنجلترا، يوم 12 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1666، لأسرةٍ من نبلاء الطبقة الوسطى تعمل في تجارة الفحم.

ولم تتلق ماري قط أي تعليم رسمي، بحسب الموقع، إذ كان ذاك هو المصير المؤسف الذي تواجهه العديد من الفتيات في عصرها، لكنها لحسن الحظ تتلمذت في صباها على يد عمها القس رالف أستل، الذي درس في جامعة كامبريدج أثناء الحراك الفلسفي الهام المعروف باسم «جماعة الأفلاطونيين بكامبريدج»؛ مما ترك أثرًا يمكن رؤيته بوضوح في أعمال ماري اللاحقة.

المرأة

منذ سنة واحدة
لماذا كانت النساء المبدعات في الآداب والفنون أقل عددًا من الرجال تاريخيًّا؟

مرت ماري بأزمة عصيبة إثر وفاة والدها عام 1678، حين كان عمرها 12 عامًا، تاركًا الفتاة بدون مخصصات زواجها، ومجبرةً على العيش مع أمها وعمتها، ثم تُوفي عمها بعد عامٍ واحد، مما جعلها مسؤولةً عن تعليمها الشخصي الذي تابعته بحماس عن طريق قراءة كل ما يقع تحت يديها وفقًا لما أورده التقرير.

وأشارت روث بيري، التي كتبت سيرة ماري الذاتية عام 1986 بعد وفاتها، إلى أن خسارتها الرموز الرجالية، وبلوغها سن الرشد وسط مجتمعٍ صغير من النساء ربما كانا عاملين مهمين في نظرتها النسوية.

الانتقال إلى لندن

أفاد الموقع أنه بحلول عامها العشرين، تُوفّيت والدة ماري وعمتها. وفي عامها الثاني والعشرين انتقلت اليتيمة وصاحبة الروح المستقلة التي لا تملك أي فرصٍ للزواج إلى لندن. وكان هذا قرارًا غير اعتيادي بالتأكيد بالنسبة لفتاة في عمرها آنذاك.

لو كانت ماري رجلًا – بالإيمان والذكاء الذي ملكته – لوصلت لتعليمٍ أعلى، ولجرى ترسيمها قسيسًا، ولنشرت مجلدات من الخطب، لكن لأنها امرأة لم يكن الأمر بهذه البساطة من وجهة نظر الموقع.

غلاف كتاب استخدمته روث بيري، التي كتبت سيرة ماري أستل الذاتية، لتصف كيف كانت هيئتها.

بعد وصول ماري إلى لندن بوقت قصير انتقلت إلى ضاحية تشيلسي حيث يقطن الفنانون، والمفكرون، والعائلات الثرية التي تسعى للراحة من وسط لندن، ويذكر التقرير أنها صادقت مجموعةً داخلية من دارسي الأدب الذين كانت أكثرهم شهرةً هي امرأةٌ تدعى السيدة كاثرين جونز، وانضمت إلى أسرتها الأدبية لاحقًا.

وظلّت المرأتان مقربتان حتى وفاة ماري. ووصف أحد المؤرخين هذه الصداقة بأنها كانت «وثيقة، وعميقة حتى، لكنها لم تكُن سعيدةً دائمًا على ما يبدو».

مسيرة أدبية مزدهرة

راسلت ماري في جسارة ويليام سانكروفت، رئيس أساقفة كانتربيري، بعد وصولها إلى لندن، وأرفقت مجلدين من شعرها وفقًا للتقرير، وتلقَّت بعض العون منه، ثم أهدت إليه كتاباتها المبكرة بعنوان «مجموعة قصائد A Collection of Poems» عام 1689.

وتعرَّضت النساء اللاتي كتبن للعامة في عصور سابقة لـ«خسارة سمعتهن» ونبذن لكونهن غريبات الأطوار، ومنحرفات جنسيًا، أو غير مقبولات اجتماعيًا، لكن ماري شاركت بنشاطٍ في البيئة الفكرية المزدهرة أوائل عصر التنوير، واكتسبت مُتابعات من نساء الطبقة الأرستقراطية بحسب التقرير.

وحين كان عمر ماري 27 عامًا في عام 1693 كتبت إلى جون نوريس، أحد الشخصيات المهمة في «جماعة الأفلاطونيين بكامبريدج»، منتقدةً إحدى نظرياته، وذكر الموقع أن مراسلاتهما الساخنة التي استمرت ذهابًا وإيابًا، انتهت بإعلان الأفلاطوني المرموق أن أفكار ماري حول عمله مثيرة للإعجاب، إلى حد أن الأمر لم يتوقف فقط عند تعديله لذرائعه، بل تطور لاحقًا عام 1695 إلى نشره لمراسلاتهما.

ودأبت ماري على ممارسة عادة نقد المفكرين الذكور البارزين خلال مسيرتها في الكتابة، بحسب التقرير، كما انخرطت في تحدِّي فلاسفة سياسيين من عصرها مثل توماس هوبز، وجون لوك، ودانييل ديفو حامل لقب إيرل شافتسبري، وتشارلز دافينانت.

نضال ماري أستل من أجل تعليم المرأة

في حين لاقت تحدياتها السياسية والفلسفية احتفاءً، إلا أن تأملات ماري في النسوية هي ما عززت مكانتها في تاريخ الأدب من وجهة نظر الموقع.

وكتبت ماري في النهاية ستة كتيبات وكتابين طويلين إلى حدٍ ما يناقشان التعليم، والسياسة، والدين، وكلها تبرز اهتمامًا نسويًا أساسيًا يدين الوضع السيئ لتعليم النساء والجهل الناتج بين بنات جنسها.

وأشارت إلى دور التعليم في حياة المرأة المعاصرة، والذي يحولها تقريبًا إلى «زهرة توليب في حديقة» تتمدد فائدتها فقط طالما «تمثل مظهرًا حسنًا، ولا تجيد أي شيء».

ويرى الموقع أن أهم أعمال ماري هو كتابها المثير للاهتمام والمكون من جزئين «مقترحٌ جاد للنساء للارتقاء بمصلحتهن الحقيقية والعظمى، من مُحبةٍ لجنسها A Serious Proposal to the Ladies for the Advancement of their True and Greatest Interest By a Lover of Her Sex»، والذي نشر في عامي 1694 و1697.

غلاف كتاب «A Serious Proposal to the Ladies for the Advancement of their True and Greatest Interest By a Lover of Her Sex» ، الذي يعد أهم كتب ماري أستل

في كتابها السابق ذكره دعت ماري إلى مجتمعٍ ديني وفكري أنثوي يمنح المرأة تعليمًا أعلى، ويحل محل الدير، الذي كان مفقودًا بالنسبة للنساء في إنجلترا بعد الإصلاح البروتستانتي وحل الأديرة في ثلاثينات القرن السادس عشر بحسب التقرير.

ورغم كونها إنجيليةً صارمة تعرضت ماري للسخرية بعد اقتراح فكرةٍ بدت أشبه بـ«دير راهبات بروتستانتي». وفي البداية كانت الأميرة آن آنذاك – التي ستصبح الملكة آن الثانية بعد ذلك – مفتونةً بفكرة «يوتوبيا» النساء التعليمية، وفكرت في التبرع بالمال لدعم إنشائها. لكن بالنسبة لإنجلترا التي لديها حساسية شديدة تجاه «الباباوية»، أزعجت الفكرة الكثير من الكاثوليكيين، ولم تُنفّذ أبدًا في حياة ماري بحسب الموقع.

ورغم ذلك عاشت ماري حياةً أدبية غزيرة الإنتاج. وفي كتابها الذي صدر عام 1700 بعنوان «بعض التأملات في الزواج Some Reflections upon Marriage»، حثّت ماري النساء على اختيار شركائهن في الزواج بتعقل أكثر.

فلسفة

منذ سنة واحدة
أحدهم كان يرى السوط هو الحل.. كيف نظر الفلاسفة إلى المرأة والزواج؟

وكتبت: «ليس على المرأة أي واجبات ضخمة تجاه الرجل الذي يمارس معها الحب، كما لا يوجد ما يجعلها مولعةً بأن تصبح زوجة، أو تظن أن هناك شيئًا من الترقية في أن تصبح أعلى خادمة لرجلٍ ما، لا يمثل ذلك أي ميزة بالنسبة لها في العالم، وفي حال أُديرت العلاقة بشكلٍ صحيح، فستكون المرأة في نفس مكانة الرجل».

وفي عملها الذي نشر عام 1703، بعنوان «تحرٍ نزيه في قضية التمرد والحرب الأهلية في هذه المملكة Impartial Inquiry into the Cause of Rebellion and Civil War in This Kingdom»، تناولت المناخ السياسي المعقد والمثير للجدل في وقتها. وفي عام 1705، نشرت كتاب «الدين المسيحي كما تعتنقه ابنة كنيسة إنجلترا The Christian Religion, as Professed by a Daughter of the Church of England»، الذي أيّدت فيه كنيستها الإنجيلية المحبوبة، وجادلت بأن الله منح النساء حقهن في الحرية والرشد.

وربما يكون أشهر ما كتبته من وجهة نظر الموقع: «لو وُلِدَ كل الرجال أحرارًا، فكيف وُلِدَت كل النساء جاريات؟ ألا يُمثِّل وجوب الخضوع لإرادة الرجال المتقلبة، والمترددة، والمجهولة، والاستبدادية حالةً مثالية من العبودية؟».

سنواتها الأخيرة

أفاد الموقع أنه في سنواتها الأخيرة تقاعدت ماري من الكتابة وضمت جهودها إلى صديقتها الجيدة ليدي كاثرين والعديد من النساء الأخريات لإنشاء مدرسة خيرية للفتيات في تشيلسي عام 1709.

وانشغلت بالمزج بين فتيات المدرسة، ودراساتها، وإيمانها حتى أيامها الأخيرة، وفي مايو (أيار) عام 1731 تُوفِّيت ماري نتيجة الإصابة بسرطان الثدي، بعد الخضوع لعملية استئصالٍ مؤلمة، ويُزعَم أنها قضت أيامها الأخيرة في عزلةٍ طوعية داخل غرفةٍ بجوار كفنها، بحسب التقرير.

وبعد وفاتها اشتهرت ماري بإنجازاتها الأدبية، وكانت معروفةً بين الدوائر السياسية والفلسفية في ذلك الوقت، وقرأ كتاباتها العديد من الشخصيات الذكورية المهمة الذين امتلكوا مناصب تسمح لهم بتخليد أعمالها.

ويذهب بعض الباحثين إلى حد القول بأنها أثرت في رائعة صمويل ريتشاردسون الأدبية «كلاريسا Clarissa»، بحسب التقرير، كما أن مذاهبها النسوية كان لها صدى قوي، خاصةً بين النساء اللواتي استحسنوا وحاكوا ماري في كتاباتهم للأجيال القادمة.

ويُغفل اسم ماري بقوة لصالح كاتبات نسويات معاصرات أحدث، وينسى دارسو أعمال ماري هذه الأيام غالبًا السياق التاريخي الذي تواجدت فيه، وينظرون إلى إيمانها القوي ومواقفها السياسية المحافظة على أنها مناقضةٌ للنسوية.

ورغم ذلك ظلَّت كتاباتها مهمةً لدراسة حقوق النساء، والفلسفة التنويرية، والفكر السياسي والديني العصري في وقت مبكر. وتستحق ماري التقدير لمناصرتها حق المرأة الذي منحه لها الله في التعليم والحرية، بحسب التقرير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد