نشر موقع محطة «إن بي آر» (الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية) تقريرًا أعدَّته ميشيلان دوكليف تُسلِّط فيه الضوء على الدراسات الجديدة المنشورة في الآونة الأخيرة، والتي تشير إلى أن سوق المأكولات البحرية في مدينة ووهان الصينية هو مصدر جائحة كوفيد-19. 

هل كان المصدر بضعة كلاب من كلاب الراكون الحيَّة المحبوسة في قفص معدني، والمُكَدَّسة فوق أقفاص الدواجن؟ أم ربما ثعلب أحمر وحيد يقبع في زاوية قفص معدني؟ هل يمكن أن يكون أحد هذه الحيوانات البرية قد تسبب في جائحة كوفيد-19 أواخر عام 2019؟ بهذه التساؤلات استهلت الصحافية تقريرها الذي يُبرز هذه الاحتمالية الكبيرة، والتي تشير إلى أن سوق ووهان كان البؤرة التي انطلقت منها جائحة كورونا.

دليل جديد

وأوضحت الكاتبة أن فريقًا دوليًّا من العلماء نشر الأسبوع الماضي دراستين خضعتا لمراجعة الأقران في مجلة «ساينس»، وقدموا من خلالهما أقوى دليل حتى الآن على أن جائحة كوفيد-19 بدأت من حيوانات في سوق مدينة ووهان الصينية. وعلى وجه التحديد خلُص هذا الفريق الدولي من العلماء إلى أن فيروس كورونا انتقل على الأرجح من حيوان بري في قفص إلى الناس بسوق «هوانان» لبيع المأكولات البحرية بالجملة، ومن هنا بدأ التفشي الهائل لمرض كوفيد-19 في ديسمبر (كانون الأول) 2019.

Embed from Getty Images

ووصف العلماء الذين لم يشاركوا في الأوراق البحثية البيانات الجديدة بأنها «مقنعة للغاية» و«ضربة» لنظرية التسرب المعملي التي تشير إلى أن الفيروس خرج بطريقة ما من معهد ووهان لعلم الفيروسات الذي يُجري أبحاثًا حول الفيروسات التاجية. وفي رد فعل على الورقة يقول العلماء إن البيانات تُرجِّح كفة مصدر المرض نحو الحيوانات البرية التي تُباع في السوق.

ترجيح المصدر الحيواني للمرض

يقول عالم الفيروسات جيريمي كاميل، من جامعة ولاية لويزيانا هيلث شريفبورت، والذي لم يشارك في هذا البحث: إن «الدراسات لا تستبعد الفرضيات الأخرى تمامًا»، مستدركًا بقوله: «لكنها بالتأكيد تدفعها نحو أصل حيواني»، وفق ما تنقله الكاتبة. ولم يقدم أيٌّ من الورقتين دليلًا قاطعًا، وهو العثور على حيوان مصاب بفيروس سارس كوف-2 في السوق.

لكن الباحثين اقتربوا من العثور على الدليل القاطع؛ ذلك أنهم يقدمون أدلة فوتوغرافية للحيوانات البرية التي يمكن أن تصاب، ثم ينتقل منها فيروس سارس كوف-2، والتي كانت موجودة في السوق أواخر عام 2019، مثل كلاب الراكون والثعلب الأحمر. وعلاوةً على ذلك تظهر الصور الفوتوغرافية حيوانات محبوسة في كشك للبيع أو بالقرب منه، حيث وجد العلماء فيروس سارس كوف-2 على عدد من الأسطح، بما في ذلك الأقفاص، والعربات، والآلات ذات الصلة بالحيوانات بعد ذبحها في السوق.

وترسم البيانات الجديدة صورة مفصلة تفصيلًا مدهشًا للأيام الأولى للجائحة. وتحدد البيانات الفوتوغرافية والجينية كُشكًا بعينه في السوق، حيث من المحتمل أن يكون فيروس كورونا قد انتقل من حيوان إلى البشر. ويقدِّر تحليل جيني جديد الوقت الذي ظهرت فيه الحالات في غضون أسابيع، وهي ليست حالة واحدة، بل اثنتين. ويتوقع التحليل الجيني أن الفيروس التاجي انتقل إلى البشر مرةً أواخر نوفمبر أو أوائل ديسمبر، ثم مرةً أخرى بعد بضعة أسابيع.

مجتمع

منذ سنة واحدة
مترجم: «76 يومًا».. وثائقي يروي تفاصيل تفشي كورونا في ووهان

لذا نجد الآن ولأول مرة أن توقيت أول عدوى معروفة بفيروس كورونا يتزامن تقريبًا مع توقيت تفشي المرض في سوق المأكولات البحرية، والذي بدأ في أوائل ديسمبر، ومن المحتمل أن يكون مئات الأشخاص يعملون أو يتسوقون في ذلك السوق. وامتد هذا التفشي أيضًا إلى المجتمع الذي يعيش في محيط السوق، كما تُظهِر إحدى الدراسات الجديدة.

وفي الوقت نفسه وجد المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها متحورَيْن مختلفَيْن من فيروس كورونا داخل السوق. وتشير دراسة مستقلة، أشرفَ عليها علماء الفيروسات في جامعة كاليفورنيا بمدينة سان دييجو، إلى أن هذين المتحورَيْن لم يتطورا لدى البشر؛ لأنه طوال الجائحة بأكملها، لم يكتشف العلماء أبدًا متحورًا آخر يربط الاثنين معًا. وإجمالًا تشير الدراسات الجديدة إلى أن المتحورَيْن تطورا على الأرجح داخل الحيوانات.

ولفتت الكاتبة إلى أن عالم الأحياء التطورية مايكل ووروبي ساعد في الإشراف على دراستين حول الموضوع وكان في طليعة البحث عن أصول الجائحة. وأمضى ووروبي حياته المهنية في تتبُّع أصول الأوبئة، بما في ذلك أصل فيروس نقص المناعة البشرية وأنفلونزا عام 1918. وفي مايو (آيار) 2021 وقَّعَ ووروبي على خطاب يدعو إلى إجراء تحقيق في نظرية التسرب المعملي. ولكن بعد ذلك، ومن خلال تحقيقه الخاص، سرعان ما وجد بيانات تدعم أصلًا حيوانيًّا للجائحة.

وعندما نُشرت الدراسات لأول مرة على الإنترنت، تحدثت إن بي آر إلى ووروبي، الذي يعمل في جامعة أريزونا، لفهم دلالة البيانات عن مصدر فيروس سارس كوف-2، وتحديدًا حول كيف يعتقد أن البيانات قد تغير الجدل حول نظرية التسرب المعملي، وأهمية الصور التي التقطت قبل الجائحة بخمس سنوات.

الحيوانات الحية المعرضة لكوفيد-19 كانت موجودة في السوق في ديسمبر 2019

وفقًا لما ينقله التقرير عن ووروبي، يتضح أن هذه الحيوانات البرية الحية، بما في ذلك كلاب الراكون والثعالب الحمراء، كانت موجودة في السوق، مشيرًا إلى وجود أدلة فوتوغرافية من ديسمبر 2019 على ذلك.

ومن الواضح كذلك أن أحد العملاء المعنيين التقط هذه الصور ومقاطع الفيديو للسوق في 3 ديسمبر ونشرها على موقع ويبو الصيني (لأنه كان من غير القانوني بيع بعض الحيوانات الحية). وحُذفت الصور على الفور. لكن مراسل سي إن إن تواصل مباشرةً مع الشخص الذي التقط الصور، وأشار ووروبي إلى أنه تمكن من الاتصال بهذا المراسل الذي مرَّر له تلك الصور بعد أن حصل عليها من المصدر، ومن ثم لم يتمكن ووروبي من التحقق تمامًا من الصور؛ (لأنه لم يتواصل مع المصدر مباشرةً).

الصور التي نشرها أحد مستخدمي موقع التواصل الصيني ويبو

ضمَّن الباحثون الذين يحققون في أصول فيروس سارس كوف-2 هذه الصور في ورقة أكاديمية تحدد هذه الزاوية من السوق باعتبارها الأصل الأكثر احتمالًا للجائحة. ووروبي وهولمز وآخرون

عينات إيجابية للفيروس في أحد الأكشاك

وتطرق التقرير إلى الاحتفاظ بالحيوانات الحية المعرَّضة للإصابة في أحد الأكشاك الذي اكتُشف فيه فيروس سارس كوف-2 لاحقًا على جهاز يتعامل مع الحيوانات في السوق.

وتنقل الكاتبة عن ووروبي أنهم قاموا بتحليل تقرير مسرَّب من مركز السيطرة على الأمراض الصيني يوضح بالتفصيل نتائج هذه العينات البيئية. وتكاد جميع النتائج الواردة في التقرير تتطابق مع ما ورد في تقرير منظمة الصحة العالمية. ولكن كانت هناك بعض المعلومات الإضافية في التقرير المسرَّب. على سبيل المثال، كانت هناك معلومات ليس فقط عن أكشاك البيع التي تحتوي على فيروس – أو تحتوي على عينات إيجابية لسارس كوف-2، ولكن أيضًا عدد العينات في كشك بعينه التي أسفرت عن نتائج إيجابية.

وتابع ووروبي: اكتشفنا أن كشكًا واحدًا يحتوي بالفعل على خمس عينات إيجابية، خمسة أسطح في هذا الكشك كانت تحمل الفيروس. وإلى جانب ذلك، في هذا الكشك بالذات، كانت العينات حيوانية خالصة. وعلى سبيل المثال وجد العلماء فيروسًا على مزيل شعر/ريش، وعلى عربة من النوع الذي نراه في الصور التي تُستخدم لنقل الأقفاص، والأكثر من ذلك أنهم وجدوا أيضًا قفصًا معدنيًّا في غرفة خلفية.

صحة

منذ 4 شهور
مترجم: 6 اكتشافات جديدة قد تغير ما نعرفه عن الفيروسات

وأضاف ووروبي أننا نعلم الآن أنه عندما أغلقت السلطات الوطنية للصحة العامة السوق وأخذت عينات من الأسطح هناك، كان أحد الأسطح الإيجابية لـفيروس سارس كوف–2 عبارة عن قفص معدني في غرفة خلفية.

والأمر الأكثر غرابة، حسب ما يضيف ووروبي، اتضح أن أحد المؤلفين المشاركين في الدراسة، إيدي هولمز، قد اصطُحِب إلى سوق هوانان قبل عدة سنوات من الجائحة وعُرض أمامه كلاب الراكون في أحد الأكشاك. وقيل له: «هذا هو نوع المكان الذي يحتوي على مكونات انتقال مسببات الأمراض الخطرة العابرة للأنواع».

لذلك يركز على صور كلاب الراكون. وفي إحدى الصور، توجد كلاب الراكون في قفص مكدس فوق قفص به بعض الطيور. وأضاف ووروبي: «في نهاية عملنا الاستقصائي، فحصنا إحداثيات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) على كاميرته، ووجدنا أنه التقط الصورة في الكشك نفسه، حيث ثبتت إيجابية خمس عينات مصابة بفيروس سارس كوف-2. لذلك ربطنا جميع أنواع البيانات معًا، والتي تُشكل جميعها سردية قوية». 

ارتباط الحالات الأولى بالسوق

ويضيف التقرير أن أولى حالات الإصابة بكوفيد-19، حتى تلك التي لا ترتبط مباشرة بأفراد كانوا في السوق، خرجت من السوق.

ومع وجود فيروس، مثل سارس كوف-2، الذي لا يسبب أي أعراض أو يسبب أعراضًا خفيفة لدى معظم الناس، كانت الفرصة ضئيلة للغاية لربط جميع الحالات المبكرة بالموقع الذي بدأ منه تفشي المرض، ولأن الفيروس سينتشر سريعًا إلى الناس خارج المكان الذي بدأ فيه، وفقًا للتقرير.

Embed from Getty Images

ومع ذلك من الملاحظات السريرية في ووهان، كان حوالي نصف حالات كوفيد-19 المعروفة الأولى أشخاصًا مرتبطين مباشرةً بسوق المأكولات البحرية. والحالات الأخرى، غير المرتبطة بالبيانات الوبائية، لها ارتباط جغرافي أقرب بالسوق. وهذا ما تعرضه الورقة البحثية.

ولفت ووروبي إلى أن من السخف ألا ننظر إلى مدى قوة الارتباط الجغرافي للإصابات الأولى بالسوق، موضحًا: «لا أفهم كيف لم يتحرك أحد مدفوعًا بهذه البيانات، ويأخذ هذه الفكرة (مصدر الجائحة من أصل حيواني) على محمل الجد، خاصة بالنظر إلى الأشياء الأخرى التي وجدناها في هذه الدراسات».

الفيروس انتقل إلى الناس قبل تفشي المرض مباشرةً في السوق

ويضيف ووروبي: على سبيل المثال، يخبرنا تحليلنا الجيني الجديد أن هذا الفيروس لم يكن موجودًا لفترة طويلة عندما حدثت الحالات في السوق. فقد ظهرت الأعراض على أول مريض معروف في السوق في 10 ديسمبر 2019. ويمكننا تقدير أنه في ذلك الوقت كان هناك حوالي 10 أشخاص فقط مصابين بالفيروس في العالم وربما أقل من 70.

لذلك فإذا لم تبدأ الجائحة في السوق، وكان أحد أول خمسة أو 10 أشخاص مصابين في العالم في السوق. فكيف تفسِّر ذلك؟ ولفت ووروبي إلى ضرورة الوضع في الاعتبار أن ووهان مدينة يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة. وسوق هوانان هو واحد فقط من أربعة أماكن في ووهان تبيع الحيوانات الحية المعرَّضة للإصابة بفيروس سارس كوف-2، مثل كلاب الراكون.

ومن غير المرجح أن يحدث أول تفشي لكوفيد-19 في السوق إذا لم يكن هناك مصدر للفيروس هناك. ويتابع ووروبي: لنسترجع الماضي ونفكر «أين ستظهر المجموعة الأولى من عدوى تنفسية جديدة في هذه المدينة»؟ يمكن أن تظهر في السوق. ولكن يمكن أن تظهر أيضًا في مدرسة، أو جامعة، أو مصنع لتعليب اللحوم.

صحة

منذ 9 شهور
مترجم: متحور جديد يوقظ المخاوف.. متى يمكننا التخلص من كوفيد-19 نهائيًّا؟

وأضافت الكاتبة متسائلة: أو قاعة تكنولوجيا حيوية؟ ويجيب ووروبي: نعم. في ولاية واشنطن، ظهر سارس كوف-2 لأول مرة في دار لرعاية المسنين. وفي ألمانيا، أصاب الفيروس مورِّدًا لقطع غيار السيارات. هناك الآلاف، ربما 10 آلاف، من الأماكن الأخرى على الأقل يحتمل أن تكون، أو حتى على الأرجح، هي المكان الذي يظهر فيه مسبب لمرض جديد. ومع ذلك، في ووهان، تصادف أن المجموعة الأولى من الحالات هي واحدة من أربعة أماكن تبيع حيوانات حية، من بين 10 آلاف مكان آخر. 

وفي معرض الإجابة على سؤال الكاتبة بشأن احتمال حدوث تلك المصادفة، أن تكون المجموعة الأولى من الحالات من سوق يبيع حيوانات معروفة بأنها معرضة للإصابة بفيروس سارس كوف-2، لكن الفيروس لم يأتِ من السوق بالفعل، أوضح ووروبي أنه يضع الاحتمال عند واحد من 10 آلاف. ولدينا تحليل يظهر في الأساس أن فرصة وجود هذا النمط من الحالات (متجمعة حول السوق) هي واحد من كل 10 ملايين (إذا لم يكن السوق مصدرًا للفيروس). ونرى أن هذا دليلًا قويًّا في العِلم.

ويقول ووروبي: «تروي التحليلات التي أجريناها قصة قوية للغاية، وأن الدليل الذي نملكه هو من بين أفضل ما لدينا لأي فيروس ناشئ. ويؤكد ووروبي أنه من الأهمية بمكان ملاحظة أننا لم نعثر على فيروس ذي صلة من العائل الوسيط. لكن لدينا مجموعة من الأدلة الأخرى».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد