إن حكومة سودانية مُوحَّدة ذات تفويض شعبي ستكون قادرة على صياغة سلام دائم مع إسرائيل على نحو أفضل، كما كتب بايتون نوبف وجيفري فيلتمان، في حين أن اتفاقية تطبيع سودانية إسرائيلية متسرعة يمكن أن تُقوِّض المرحلة الانتقالية في السودان. وقد نشر هذا المقال في الأصل معهد الولايات المتحدة للسلام.

نشر «معهد بروكنجز» مقالًا لبايتون نوبف، مستشار كبير بمعهد الولايات المتحدة للسلام، وجيفري فيلتمان، باحث زائر للدبلوماسية الدولية في برنامج السياسية الخارجية بـ«معهد بروكنجز»، حول إمكانية التطبيع بين السودان وإسرائيل في الوقت الحالي. ويرى الباحثان أنه من الأفضل تأجيل هذه الخطوة حتى تكون هناك حكومة منتخبة ذات تفويض شعبي؛ لكي لا يكون مصير الاتفاق أشبه بمصير اتفاق السلام بين إسرائيل ولبنان، والذي لم يُكتب له البقاء والاستمرار.

وفي مستهل مقالهما، ذكر الكاتبان أنه مع انضمام الإمارات العربية المتحدة والبحرين إلى مصر والأردن في إعلان السلام مع إسرائيل، فإن مَنْ يسألون «مَنْ التالي؟» غالبًا ما ينظرون بحماسة باتجاه الغرب، وتحديدًا نحو الخرطوم. وإضافة فصول جديدة إلى اتفاقيات إبراهيم يصب في مصلحة الولايات المتحدة، ولكنه يصب كذلك في مصلحة مرحلة انتقالية ناجحة في السودان.

وتسلسل هذه الخطوات أمر بالغ الأهمية. وستكون الحكومة السودانية الموحدة ذات التفويض الشعبي أكثر قدرة على صياغة سلام دافئ ومستدام مع إسرائيل، في حين أن اتفاقية تطبيع إسرائيلية سودانيَّة متسرعة يمكن أن تفكك المرحلة الانتقالية في السودان وتولِّد دعمًا متجددًا للإسلاميين في السودان وداعميهم الأجانب.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
«واشنطن بوست»: هكذا يمهَّد طريق التطبيع السعودي مع إسرائيل على مهل

إن جاذبية السودان، الذي كان في يوم من الأيام في قبضة الإسلاميين وما يزال على قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، أمر واضح؛ إذ يظهر في الصفحات الإيجابية لسجل السلام. وبعد إعلان اتفاقيات إبراهيم بين إسرائيل والإمارات، كانت هناك موجة من التخمينات حول الدول العربية التي يمكن أن تطبِّع علاقاتها مع إسرائيل، وكان هناك نشاط دبلوماسي للحث على مثل هذه الخطوة وتحفيزها. واستمرت زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى الخرطوم في 25 أغسطس (آب)، والزيارة اللاحقة التي قام بها رئيس مجلس السيادة السوداني، الجنرال عبد الفتاح البرهان، إلى أبوظبي في 20 سبتمبر (أيلول)، في تغذية هذه التكهنات.

السودان الديمقراطية

المرحلة الانتقالية الهشة في السودان

للأسف، تجاهل كثير من الجدل الدائر حول احتمالات تحسن العلاقات الثنائية بين إسرائيل والسودان عملية الانتقال السياسي الهشة في السودان، والمخاطر التي قد يشكِّلها التطبيع السابق لأوانه على المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات. ولا أحد يريد تكرار اتفاقية السلام الإسرائيلية اللبنانية التي أُبرِمت في عام 1983م، والتي وقَّعتها حكومة لبنانية من دون شرعية شعبية، وانهارت خلال أقل من عام.

وبعد خمسة أشهر من إطاحة الرئيس عمر البشير في عام 2019م، بعد 30 عامًا من الديكتاتورية، توصَّل المجلس العسكري الذي أطاح البشير وحركة الاحتجاج المدنية التي عجَّلت بسقوطه، إلى اتفاق بشأن تشكيل حكومة انتقالية. واستند هذا الانتقال إلى ترتيب تعايش دقيق بين أصحاب المصلحة العسكريين والمدنيين، مع ترأس البرهان لمجلس السيادة، وقيادة رئيس الوزراء التكنوقراطي، عبد الله حمدوك، للحكومة، ومجلس تشريعي، ولكل منهم مجموعة محددة من المسؤوليات التي ينهض بها حتى انتخابات عام 2022م.

المجتمع المدني ظل نشطًا رغم وحشية البشير

وأشار الكاتبان إلى أنه على الرغم من وحشية نظام البشير، ظل المجتمع المدني السوداني، بما في ذلك النقابات والجمعيات المهنية، نشطًا على نحو ملحوظ. وكان المشهد السياسي في السودان من أكثر المشاهد تنوعًا وحيوية في العالم العربي، مع وجود قوى منظمة تتنوع بين الشيوعيين والبعثيين، إلى القوى العلمانية الليبرالية، إلى مجموعة من الجماعات ذات التوجه الإسلامي.

واصطف عديد من هؤلاء في معارضة البشير، لكنهم اختلفوا في رؤيتهم لما يجب أن يحدث بعد رحيله. ولذلك، صُمِّم ترتيب المرحلة الانتقالية ليحقق التوازن بين هذه الفئات العديدة أثناء تطوير نظام دستوري جديد، ومنع تقسيم البلاد والانزلاق إلى حرب أهلية، وتوفير مسار نحو الديمقراطية التي تلبي تطلعات مئات الآلاف من السودانيين، وهم الشباب في الغالب، الذين تظاهروا جماعيًّا لمدة خمسة أشهر في ثورة تاريخية لم تجنح إلى العنف.

تنافس على إدارة الأوضاع

ولفت الكاتبان إلى براعة البشير في الإبحار بين قوى الشرق الأوسط المُتنافِسَة، حيث كان يتردد، على سبيل المثال، في الانحياز إلى طرف دون الآخر في أزمة دول مجلس التعاون الخليجي. وليس من المستغرب أن المملكة العربية السعودية، والإمارات، وقطر، وتركيا سَعَت جميعها للتأثير في إدارة الأوضاع في عالم ما بعد البشير.

وعلى وجه الخصوص، أدَّى تصور وجود الدعم السعودي والإماراتي للمجلس العسكري ضد القوى المدنية والديمقراطية، إلى رد فعل شعبي عكسي داخل السودان. وكانت قطر وتركيا أقل علانيةً في دعمهما لأفراد أو فصائل بعينها، على الرغم من أن أنقرة وفَّرت ملاذًا لعدد من كبار الشخصيات التابعة لنظام البشير.

تفاقم الأزمات الأمنية والاقتصادية

واستدرك الكاتبان قائلَيْن: لكن لسوء الحظ، بعد مرور عام من المرحلة الانتقالية، تفاقمت الأزمات الأمنية والاقتصادية التي كانت سببًا مباشرًا في التظاهرات المناهضة للبشير. وما يزال الملايين نازحين. وانخفضت قيمة الجنيه السوداني من 45 لكل دولار أمريكي واحد في أغسطس 2019 إلى ما يقرب من 300 هذا الشهر.

ويعاني أكثر من نصف البلاد من انعدام الأمن الغذائي الشديد. وعلى الرغم من تعهدات الدعم، فشل المجتمع الدولي في توفير الموارد بما يتناسب مع الفرصة التاريخية للمرحلة الانتقالية. وتَزَايد الاستياء العام من الحكومة الانتقالية، واتَّسَعت رقعة الانقسامات ليس بين الجهات الأمنية والمدنية فحسب، ولكن بداخلها أيضًا.

يجب أولًا وقبل كل شيء النظر في أي خطوات نحو تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسودان في هذا السياق. وفعل غير ذلك من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من تصدع المرحلة الانتقالية والدولة نفسها.

ثورة السودان وشرعية الانتقال

وشدد الكاتبان على أنه من أهم نقاط الغموض في الإعلان الدستوري الذي تشكَّلت الحكومة الانتقالية بموجبه يتمثل في ما إذا كان مجلس السيادة، أو مجلس الوزراء أو المجلس التشريعي هو صاحب المسؤولية الأولية عن السياسة الخارجية. وبعد زيارة الوزير بومبيو إلى الخرطوم، أكَّد رئيس الوزراء حمدوك أن الحكومة ليس لديها تفويض لاتخاذ مثل هذا القرار المهم، بينما هناك مزاعم تفيد بأن البرهان عبَّر عن مزيد من الانفتاح. أما المجلس التشريعي، الذي يفترض أنه مفوض بتحديد الاتجاه السياسي لفترة الانتقال، فلم يُشكَّل بعد.

كانت ثورة السودان مدفوعة بتطلعات واسعة النطاق بين السودانيين ليكون لهم رأي في حكمهم، وتظل العلاقة مع إسرائيل قضية مثيرة للجدل. على سبيل المثال، تسبب لقاء البرهان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، في أوغندا في يناير (كانون الثاني)، في إحداث صدمة في جميع أنحاء البلاد، ليس فقط بين الإسلاميين، ولكن بين عديد من القوى الليبرالية والعلمانية التي كانت في طليعة الثورة والملتزمة بالتعددية.

السودان

ولا يمكن أن يكون قرار التطبيع تاريخيًّا وغير منطقي في آن واحد. واتِّخاذ حكومة لتصريف الأعمال – أو مجموعة من الأفراد داخلها – قرارًا أحادي الجانب يعني أن التحرك يفتقر إلى الشرعية، وكذلك الاستمرارية والاستدامة، التي يمكن أن تضفيها عليها جمعية تشريعية أو حكومة منتخبة.

الإمارات وأمريكا تدعمان تطبيع السودان

وأشارت تقارير صحفية إلى أن الولايات المتحدة سترفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وستقدم، بدعم إماراتي، عدة مليارات من الدولارات من المساعدات مقابل التطبيع. غير أنه إذا نُظِر إلى التطبيع على أنه ناتج من استغلال اليأس الاقتصادي والإنساني لدى السودان، فسيكون ذلك أكثر إثارة للاستقطاب بين الجماهير، وسيُعجِّل بتآكل الدعم للمرحلة الانتقالية، وسيُعرِّض رئيس الوزراء لمكائد أولئك الموجودين داخل السودان الذين يعارضون الإصلاح، والأطراف الإقليمية ذاتها التي تَعُدَّها إسرائيل والإمارات خصومًا أساسيين.

وفي ختام مقالهما، أكَّد الكاتبان أن المرحلة الانتقالية في السودان تمثل فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في كل جيل بالنسبة للبلاد؛ لكي ترسم مسارًا للخروج من الاستبداد والعنف نحو الديمقراطية والاستقرار، الأمر الذي من شأنه أن يرسل إشارات إيجابية عبر المنطقة المضطربة منذ مدة طويلة.

غير أن هذا الانتقال لا يمكن أن ينجح إذا أصبحت البلاد متورطة في خصوماتٍ إقليمية. وينبغي أن تكون ليبيا عبرة لمن يعتبر في هذا الصدد. وبالنظر إلى أن عدد سكان السودان يقارب ستة أضعاف عدد سكان ليبيا، فإن انهيار الدولة سيكون أكثر كارثية، ليس فقط لمواطنيها، ولكن لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها في أوروبا والشرق الأوسط. ويجب أن تتمثل الأولوية الأولى لواشنطن في قيادة مرحلة انتقالية ناجحة في السودان، وتشكيل حكومة موحَّدة تتمتع بشرعية شعبية قادرة على اتخاذ قرار تاريخي مثل اتفاق السلام الإسرائيلي السوداني.

عربي

منذ شهر
«ميدل إيست آي»: هل ينجح السودان في إنشاء نظام علماني؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد