نشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية مقالًا للكاتب جوشا شومان تناول فيه استمرار تأثير جائحة فيروس كورونا المُستجد على الاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة الأراضي الفلسطينية والأردن ومنطقة دول الخليج العربي، الأمر الذي يطرح علامة استفهام فيما يتعلق بمستويات الانتعاش الاقتصادي في المنطقة.

استهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن التقلبات في أسعار النفط والغاز، والتوصُّل إلى لقاحات لفيروس كورونا، والإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس المنتخب جو بايدن، والتهديدات العسكرية المتنوعة، تُعد كلها جوانب يشوبها عدم اليقين بالنسبة لاقتصادات الشرق الأوسط خلال عام 2021. وتُعد جائحة فيروس كورونا المُستجد في الوقت الحالي محور تركيز العام المقبل وتطرح أكبر علامة استفهام فيما يتعلق بالانتعاش الاقتصادي في المنطقة.

دولي

منذ أسبوعين
«الجارديان»: 12 من زعماء العالم يحددون ملامح 2021

جائحة كورونا تضطر الإسرائيليين والفلسطينيين إلى التعاون

يرى الكاتب أن الاقتصاد الفلسطيني، قياسًا بإجمالي الناتج المحلي، تقلَّص بنسبة 14٪ في عام 2020. ومع ذلك، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 20٪ بين الربع الثاني من عام 2019 والربع نفسه من عام 2020 مع تفشي جائحة فيروس كورونا، ودخول الضفة الغربية، وإسرائيل، في عمليات الإغلاق الأولى.

وكشف فيروس كورونا المُستجد عن المشاكل، وسلَّط الضوء على التحديات الاقتصادية القائمة التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني. وصرَّحت البروفيسور وفاق عدنان، من قسم الاقتصاد في جامعة نيويورك أبوظبي، بأن هذه الأمور الآن «أصبحت مباشرة وعدوانية في كثير من الأحيان».

وقالت البروفيسور وفاق لوكالة «ميديا ​​لاين» الأمريكية الإخبارية: «خلال الجائحة، وخاصة الربع الثاني من عام 2020، فقدت المؤسسات سلاسل التوريد الخاصة بها، ولم تتمكن من جلب المواد الخام واضطرت إلى تسريح العمال، بينما فقد ما يقرب من 78٪ من العمالة الفلسطينية المهاجرة أو العمالة اليومية وظائفهم في إسرائيل». ويستند هذا التقدير إلى دراسة شاركت في إعدادها عن مسافرين عبر الحدود يعملون على نحو قانوني.

وأشارت البروفيسور وفاق إلى أن هذا الانخفاض كان مهمًا بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني؛ لأن الأجور في إسرائيل أعلى بثلاث مرات من الأجور في المناطق الفلسطينية. ومع ذلك فبحلول الربعين الثالث والرابع من العام 2020، عاد جميع هؤلاء العمال تقريبًا للعمل في إسرائيل، سواء على نحو قانوني من خلال تصاريح عمل أو على نحو غير قانوني.

Embed from Getty Images

وذكرت أستاذة الاقتصاد في جامعة نيويورك أبوظبي أنه في عام 2021 من المحتمل أن يكون هناك تضافر للمصالح المتعلقة بهؤلاء العمال. ونظرًا لأنهم ناقلون للفيروس – إذ يحتمل أن ينقلوا الفيروس عبر الحدود إلى مكان العمل وإلى المنزل – تدرك كل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل الفوائد والمزايا المتحققة من وراء تطعيمهم.

وقالت البروفيسور وفاق: «تتمثل الأخبار السارة في أن أرباب العمل الإسرائيليين يدركون ذلك، وعدد منهم على استعداد أن يدفعوا للعمال الفلسطينيين للتمتع بتأمين صحي، وهناك أيضًا محادثات لتحميل أصحاب العمل دفع تكلفة اللقاح».

وتبدي البروفيسور وفاق تفاؤلًا أكثر بشأن الاقتصاد المحلي؛ إذا أصبحت لقاحات فيروس كورونا المُستجد متاحة بسهولة في المناطق الفلسطينية. وتتوقع السلطة الفلسطينية استلام أول شحنة من لقاحات فيروس كورونا في غضون 10 أيام تقريبًا. ويتوقع البنك الدولي أن عام 2021 سيكون أفضل بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني.

وسيشهد النصف الثاني من عام 2021 زيادة متواضعة في النشاط الاقتصادي؛ مما يؤدي إلى نمو بنسبة 2٪، حسب تقديرات البنك. كما يتوقع المكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني تحقيق هدف متفائل للنمو يزيد عن 6٪ للعام المقبل، مع احتمال سيناريو متشائم يظهر أن الناتج المحلي الإجمالي لا يزال كما هو في عام 2020، أو أقل بنحو 12٪ عن عام 2019. وكل شيء يعتمد على جائحة فيروس كورونا المُستجد واللقاحات المتوفرة.

الأردن.. من جحيم ترامب إلى جنة بايدن

ولفت الكاتب إلى سَعْي المملكة الهاشمية، التي أقلَقتْها جائحة كورونا المُستجد أيضًا، إلى تحقيق نمو اقتصادي في الوقت الذي تعمل على كبح تلك الجائحة. وتظهر المؤشرات الأخيرة أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لخفض معدلات الإصابة، مثل الإغلاق وتقليص التجمعات، بدأت تؤتي ثمارها.

إذ انخفضت الإصابات الجديدة بمقدار النصف تقريبًا منذ بلوغ ذروتها في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وفقًا لمركز جونز هوبكنز الخاص بموارد فيروسات كورونا. لكن هذه الإجراءات تأتي بالطبع على حساب النشاط الاقتصادي. وما يقرب من ربع القوى العاملة عاطلون عن العمل؛ الأمر الذي يشكل قفزة في البطالة بنحو خمس نقاط مئوية منذ عام 2019.

وفي هذا الصدد يقول الاقتصادي الأردني، رياض الخوري، إننا: «كنا قبل انتشار الجائحة في حالة اقتصادية سيئة، وعمَّق فيروس كورونا المُستجد التحديات التي نواجهها هنا». وأشار الكاتب إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الأردني يتقلص، كما هو الحال في عديد من الدول الأخرى. وفي عام 2020 انكمش الاقتصاد بنحو 5٪ بحسب صندوق النقد الدولي، وارتفع معدل الفقر 11 نقطة مئوية.

Embed from Getty Images

وقال خوري، الذي يشغل منصب مدير برنامج الدراسات الاستكشافية للدراسة بالخارج في عمان، لوكالة ميديا ​​لاين الإخبارية: إننا «أصبحنا بالفعل أكثر فقرًا منذ حوالي عقد من الزمان». وفي الوقت الذي وصف اقتصاد البلاد بأنه «ضعيف حقًا قبل الجائحة، مكتفيًا بالاشارة إلى قطاع الرعاية الصحية في البلاد باعتباره قطاعًا قويًا».

ويفترض خوري أن التغييرات القادمة في واشنطن ستجلب المزيد من الفرص في عام 2021 وفي السنوات المقبلة. وتابع قائلًا: «جمَّد الرئيس الأمريكي ترامب تلقي الأردن للمساعدات الخارجية الأمريكية، في حين أن الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن سيعيد الأردن للتمتع بهذه المساعدات». ولم ينسَ خوري أن يذكر أن الأردن تلقى حزمة مساعدات بقيمة 1.6 مليار دولار الشهر الماضي. وأردف قائلًا: «إن التغيير في الإدارات الأمريكية سيكون إيجابيًّا (بالنسبة للأردن)».

وقال خوري: «إن الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري لنا وفي ظل التغيير الذي جرى في البيت الأبيض، (نستطيع القول إننا) عُدنا إلى اللعبة مرة أخرى».

واختتم حديثه بوصفٍ استَقاه من عالم البيسبول الأمريكي قائلًا: «أخرجنا ترامب من اللعبة، لكننا الآن ضمن التشكيلة، نقاتل في المركز الثامن، بينما تنافس الإمارات في المركز الثالث، وتأتي السعودية في المركز الرابع، تليها مصر في المركز الخامس، لكننا على أية حال عدنا إلى اللعبة». ويخلص الكاتب إلى أنه بالنسبة لعام 2021 يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينتعش النمو في الأردن بما يقارب 3.4٪.

مجلس التعاون الخليجي.. التقشف أمام تداعيات فيروس كورونا

يقول الكاتب: إن السعودية تتوقع أن ينمو اقتصادها بنسبة 3.2٪ في عام 2021، في حين تشير التقديرات إلى انكماش اقتصاد المملكة في عام 2020 بنسبة تصل إلى 5.4٪ وفقًا لصندوق النقد الدولي، أو بنسبة 3.7٪ فقط، وفقًا لوزارة المالية السعودية. وفي محاولة لاحتواء عجز الموازنة إلى 12٪ فقط، وفي ظل الآثار الضارة للجائحة على أسعار النفط، ووفرة إنتاج النفط التي أدَّت إلى انخفاض إيرادات الدولة، تقلَّص الإنفاق الحكومي بنسبة 7.5٪.

وبالنسبة للدكتور جيل فيلر، مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بنك جورجيا، وهو بنك تجاري مقره العاصمة الجورجية تبليسي، وله مصالح في الشرق الأوسط، هذه مجرد بداية لعملية ستستمر. وقال فيلر لميديا ​​لاين: «إن عصر الدول العربية الغنية يقترب من نهايته والسعودية مجرد مثال على ذلك. وهي ليست بمفردها في هذا الشأن».

Embed from Getty Images

وتسعى منطقة مجلس التعاون الخليجي منذ سنوات إلى تنويع آلياتها الاقتصادية. لكن هذا لم يؤتِ ثماره ولم تنمو أي صناعات كبيرة أخرى إلى جانب تلك التي تتضمن الصناعات الهيدروكربونات.

وفي عام 2020، وجَّهت الجائحة وانخفاض أسعار النفط ضربة مزدوجة إلى المنطقة؛ مما أدَّى إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الخليج بنسبة 7 إلى 8٪.

ويشير فايلر إلى أن هذا حدث في أجواء اقتصادية صعبة بالفعل، ناهيك عن المؤامرات الجيوسياسية المستمرة، مثل مواجهة إيران، واستمرار الصراع العراقي، وخلافات أوبك، والضغوط التركية، والخروج الوشيك للإدارة الأمريكية الحالية؛ الأمر الذي أدَّى إلى زيادة حالة عدم اليقين في الحاضر والمستقبل. أضف إلى ذلك القضايا الاجتماعية والديموجرافية التي تواجه المنطقة، بحسب ما ذكر فيلر.

ويشير الكاتب إلى أنه في دولة الإمارات العربية المتحدة، تجد أن سبعة من كل ثمانية من السكان ليسوا مواطنين، بينما في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي بأكملها يتكسَّب حوالي 30 مليون أجنبي أرزاقهم هناك. ووفقًا لفيلر، يتكون 90٪ من القطاع الخاص السعودي من عمال أجانب، في حين تبلغ البطالة بين المواطنين السعوديين 12٪ رسميًّا، وإن كان من المرجح أن تكون أعلى من ذلك. ويعتقد فيلر أن القطاع العام متخم بالموظفين، مع توظيف غير فعَّال للسكان المحليين في الأعمال البيروقراطية.

ويضيف فيلر أن «المنطقة تشهد هجرة عقول على المستوى المحلي بسبب عدم وجود عمل لعديد من خريجي الجامعات، وكثير منهم من النساء في مجال العلوم، وبالمناسبة يفوق عددهن عدد الرجال أيضًا. وهناك عدد قليل جدًّا من النساء في المناصب الإدارية. ويشكل كل هذا عبء على الاقتصاد».

ويرى الكاتب أن لعبة الأرقام تؤثر على منطقة دول مجلس التعاون الخليجي بأكملها. وفي هذا الصدد، خذ واردات الغذاء إلى المنطقة، على سبيل المثال. وفي عام 2008 كانت تكلفة الواردات الغذائية 25 مليار دولار، وعلى مدى 12 عامًا نمت بأكثر من 130٪، لتصل إلى 57 مليار دولار.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
أبو ظبي وتل أبيب.. «شهر عسل» يتجاوز التطبيع ويفاجئ العرب

التأهيل والتنوع

وفي هذا الشأن، يعتقد كل من فايلر وخوري أن الإمارات والبحرين اتخذتا خطوة ذكية من خلال تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وقال خوري: إن العمل مع إسرائيل «فكرة رائعة للتواصل مع صناعات جديدة، ولمساعدة الخليج على تنويع مصالحه التجارية». وأشار فايلر إلى أن التكنولوجيا الزراعية والغذائية في إسرائيل يمكن أن تمكِّن دول الخليج من خلق صناعات غذائية أكثر كفاءة. وتابع: «إنه تغيير جيو-إستراتيجي ويمكن أن يساعد في خلق كفاءات غذائية جديدة يمكن أن تُحدِث فرقًا في المستقبل».

Embed from Getty Images

وبالعودة إلى الأرقام، تواجه المنطقة بأكملها مجموعة من الحسابات. وفي غضون 30 عامًا، ستشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ودول مجلس التعاون الخليجي وصول عدد المسنين فيها إلى 130 مليون نسمة. وسوف يتقاعدون ويطالبون بالعناية بهم. وفي الوقت نفسه، سينضم حوالي 250 مليون شاب إلى سوق القوى العاملة.

ويرى فيلر أنه «إذا تمكَّنت السعودية ودول الخليج من التنويع في صناعات جديدة، سيجد الشباب عملًا. وإذا لم يكن الأمر كذلك فستحدث توترات اجتماعية، وقدر كبير من البطالة، لا تستطيع هذه البلدان تحمله».

ويختم الكاتب مقاله قائلًا: إن السنوات القليلة المقبلة ستثبت أنها محورية، إذا تمكَّنت المنطقة من العودة إلى النمو الاقتصادي. وقد جلبت الجائحة تحذيرًا مفاده: أن الزمن يتغير. وإذا استطاعت المنطقة أن تنوع صناعاتها ونؤهل سكانها على نحو أفضل، فستكون الاقتصادات قادرة على التعرف على مصادر قوتها والبدء في النمو مرة أخرى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد