ما الذي يجعل أدمغتنا بشرية؟ يلجأ باحثون بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو إلى منهجٍ مثير للاهتمام لاستكشاف هذا الأمر، وذلك عبر استبدال جينٍ بشري بنسخته من جين إنسان نياندرتال ودراسة التأثيرات الناجمة عن ذلك في المختبر. يُلقي تقريرٌ منشور حديثًا في مجلة ساينس الأمريكية العلمية الضوء على نتائج هذه الدراسة، ويشرح آثار هذا التعديل الجيني على نسيج الدماغ البشري.

بين النياندرتال والإنسان المعاصر.. مقارنةٌ رائدة

ما المكوّن في أحماضنا النووية الذي يجعل أدمغتنا الإنسانية «بشرية»؟ في سعيهم لفهم هذه الجزئية ومحاولة للوصول لإدراك أفضل بشأن كيفية تطور الأدمغة البشرية المعقدة، عمد الباحثون إلى إنشاء أنسجة دماغية معدّلة جينيًا لفهم كيف تختلف أدمغتنا عن أدمغة أقاربنا المنقرضين. حوّل الباحثون جيناَ بشريًا واحدًا إلى نظيره لدى النياندرتال في نسيجٍ دماغي أُنشِأ ونما في طبق مختبريّ، ويرمي الباحثون إلى استكشاف التغييرات الذي قد يتسبب بها هذا الجين لفهم دورها المحتمل في نموّ الدماغ القديم والحديث.

ينقل التقرير عن عالمة البيولوجيا العصبية في جامعة ديوك ديبرا سيلفر – التي لم تشارك في هذه العمل – تعليقها: «هي من بين أولى الدراسات من هذا النوع للتحقيق في كيفية تأثير تغييرات معينة في الحمض النووي للإنسان الحديث على تطور الدماغ»، بالرغم من أن بحوث سابقة استخدمت نهوجًا مماثلة لاختبار الاختلافات بين أدمغة البشر والرئيسات الأخرى، فإن العمل الجديد ينظر لنوعٍ شديد القرب للإنسان المعاصر، وهو ما يعني الوصول إلى لاختلافات الأكثر دقة.

يعد إنسان النياندرتال من البشر القدماء الذي عاشوا في فترة ما بين 500 ألف عام إلى حوالي 11 ألف و700 عام مضى، وقد تزاوجوا مع جنسنا البشري – الإنسان العاقل أو «هومو سابينز» – لجزء كبير من ذلك الوقت. كانت أدمغة النياندرتال بحجم أدمغتنا تقريبًا، لكن يعتقد علماء الأنثروبولوجيا أن أدمغتهم كانت تعمل بصورةٍ مختلفة؛ لأن إنسان النياندرتال لم يحقق في مئات الآلاف من السنين ما حققه الإنسان العاقل من تكنولوجيا متطورة، وبراعة فنية، وأشياء أخرى يتميز بها البشر المُحدَثون.

الأمخاخ الصغيرة: أدمغة معدلة جينيا

أراد عالم الأعصاب أليسون موتري من جامعة كاليفورنيا (UC) استكشاف الاختلافات التي يحتمل وجودها، ولذا قارن وفريقه ما بين جينومات البشر المعاصرين مع جينومات إنسان نياندرتال ودينيسوفان – نوع آخر من البشر الأقدمين الذي تعرضوا للانقراض – أعيد بناؤها من عظام مُكتشفة. وجد موتري وفريقه 61 جينًا مختلفًا ما بين البشر المعاصرين والبشر القدماء.

بعد ذلك استخدم فريق موتري أداة تعديل الجينات المعروفة باسم «كريسبر (CRISPR)» على الخلايا الجذعية المستخلصة من خلايا الجلد البشرية لتعديل «جين نوڤا1» المعروف بتنظيم نشاط الجينات الأخرى أثناء نمو الدماغ المبكر (NOVA1). أدى تبديل قاعدة حمض نووي واحدة إلى تحويل هذا الجيل إلى «نوڤا1» الخاص بالنياندرتال.

ومن ثم صنع الباحثون مجموعات صغيرة من خلايا الدماغ وتُسمّى بـ«العضيّات الدماغية المُستزرعة مختبريًا (brain organoids)»، يُعتمد في تخليقها على الخلايا الجذعية البشرية، وصار الباحثون يلجأون إليها لاستكشاف ودراسة خواص الدماغ البشري. في هذه الدراسة خلّق الباحثون هذه العضيات الدماغية مع ومن دون نسخة نياندرتال لمقارنتهم.

يشرح التقرير كيف تعد العضيات الدماغية بعيدة كل البعد عن الأدمغة الحقيقية، وتُشدّد عالمة الأحياء التطورية في مختبر البيولوجيا الجزيئية التابع لمجلس البحوث الطبية مادلين لانكستر بأنه لا يمكن بحالٍ من الأحوال اعتبار الأدمغة التي لديها جين نياندرتالي أدمغة عضوانية نياندرتالية بالكامل.

ومع ذلك أدى تغيير هذا الجين لوحده إلى تغيير نمو العضيّات الدماغية ومظهرها ونشاطها الكهربائي حسب ما وصل إليه موتري وفريقه في مجلة «ساينس». تنضج العضيات الدماغية المعدّلة جينيًا أسرع مُسفرةً عن سطح غير مستو ومعقد عوضًا عن السطح الأملس، ويكون نشاطها الكهربائي مُسرّعًا أكثر من نشاط نظيرها، وتعتمد الروابط بين الأعصاب والمشابك العصبية على نسخٍ وتفاعلات مختلفة قليلًا للبروتينات الرئيسة.

يضيف التقرير أيضًا أن النبضات الكهربائية لم تتزامن في العضيات المعدلة جينيًا كما هو حال العضيات البشرية الحديثة. يعلّق عالم الأعصاب في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو أرنولد كريجستين على النتيجة قائلًا: «بدأ وكأن كل شيء يمكنهم اختباره أسفر عن اختلاف».

وينقل التقرير عن موتري توضيحه بأن النتائج التي ظهرت في الاختبارات المستخدمة للخلايا الجذعية البشرية المستمدة من خلايا جلد متبرعٍ مختلف «تُخبرنا أن أدمغتهم – للبشر الأقدمين – ربما تعمل بطريقةٍ مختلفة عن أدمغتنا».

يؤثر متغير نوفا1 على خصائص نشاط الشبكة العصبية والخلوية والجزيئية. مصدر الصورة: مجلة ساينس

خطوة باتجاه دراسات أوسع

أحدثت هذه الدراسة صدىً ما بين الباحثين المتخصصين، إذ عبّر العديدون عن حماسهم وحذرهم في آنٍ واحد. صرح مدير معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية سڤانتي بابو معلقا على الدراسة: «من المدهش أنه من خلال تغيير حمض أميني واحد في بروتين واحد، يخلق المرء تأثيرًا مرئيًا حتى في كيفية ظهور الكائنات العضوية في المجهر». لكن نظرًا لأن العضيات لا تمثل سوى المراحل الأولى من التطور «يصعب معرفة كيف ستظهر هذه التغييرات في دماغٍ أكثر نضجًا» وفقًا لما يورده التقرير عن كريجستين.

تحمل هذه العضيات الدماغية جين إنسان نياندرتال. مصدر الصورة: مختبر مورتي/جامعة كاليفورنيا

يضيف المختص في علم الجينات التطوري بجامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ وولفغانغ إينارد بأن العضيات الدماغية المُنشئة في المختبرات هي أدوات صعبة، بالرغم من القدرات التي توفرها للباحثين، إذ يداخل التعقيد نموّها وغالبًا ما يعسر تكرار خصائصها ما بين المجموعات. إلا أن مورتي يتسم بالشجاعة والإصرار، فالآن وبعد إحكام البروتوكول، أنشأ بمعيّة باحثين آخرين من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو مركزًا لتوسيع دراساتهم المختصة بالمتغيرات الجينية البشرية القديمة. اختبر مورتي وفريقه تأثير جينٍ بشري قديم في المختبر، والآن أصبح مستعدًا للتعامل مع الجينات الستين الأخرى.

علوم

منذ شهر
مترجم: 10 من أهم ما اكتشفناه عن أسلافنا البشر في عام 2020

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد