«بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أخبرتُ مجلس الشيوخ أن توسُّع الناتو سيقودنا إلى الوضع الذي نواجهه اليوم»، حسب ما يخلُص إليه جاك إف ماتلوك جونيور، السفير الأمريكي الأسبق لدى الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وذلك في مقاله الذي نشره موقع مجلة «ريسبونسبل ستيت كرافت» التابعة لمعهد كوينسي الأمريكي لفن الإدارة الرشيدة.

يقول الدبلوماسي السابق في مطلع مقاله إننا نواجه اليوم أزمة بين الولايات المتحدة وروسيا كان يمكن تجنُّبها وقد كانت متوقعة، وتسارعت مجرياتها عن عمد، ولكن يمكن حلُّها بسهولة من خلال تطبيق المنطق السليم.

كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟

وبصفته مسؤولًا شارك في المفاوضات التي أنهت الحرب الباردة، يستعيد الكاتب بعضًا من أحداث التاريخ المرتبطة بالأزمة الحالية، ويبدأ بشرح الموقف الحالي قائلًا إن التحذيرات مِلء أسماعنا صباح مساء؛ بأن الحرب قد تكون وشيكة في أوكرانيا، وأن القوات الروسية تحتشد على حدود أوكرانيا، ويمكن أن تهاجم في أي وقتٍ.

ويُنصح المواطنون الأمريكيون بمغادرة أوكرانيا، ويجري إجلاء عائلات موظفي السفارة الأمريكية. وفي غضون ذلك، نصح الرئيس الأوكراني بعدم الذعر وأوضح أنه لا يرى غزوًا روسيًّا وشيكًا، ونفى فلاديمير بوتين أن يكون لديه أي نية لغزو أوكرانيا، ومطلبه هو وقف عملية إضافة أعضاء جدد إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأن يكون لدى روسيا ضمانات بأن أوكرانيا وجورجيا لن تكونا عضوَيْن أبدًا في الناتو.

Embed from Getty Images

وقد رفض الرئيس بايدن تقديم هذا الضمان، ولكنه أوضح استعداده لمواصلة مناقشة مسائل الاستقرار الإستراتيجي في أوروبا، ومن ناحيةٍ أخرى، أوضحت الحكومة الأوكرانية أنها لا تعتزم تنفيذ الاتفاق الذي أُبرِم في عام 2015، بشأن إعادة توحيد مقاطعات دونباس في أوكرانيا مع منحها درجة كبيرة من الحكم الذاتي المحلي، وهو الاتفاق الذي جرى بين روسيا وفرنسا وألمانيا وأيَّدته الولايات المتحدة.

إمكانية تجنُّب هذه الأزمة

يرى الدبلوماسي السابق أنه كان بالإمكان تجنُّب الأزمة الحالية، موضحًا أنه في عام 1991 وعندما انهار الاتحاد السوفيتي، اعتقد عديد من المراقبين خطأً أنهم يشهدون نهاية الحرب الباردة بعدما انتهت بالفعل قبل عامين على الأقل من خلال التفاوض، وكان ذلك في مصلحة جميع الأطراف، وكان الرئيس جورج دبليو بوش يأمل أن يتمكن الرئيس جورباتشوف من إبقاء معظم الجمهوريات الـ12 غير البلطيقية في اتحاد تطوعي.

العالم والاقتصاد

منذ 11 شهر
«أكسيوس»: كيف سيتأثر الاقتصاد العالمي إذا أعلنت روسيا حربها على أوكرانيا؟

وعلى الرغم من الاعتقاد السائد لدى كلٍّ من مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن ومعظم الجمهور الروسي، لم تدعم الولايات المتحدة تفكك الاتحاد السوفيتي، ناهيك عن أن تتسبَّب في ذلك؛ يقول ماتلوك: «لقد أيَّدنا استقلال إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، وكان أحد الإجراءات الأخيرة للبرلمان السوفيتي هو تقنين مطالبتهم بالاستقلال؛ وعلى الرغم من المخاوف التي أعرب عنها فلاديمير بوتين مرارًا، لم يهدد أبدًا بإعادة استيعاب دول البلطيق أو المطالبة بأيٍّ من أراضيها، على الرغم من أنه انتقد بعض الذين حرموا الروس العِرقيين من كامل حقوق المواطنة، وهو مبدأ تعهَّد الاتحاد الأوروبي بإنفاذه».

وبالنظر إلى أن مطلب بوتين الرئيس يتمحور حول ضمان عدم ضم حلف الناتو لمزيد من الأعضاء، وعلى وجه التحديد أوكرانيا أو جورجيا، فمن الواضح أنه لم يكن هناك أساس للأزمة الحالية إذا لم يُتوسَّع في الحلف عقب انتهاء الحرب الباردة، أو في حال حدث التوسُّع بالانسجام مع بناء هيكل أمني في أوروبا يشمل روسيا.

هل كانت هذه الأزمة متوقَّعة؟

ويؤكد الكاتب أن تلك الأزمة كانت متوقَّعة، فقد كان توسُّع الناتو أكبر خطأ إستراتيجي يحدث منذ نهاية الحرب الباردة، لافتًا إلى أنه طُلب منه الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في عام 1997 عندما أثيرت مسألة إضافة مزيد من الأعضاء إلى حلف الناتو. 

وتابع ماتلوك قائلًا: وفي ملاحظاتي الاستهلالية، أدليتُ بالتصريح الآتي: 

«أرى أن توصية الإدارة بضم أعضاء جدد إلى حلف الناتو في هذا الوقت مضللة، وإذا وافق عليها مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة، فقد تُسجل تلك الخطوة في التاريخ بوصفها أكبر خطأ إستراتيجي فادح منذ نهاية الحرب الباردة، وبعيدًا عن تحسين أمن الولايات المتحدة وحلفائها والدول التي ترغب في الانضمام إلى الحلف، يمكن أن تشجِّع هذه الخطوة حدوث سلسلة من الأحداث التي يمكن أن تؤدي إلى أخطر تهديد أمني لهذه الأمة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي»، والواقع أن ترساناتنا النووية قادرة على إنهاء الحضارة على كوكب الأرض.

Embed from Getty Images

ويضيف الدبلوماسي السابق أنه لم يكن هذا هو السبب الوحيد الذي أشار إليه لإدراج روسيا، وليس استبعادها من الأمن الأوروبي، وكما أوضح للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، قائلًا: «فشلتْ خطة ضم أعضاء جدد للناتو مراعاةً للوضع الدولي ميدانيًّا بعد نهاية الحرب الباردة، وتمضي وفقًا لمنطق لم يكن منطقيًّا إلا خلال الحرب الباردة، ذلك أن تقسيم أوروبا انتهى قبل التفكير في ضم أعضاء جدد إلى حلف الناتو، ولا أحد يهدد بإعادة تقسيم أوروبا، ولذلك فمن السَّخف الادِّعاء، كما قال البعض، أنه من الضروري ضم أعضاء جدد إلى حلف الناتو لتجنُّب انقسام أوروبا في المستقبل، وإذا كان الناتو هو الأداة الرئيسة لتوحيد القارة، فمن المنطقي أن الطريقة الوحيدة للقيام بذلك تتمثل في التوسُّع ليشمل الحلف جميع الدول الأوروبية، ولكن لا يبدو أن هذا هو هدف الإدارة، وحتى لو كان كذلك، فإن السبيل للوصول إليه ليس من خلال قبول أعضاء جدد تدريجيًّا».

ونوَّه الدبلوماسي السابق إلى أن القرار بتوسيع الناتو تدريجيًّا كان بمثابة السير عكس اتجاه السياسات الأمريكية التي أفضت إلى نهاية الحرب الباردة، وكان الرئيس جورج بوش قد أعلن هدفًا يتمثل في «أوروبا كاملة وحرة»، وقد تحدث جورباتشوف عن «وطننا الأوروبي المشترك»، ورحَّب بممثلي حكومات أوروبا الشرقية الذين طردوا حكامهم الشيوعيين وأمروا بتخفيض جذري في أعداد القوات العسكرية السوفيتية موضحين أنه لكي تكون دولة واحدة آمنة، فلابد من توفير الأمن للجميع.

وأكَّد الرئيس بوش أيضًا لجورباتشوف خلال اجتماعهما في مالطة في ديسمبر (كانون الأول) 1989، أنه إذا سُمِحَ لبلدان أوروبا الشرقية باختيار توجُّهها في المستقبل من خلال العمليات الديمقراطية، فإن الولايات المتحدة لن «تستغل» تلك العملية، ويشير السفير السابق إلى أنه من الواضح أن ضم بلدان إلى حلف الناتو، كانت آنذاك في حلف وارسو، كان يُعد «استغلالًا»، وفي العام الذي أعقب ذلك، أكد جورباتشوف، وإن لم يكن في معاهدة رسمية، أنه إذا سُمِح لألمانيا الموحَّدة بالبقاء في حلف الناتو، فلن تكون هناك حركة لسلطة حلف الناتو تجاه الشرق، «ولو شبرًا واحدًا».

وقد قُدِّمت هذه التعليقات إلى جورباتشوف قبل تفكك الاتحاد السوفيتي، وبمجرد أن حدث ذلك، بات لدى الاتحاد الروسي أقل من نصف سكان الاتحاد السوفيتي، وأصاب الإحباط المؤسسة العسكرية وانخفضت معنوياتها، وفي حين لم يكن هناك سبب لتوسُّع الناتو بعد اعتراف الاتحاد السوفيتي باستقلال دول أوروبا الشرقية واحترامها، لم يكن هناك سببٌ قويًٌ للخوف من الاتحاد الروسي بوصفه تهديدًا.

هل تسارعت هذه الأزمة عمدًا؟

يعتقد الدبلوماسي السابق آسفًا أن السياسات التي اتَّبعها الرؤساء جورج دبليو بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب وجو بايدن أسهمت في الوصول إلى هذه النقطة.

واستمر ضم دول من أوروبا الشرقية إلى الناتو خلال إدارة جورج دبليو بوش، لكن هذا لم يكن الشيء الوحيد الذي أثار معارضة روسيا؛ وفي الوقت نفسه، بدأت الولايات المتحدة الانسحاب من معاهدات الحد من التسلح التي خففت، لبعض الوقت، سباق التسلح غير العقلاني والخطير، وكانت بمثابة الاتفاقيات الأساسية لإنهاء الحرب الباردة، وكان أهمها قرار الانسحاب من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية؛ التي كانت حجر الأساس لسلسلة الاتفاقات التي أوقفت لبعض الوقت سباق التسلح النووي.

Embed from Getty Images

وبعد 11 سبتمبر (أيلول)، كان بوتين أول زعيم أجنبي يتصل بالرئيس بوش ويقدم الدعم له، وقد كان موقفه جيدًا فقد سهَّل الهجوم على نظام طالبان في أفغانستان، وكان من الواضح في ذلك الوقت تطلع بوتين إلى شراكة أمنية مع الولايات المتحدة… لأن الجهاديين الذين كانوا يستهدفون الولايات المتحدة كانوا يستهدفون روسيا أيضًا؛ ومع ذلك، واصلت واشنطن مسارها في تجاهل المصالح الروسية (والحلفاء أيضًا) من خلال غزو العراق، وهو عمل عدواني لم تعارضه روسيا فحسب، بل عارضته أيضًا فرنسا وألمانيا.

وعلى الرغم من أن الرئيس أوباما وعَد في البداية بتحسين العلاقات من خلال نهج سياسة «إعادة ضبط العلاقات مع روسيا»، فإن الواقع أوضح أن حكومته استمرت في تجاهل المخاوف الروسية الأخطر وضاعفتْ الجهود الأمريكية لفصل الجمهوريات السوفيتية السابقة عن النفوذ الروسي، بل وتشجيع «تغيير النظام» في روسيا نفسها، وعَدَّ الرئيس الروسي، ومعظم الروس، الأعمال الأمريكية في سوريا وأوكرانيا هجماتٍ غير مباشرة ضدهم.

وفيما يتعلق بأوكرانيا، كان تدخل الولايات المتحدة في سياساتها الداخلية عميقًا، إذ دعمت واشنطن بفاعلية ثورة 2014 وإطاحة الحكومة الأوكرانية المنتخبة في ذلك العام.

وأشار السفير السابق إلى أن العلاقات تدهورت أكثر خلال فترة ولاية الرئيس أوباما الثانية بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم؛ ثم تفاقمت الأمور خلال السنوات الأربع من ولاية دونالد ترامب، وبعد اتهامه بكونه محتالًا روسيًّا، مرر ترامب كل إجراء معادٍ لروسيا، وفي الوقت نفسه كان يمتدح بوتين بوصفه قائدًا عظيمًا.

هل يمكن حل الأزمة بتطبيق المنطق السليم؟

يؤكد ماتلوك أن الأزمة يمكن حلها بتطبيق المنطق السليم، مشيرًا إلى أن ما يطلبه بوتين معقول إلى حدٍّ كبيرٍ؛ فهو لا يطالب بخروج أي عضو في الناتو ولا يهدِّد أحدًا، وبأي معيار منطقي، من مصلحة الولايات المتحدة تعزيز السلام وليس الصراع؛ وقد كانت محاولة فصل أوكرانيا عن النفوذ الروسي، الهدف المعلن لأولئك الذين حرضوا من أجل «الثورات الملونة»، مهمة حمقاء وخطيرة؛ ويتساءل السفير السابق: «هل نسينا سريعًا الدرس المستفاد من أزمة الصواريخ الكوبية؟» (عدة عمليات فاشلة حاولت من خلالها الولايات المتحدة إسقاط النظام الكوبي، وردًّا على ذلك شرعت حكومتا كوبا والاتحاد السوفيتي في بناء قواعد سرية لعدد من الصواريخ النووية المتوسطة المدى (MRBMs وIRBMs) في كوبا، والتي كان بإمكانها ضرب معظم أراضي الولايات المتحدة، وكادت هذه الأزمة أن تؤدي إلى قيام حرب نووية).

دولي

منذ 11 شهر
«ستراتفور»: كيف قد ترُد روسيا على أي عقوبات ستفرضها أمريكا أو الغرب؟

ويلفت الكاتب إلى أن الدفع بأن الموافقة على مطالب بوتين تصبُّ في المصلحة الموضوعية للولايات المتحدة لا يعني أن تنفيذ ذلك أمرًا هينًا، وذلك لأن زعماء كلٍّ من الحزبين الديمقراطي والجمهوري طوَّرا موقفًا ما من رُهاب الروس إلى الحد الذي يجعل الإبحار في هذه المياه السياسية الهائجة والتوصل إلى نتيجة عقلانية يحتاج إلى قدر عظيم من المهارة السياسية.

وأوضح الرئيس بايدن أن الولايات المتحدة لن تتدخل بقواتها إذا غزت روسيا أوكرانيا؛ فلماذا إذن نقَلَ تلك القوات إلى أوروبا الشرقية؟ هل فعل ذلك فقط ليُبين للمتشددين في الكونجرس أنه يقف بحزم؟

ويختم الكاتب مقاله فيقول: «ربما تجد المفاوضات اللاحقة بين واشنطن والكرملين طريقة لتهدئة المخاوف الروسية ونزع فتيل الأزمة، وربما يبدأ الكونجرس بعد ذلك في التعامل مع المشكلات المتنامية التي نواجهها في الداخل بدلًا من جعلها أسوأ.. أو هكذا يمكن للمرء أن يأمل».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد