باكستان تتبوأ مكانة متميزة على صعيد الأمن النووي.. كيف حدث هذا؟ 

استحقت «إسلام آباد» وصف «الأكثر تحسنًا» في تصنيف مكافحة سرقة المواد والمرافق النووية، في تقرير نشرته منظمة رقابية أمريكية أكدت فيه أن باكستان أحرزت تقدمًا ملحوظًا خلال العام الماضي في تحسين عوامل وإجراءات الأمن للمواد النووية الصالحة للاستخدام في صنع الأسلحة.

حول هذا الموضوع، نشرت وكالة «ميديا لاين» الأمريكية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط تقريرًا لمراسلها أرشد محمود تناول فيه الخطوات الواسعة التي حققتها باكستان لتوفير الأمن اللازم للمواد النووية، وكيف استطاعت أن تحتل مركزًا متقدمًا في مؤشر الأمن النووي لعام 2020؟

باكستان المتهمة منذ الثمانينيات تحقق تفوقًا في الأمن النووي

في بداية التقرير، استشهد المراسل بتقرير «مؤشر الأمن النووي» لعام 2020 الصادر عن منظمة «مبادرة التهديد النووي» في 22 يوليو (تموز) والذي وصف باكستان بأنها كانت الدولة الأكثر تحسنًا في تصنيف السرقة للدول التي تمتلك مواد نووية، والذي أدى بدوره إلى رفع درجتها الإجمالية بمقدار 7 نقاط.

منذ ثمانينيات القرن الماضي، تعرضت باكستان للاتهامات وأثيرت حولها الشكوك بسبب أنشطة «عبد القدير خان» المزعومة، وهو أحد كبار علماء إسلام آباد في المجال النووي والمتهم بإفشاء أسرار تتعلق بأجهزة الطرد المركزي وغيرها من المواد النووية إلى دول مثل إيران وليبيا وكوريا الشمالية. ومع أن خان اعترف بذلك مؤخرًا، لكنه أصر على أن مسؤولين رفيعي المستوى في باكستان كانوا على دراية به. ولم يدن خان مطلقًا، حسبما يشير التقرير.

وقدم المراسل تعريفًا بمنظمة «مبادرة التهديد النووي» – حسب موقعها على الإنترنت – أنها منظمة مقرها واشنطن تهدف لمنع الهجمات الكارثية بأسلحة الدمار الشامل والاضطرابات النووية والبيولوجية والإشعاعية والكيميائية والسيبرانية.

باكستان تسجل ثاني أكبر تحسن منذ انطلاق «مؤشر الأمن النووي»

وذكر تقرير «مؤشر الأمن النووي» أن «أكثر التحسينات التي أجرتها باكستان كانت في فئة تدابير الأمن والتحكم (+25) بسبب تمريرها لوائح جديدة. وبالمقارنة مع تحسينات الدول الأخرى في هذه الفئة، تُعد زيادة باكستان في فئة تدابير الأمن والتحكم (+25) ثاني أكبر تحسن تسجله أي دولة منذ انطلاق المؤشر في عام 2012».

وخلص التقرير إلى أن «تقدُّم باكستان في فئة تدابير الأمن والتحكم كان بارزًا، لأن تعزيز القوانين واللوائح يترتب عليه تحسن دائم في درجة باكستان (على المؤشر)، بالإضافة إلى توفيره مزايا مستدامة للأمن والسلامة».

وتابع تقرير «مبادرة التهديد النووي» قائلًا: كما ارتفعت درجة باكستان في فئة المعايير العالمية (+1). وأملًا في استدراك تناقص تحسينات الأمن النووي، أوصى التقرير دول العالم بضرورة زيادة الاهتمام السياسي بلوائح وأنظمة الأمن النووي، وتأسيس هيكل عالمي أكثر فعالية للأمن النووي.

Embed from Getty Images

معارضة البرنامج الباكستاني النووي ذو دوافع سياسية

في هذا الصدد، نقل تقرير وكالة «ميديا لاين» عن وزير الدفاع الباكستاني السابق، الفريق نعيم خالد لودهي، قوله «تخضع باكستان لتدقيق مكثف ورقابة دولية منذ بداية برنامجها النووي».

وأضاف لودهي: «كان مشروع البرنامج النووي دائمًا في أيد أمينة، واستمر في التطور ملتزمًا ببعض التدابير القوية لتوفير الحماية».

لكنه استدرك قائلًا: «إن معارضة مساعينا النووية، وهي غالبًا معارضة تأتي من الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، كانت تُحركها دوافع سياسية متجردة من أي عقلانية. وكان سوط النقد الرئيس الذي يلهبون به ظهورنا دائمًا هو مخاوفهم بشأن أمن أصولنا النووية وكيفية إدارتها والتحكم فيها».

وأصر لودهي على أن سجل إسلام آباد في سلامة وحماية المواد النووية كان «نقيًا» على الرغم من هذه المواقف.

وتابع وزير الدفاع الباكستاني السابق قائلًا: «وضعنا سياستنا النووية بشأن (عقيدة) الردع كامل المدى، وقد خدمتنا هذه السياسة جيدًا. كما أننا نمتلك التكنولوجيا والإرادة السياسية للقيام بكافة التدابير اللازمة لتقوية عزمنا وبالتالي قدرتنا على الردع».

ترحيب بإنجاز باكستان في الأمن النووي

وحظي الإنجاز الذي حققته باكستان بترحاب حافل، إذ استشهد المراسل بما كتبته «لورا كينيدي»، دبلوماسية أمريكية سابقة وخبيرة دولية في عدم انتشار الأسلحة النووية ونزع السلاح النووي، في تغريدتها على تويتر قائلة: إن أحد الأخبار المبشرة في تقرير «مبادرة التهديد النووي» هو تصنيف باكستان بأنها الدولة الأكثر تحسنًا في الأمن النووي من بين الدول التي تمتلك مواد صالحة للاستخدام في صنع الأسلحة النووية.

كما رحب السفير الباكستاني لدى واشنطن، أسد مجيد خان، بالتقرير عبر تغريدة على تويتر كتب فيها «نُرحب بتقرير مبادرة التهديد النووي بشأن أسلحة الدمار الشامل، الذي صنف باكستان على أنها الدولة الأكثر تحسنًا في تدابير الأمن النووي في مؤشر الأمن النووي لعام 2020، إذ احتلت باكستان المرتبة 19 من بين (22 دولة لديها مواد نووية صالحة للاستخدام في تصنيع الأسلحة) بتسجيل 47 نقطة. ومن المثير للاهتمام أن الهند جاءت بعد باكستان في التصنيف برصيد 41 نقطة في المرتبة 20».

باكستان والهند ترفضان التوقيع على «حظر انتشار الأسلحة النووية»

وأشار تقرير وكالة «ميديا لاين» إلى أن الهند بدأت برنامجها النووي في عام 1967 وأجرت اختبارًا على سلاحها النووي الأول في عام 1974، وهي الخطوات التي اعتبرتها باكستان حافزًا متزايدًا لتحذو جارتها، فأطلقت برنامجها النووي في عام 1972 في عهد رئيس البلاد آنذاك ذو الفقار علي بوتو والذي أصبح رئيسًا للوزراء بعد وقت وجيز.

Embed from Getty Images

وأظهرت باكستان والهند علانية قدراتهما النووية من خلال جولة من التجارب القائمة على المعاملة بالمثل في مايو (آيار) 1998، فيما لم تُوقع أي منهما على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

ووفقًا لتقرير نشره «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام»، وصدر في يونيو (حزيران)، تضاعف كل من باكستان والهند تدريجيًا من حجم وتنوع قواتهما النووية، إذ تمتلك باكستان 160 رأسًا حربيًا بينما الهند 150.

وتابع المراسل نقلًا عن تقرير «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام» الذي أشار إلى «أن باكستان ما زالت متمسكة برفضها للتوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، مشددة على أنها لن تفعل ذلك إلا بعد انضمام الهند إلى المعاهدة».

تلاشي مخاوف عدم أمان برنامج باكستان النووي

وينقل المراسل ما قاله المحلل الدفاعي والسياسي، حارس نواز، وهو لواء متقاعد ومقيم في مدينة روالبندي الباكستانية: «إن تقرير مبادرة التهديد النووي كان إيجابيًا جدًا ومشجعًا، ويؤكد موقف باكستان بأن أصولها النووية في أيد أمينة».

وأضاف نواز قائلًا: يعتمد نظام القيادة والسيطرة في باكستان على أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا، مع مستويات متنوعة من الترتيبات الأمنية وسلسلة سليمة من الإجراءات لضمان الحفاظ على السلامة.

وتابع قائلًا: «فجأة انتشر، خلال السنوات الماضية، تصور عام في جميع أنحاء العالم بأن الأسلحة النووية الباكستانية ليست آمنة، وربما تقع في أيدي الإرهابيين، إذا خطرت على بال أي شخص منهم هذه الفكرة، لكن هذا التقرير الصادر عن المنظمة الأمريكية ذات السمعة الطيبة بدد كل هذه المخاوف».

بينما أخبر العقيد المتقاعد محمد إعجاز ختاك، والمحلل الحالي في شؤون الدفاع ومقيم في مدينة روالبندي الباكستانية أيضًا وكالة ميديا لاين بأن «التفتيش والتحليل الذي تجريه منظمة أمريكية رائدة يعد حافزًا وخطوة إلى الأمام للاعتراف رسميًا بباكستان باعتبارها دولة نووية»

شائعات «سخيفة» حول أصول باكستان النووية

وأضاف قائلًا: ينبغي على إسلام آباد أن تفتح منشآتها النووية للمراقبين الدوليين حتى يُمكن للدولة أن تُصبح عضوًا معترفًا به في النادي النووي.

وتابع: «في العقود الماضية، استُهدفت باكستان من خصومها بذريعة أنها ستنقل التكنولوجيا النووية إلى الدول العربية الإسلامية لاستخدامها ضد إسرائيل، لكن بعدما أثبتت هذه الدعاية التي لا أساس لها فشلها لجأ خصومها لنشر شائعات بأن الأصول النووية الباكستانية ربما تستحوذ عليها العناصر المعادية للدولة».

Embed from Getty Images

لكن العقيد المتقاعد محمد إعجاز ختاك دلّل على سخف التفكير في هذا الاحتمال – على حد وصفه – بالقول «إن الأصول النووية الباكستانية ليست مستودع ذخيرة خُزنت في موقع واحد، لكنها مقسمة ومنتشرة في عدة مناطق مختلفة على شكل قطع وأجزاء تحظى بقدر كبير من الأمن والحماية من الناحيتين المادية والفنية».

ما هي القوة الحامية للأصول الباكستانية؟

وانتقل تقرير «ميديا لاين» إلى حديث محلل شؤون الدفاع، عادل فاروق رجا، عن الوكالة الباكستانية المسؤولة عن حماية مخزون البلاد من الأسلحة النووية والأصول التكتيكية والاستراتيجية.

ذكر رجا أن هذه الوكالة المسماة «قوة قسم الخطط الاستراتيجية» يقودها قائد عسكري برتبة فريق، وتضم ما لا يقل عن 25 ألف جندي مدربين تدريبًا جيدًا ومجهزين تمامًا لتحمل مسؤولية حماية أصول البلاد النووية والتكتيكية.

وأوضح فاروق رجا أن قسم الخطط الاستراتيجية أنُشئ في عام 2001، كما يقوم بأعمال الأمانة العامة لهيئة القيادة الوطنية، وهي الهيئة العليا لصنع القرار، التي يترأسها رئيس الوزراء الباكستاني الحالي.

 ويشرح رجا أن هيئة القيادة الوطنية تشرف على منظمات الأبحاث النووية وتطويرها بالإضافة إلى قيادة القوات الاستراتيجية بأفرعها الثلاثة (الجيش الميداني – القوات البحرية – القوات الجوية) المسؤولة عن أمن الأصول النووية ونشرها وصيانتها.

وأكمل فاروق رجا، المنسق السابق لحلف الناتو، مؤكدًا أن النظام بأكمله، بداية من البحث والتطوير في الأصول النووية وصولًا إلى نشرها، تتحكم فيه قيادة موحدة تستخدم آلية تحكم لا تتيح مجالًا للارتباك أو الخلل.

التشكيك في مصداقية نتائج تقرير «مؤشر الأمن النووي»

Embed from Getty Images

رغم ما سبق، لم تكن نتيجة باكستان في تقرير المؤشر الأمني الصادر عن مبادرة التهديد النووي مقبولة تمامًَا لمحلل واحد على الأقل، وهي إيرينا تسوكرمان، خبيرة الأمن القومي المقيمة بنيويورك، التي قالت لميديا ​​لاين: من المعقول جدًا أن تقوم الحكومة بتحسين صيانة الأسلحة النووية وتشديد الرقابة الداخلية عليها، ويمكن أن يكون هذا التحسن أفضل بالمقارنة مع غيرها من الدول، ومع ذلك، فإن هذه الترتيبات قد لا تعكس الواقع الكامل.

وشرحت وجهة نظرها بالقول «يعمل المراقبون الدوليون والهيئات الرقابية بناء على التقارير المتاحة للجميع، ما يعني أن هؤلاء المراقبين قد لا يتوفر لهم دائمًا (المعلومات الكاملة) الدقيقة أو المعلومات التي تتطابق مع تلك التي حصلت عليها الأجهزة الأمنية عبر تقارير استخبارية سرية».

واستدركت تقول في ختام التقرير: «حتى هذه الأجهزة الأمنية قد تكون لديها أجندات متعارضة، ووسائل متضاربة لقياس مثل هذه المحددات».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد