رصد الكاتب المهتم بشؤون الشرق الأوسط، جيمس دورسي، مساعي حكام دول الخليج لـ«عسكرة» مجتمعاتهم، وما لذلك من تداعيات على هذه المجتمعات؛ وما إذا كانت ستعمل على تضييق الفجوات الاجتماعية أو توسيعها.

يقول دورسي في بداية مقاله إن التداعيات الاقتصادية لجائحة فيروس كورونا تشكك في قدرة دول الخليج على تمويل سباق تسلح إقليمي مكلِف ووشيك. وهو الأمر الذي لا يعيد تشكيل موقفها الجيوسياسي فحسب، بل أيضًا جهودها لجعل الجيش ركيزة للهوية الوطنية الجديدة في وقت تضطر هذه الدول لإعادة التفاوض على العقود الاجتماعية التي عفا عليها الزمن.

مواجهة التقدم الإيراني في تطوير الأسلحة

يضيف دورسي في مقاله المنشور على موقع «WION» أن الانخفاض الكبير في إيرادات الدول الخليجية، نتيجة لانهيار أسعار النفط والغاز، وانخفاض الطلب العالمي انخفاضًا كبيرًا، يثير التساؤل عما إذا كان بوسع دول، مثل: السعودية، والإمارات، وقطر، أن تحافظ على النفقات العسكرية الضخمة، التي تضعها بين أوائل مشتري الأسلحة على مستوى العالم.

ويلفت الكاتب إلى أن الإنفاق السعودي والإماراتي كان مدفوعًا بالحاجة المتصوَّرة لمواجهة التقدم الإيراني في تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار «الدرونز» فضلًا عن القدرات العسكرية النووية المحتملة والوكلاء العرب الذين تدعمهم إيران. كما التحقت قطر بسباق التسلح مؤخرًا ردًا على حملة المقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية المستمرة منذ ثلاثة أعوام بقيادة السعودية والإمارات.

لقد وضع الإنفاق (العسكري) الجيش في وضعية المحرِك للهوية القائمة على أساس القومية، بدلًا عن الدين، أو الإرث القبلي، كما أنه كان يهدف إلى المساعدة في وضع الأساس إلى انتقال، ربما يكون مؤلمًا، إلى اقتصادات أكثر تنوعًا وتبسيطًا في حقبة ما بعد النفط.

وكان تجنيد الذكور في الإمارات، وقطر، والكويت، والقرار السعودي بفتح التطوع للخدمة العسكرية للنساء خلال العِقد الماضي، جميعها أمورًا تخدم هذا الغرض فضلًا عن جهود الحكومة لتوسيع مشاركة المواطنين في القوى العاملة على حساب العمال المهاجرين والمغتربين، بما في ذلك داخل القوات المسلحة.

فشل التدخلات الخليجية في صراعات المنطقة

وشكلت هذه الخطوات انفصالًا عن الماضي، الذي كان لا يثق خلاله الحُكام العرب بجيوشهم، واستغلوا عدة طرق لحماية أنفسهم من المحاولات المدعومة من الجيش للإطاحة بهم من سدة السلطة.

كان يتوقع حُكام السعودية والإمارات أن تدخلهم العسكري في اليمن وتورط الإمارات في الحرب الليبية جميعها أمور ستعمل على رفع هيبة الجيش من خلال إحراز انتصارات سريعة وحاسمة. لكن بعد خمسة أعوام، أدى التدخل غير المدروس في اليمن لنتائج متفاوتة في أفضل الأحوال، وكذلك كان الأمر بالنسبة للجهود الأخيرة للإطاحة بحكومة الوفاق الوطني الإسلامية، المعترف بها دوليًا في ليبيا.

وانسحبت الإمارات، التي أطلق وزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس ماتيس عليها اسم إسبرطة الصغيرة، من اليمن جزئيًا في محاولة للتقليل من خسائرها، وعانت القوات الإماراتية من مقتل العشرات من المدنيين الإماراتيين، وهو رقم كبيرة بالنسبة لعدد الإماراتيين البالغ 1.4 مليون نسمة. ونتيجة لذلك تعتمد الإمارات اعتمادًا متزايدًا على الوكلاء والمرتزقة.

حرب اليمن تشوه صورة الجيش السعودي

بالرغم من كل ما سبق يقول دورسي: ربما تكون الإمارات أفضل حالًا من الجيش السعودي، الذي تعرضت صورته، دوليًا على الأقل، للتشويه الشديد. 

وفي الآونة الأخيرة بدا وأن المملكة تعترف ضمنيًا بأنها لا تستطيع الفوز عسكريًا بحرب اليمن. وأشارت تقارير إعلامية إلى أن الحكومة السعودية قلصت تمويل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والتي تتخذ من السعودية مقرًا لها إلى حد كبير، ويرأسها عبد ربه منصور هادي. 

ويشير المقال إلى تورط طريقة الحرب السعودية في العديد من الهجمات على أهداف مدنية، تسببت في تدمير البنية التحتية المدنية والاقتصادية لليمن، وحولته إلى أحد أكبر الكوارث الإنسانية على مستوى العالم.

وبالمثل عانى المتمردون الليبيون المدعومون من الإمارات بقيادة المشير خليفة حفتر المصير ذاته، إذ ثبت أن وعد حفتر قبل أكثر من عام بشن غزو مفاجئ على العاصمة الليبية طرابلس، لم يكن سوى أوهام بعد أن وضعت القوات الحكومية المدعومة تركيًا قواته في الوضعية الدفاعية.

ويراهن حكام السعودية والإمارات العربية المتحدة على أن تركيزهم على القيم المرتبطة بالقومية والقوات المسلحة، مثل الوطنية والتضحية والانضباط والواجب ومفاهيم المواطنين المثاليين الأبطال، جميعها أمور ستعزز التقدير الشعبي للجيش بالرغم من سجله المتقلب، ويبدو أن هذا رهان رابح في الوقت الحالي.

الدعم الشعبي للجيش في الحروب الخارجية

نجحت السعودية في كسب الدعم الشعبي لقواتها المسلحة ولحرب اليمن، بالرغم من الانتقادات الدولية الكبيرة، وذلك من خلال الثناء على التضحيات الوطنية لضحايا الجيش وتعويض عائلات الجنود ذوي العاهات المستديمة أو من سقطوا في الحرب، وإنشاء العديد من المؤسسات لضمان حقوق المحاربين القدامى.

حكام دول الخليج

أيضًا أضفت الإمارات الطابع المؤسسي على مسألة تكريم شهداء الجيش، بيد أن السجل المتضارب لجيشي السعودية والإمارات يثير تساؤلات حول مدى عدم أهليتهما لحمل راية الهويات الوطنية الجديدة.

كما يطرح ذلك الأمر تساؤلًا عما إذا كان المواطنون في دول مثل السعودية، أجبرت على إجراء تخفيضات للإنفاق الاجتماعي تثقل كاهل المواطنين، مع عدم وجود ما يشير إلى أن النخب تتقاسم هذا العبء، سيستمرون في دعم الإنفاق العسكري الكبير في أوقات التقشف.

وبالنظر إلى ما يُنشَر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نجد أن الكثير من السعوديين يشيدون بالحكومة لضمانها عودة رعاياها من الخارج إلى المملكة في بداية انتشار الجائحة، وتمويل إجراءات الحجر الصحي لمنع انتشار الفيروس التاجي، فضلًا عن دعم رواتب القطاع الخاص التي تأثرت بسبب الإغلاق بنسبة تصل إلى 60%.

بالرغم من ذلك عبر عدد لا بأس به من الأشخاص عن مخاوفهم من أن تتحمل الطبقات المتوسطة والدنيا وطأة التداعيات الاقتصادية للجائحة، كما أنهم يشككون في مسألة الاستثمارات المستمرة في أندية أوروبية مثل نادي نيوكاسل الإنجليزي من قبل صندوق الاستثمارات العامة، وهو صندوق الثروة السيادية للمملكة، بيد أن الإنفاق العسكري لم يكن موضع تساؤل حتى الآن.

الخدمة العسكرية هل تكون وسيلة لتوسيع الفجوات المجتمعية أم تضييقها؟

الأمر الذي من المحتمل أن يُعقد الأمور هو أن غالبية الضحايا الإماراتيين والسعوديين في حرب اليمن ينحدرون من الإمارات والمحافظات السعودية الأقل حظًا، والبعض منها موطن للأقليات الدينية التي لها تاريخ من الشعور بالعوز، ونتيجة لذلك يبقى أن نرى ما إذا كانت الخدمة العسكرية ستضيق الفجوات الاجتماعية أو توسعها في نهاية المطاف.

تحذر الباحثة في الشؤون الخليجية إليونورا أرديماني من أن تتسبب عسكرة المجتمعات الخليجية في تعزيز أمن النظام الحاكم، وبالتالي تخدم الأمن القومي مرتين، بيد أنه من المرجح أن يعزز تزايد المشاعر القومية الاستقطاب الإقليمي. 

ويركز تحذير أرديماني على خطر العسكرة التي ترّسِخ للخلافات بين دول الخليج. والسؤال الآن هو ما إذا كان تأثير العسكرة الناجح حتى الآن في تعزيز التماسك الداخلي، قد يكون له نتيجة عكسية تتسبب على أسوأ الظروف في إحداث حالة استقطاب أكثر من توحيد الصف الوطني. 

عربي

منذ شهر
«نيويورك تايمز»: حرب داخل حرب.. هكذا تعقَّدت جهود السعودية للانسحاب من اليمن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد