تناولت صحيفة «واشنطن بوست» تداعيات الكشف عن وثائق باندورا، وهو التحقيق الذي قام به الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) حول الثروات والمعاملات السرية للقادة والسياسيين والمشاهير، وإلى حد يمكن أن تصل التداعيات السياسية لهذه الوثائق التي ما زالت في بدايتها. وذلك في مقال كتبه إيشان ثارور، محرر الشؤون الخارجية وكاتب العمود في الصحيفة الأمريكية.

ويوضح الكاتب في مستهل مقاله أنه بعد مرور يوم واحد من نشر مشروع باندورا (Pandora Project)، لا تزال التداعيات تشق طريقها في جميع أنحاء العالم. وكشفت صحيفة «واشنطن بوست» وغيرها من المؤسسات الإخبارية عن تورط قادة سياسيين ورد ذكر أسمائهم في هذه الوثائق، التي تطرقت إلى تطور الصناعة داخل الولايات المتحدة وأظهرت كيف أن السرية تحمي الأصول من الحكومات والدائنين وأولئك الذين يتعرضون لسوء المعاملة أو الاستغلال من جانب الأثرياء والأقوياء.

دولي

منذ 5 شهور
«جاكوبين»: الخروج من لوبيات واشنطن.. كيف تعيد السعودية تسويق نظامها الاستبدادي؟

وجرى استخلاص النتائج من مخزون من المعلومات السرية، وهي الأكبر من نوعها، والتي حصل عليها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ)، الذي نظم التحقيق بمشاركة 600 صحافي حول العالم.

ملك الأردن يشتري سرًّا عقارات في أمريكا

وأضاف الكاتب أنه يوم الأحد، أوضح زملائي كيف أنفق الملك عبد الله الثاني ملك الأردن أكثر من 100 مليون دولار سرًّا، على شراء منازل فاخرة في أجزاء مختلفة من الولايات المتحدة. كما كشفوا عن منزل يقع على الواجهة البحرية في موناكو حصلت عليه امرأة روسية اكتسبت ثروة كبيرة بعد أن ورد أنها أنجبت طفلًا من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين.

والسجلات المالية الأخرى المرتبطة بأكثر من 300 سياسي حالي وسابق ومسؤول حكومي من حوالي 91 دولة ومنطقة، هي جزء من تحقيق الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين. وفي أعقاب بروز ذلك، أعلنت السلطات في أستراليا والبرازيل وجمهورية التشيك والمكسيك وباكستان وبنما وإسبانيا وسريلانكا عن تحقيقات حول الحقائق الجديدة التي تكشفت.

Embed from Getty Images

ومن بين النخب السياسية المتورطة في الوثائق زعماء صعدوا إلى السلطة متعهدين بالحد من الفساد وتعزيز الشفافية في بلدانهم، لكن يبدو أنهم أخفوا الأموال والأصول من خلال شركات وهمية وملاذات ضريبية خارجية. وأشار الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين في مقدمة الحقائق التي توصل إليها إلى أن «عديدًا من اللاعبين الأقوياء الذين يمكن أن يساعدوا في وضع حد للنظام المالي الخارجي يستفيدون منه بدلًا من ذلك – حيث يخفون الأصول في شركات سرية وصنادِيق استئمانية بينما لا تفعل حكوماتهم الكثير لإبطاء التدفق العالمي للأموال غير المشروعة التي تثري المجرمين وتُفقِر الدول».

أندريه بابيس في عين العاصفة

وأشار الكاتب إلى أن بعض الشخصيات تواجه الآن عاصفة سياسية. وممن واجهوا الموقف الصعب على الفور رئيس الوزراء التشيكي، أندريه بابيس، الذي كشفت الوثائق عن أنه اشترى في عام 2009 قصرًا قيمته 22 مليون دولار بالقرب من مدينة كان الفرنسية عن طريق شركات وهمية، ويحتوي هذا القصر على سينما ومسبحين. ونفى بابيس ارتكاب أي مخالفات، وقال إن الأموال أُرسلِت من بنك تشيكي وفُرِضت عليها ضرائب مناسبة في ذلك الوقت.

لكن بينما يتنافس بابيس من أجل إعادة انتخابه هذا الأسبوع، تُعد آفاق المستقبل مروعة. وقد استغلت أحزاب المعارضة ما جرى الكشف عنه على أنه دليل على نفاق الزعيم الشعبوي وفساده. وقال ميلوس برونكليك، المحلل السياسي في جامعة تشارلز بجمهورية التشيك، لزملائي: «إنها مشكلة كبيرة لبابيس. وعلى أي حال، فقد صوَّر نفسه مرارًا وتكرارًا على أنه مقاتل ضد الأعمال التجارية الخارجية التي لا تتسم بالشفافية».

وقال إيفان بارتوس، رئيس حزب القراصنة، في التلفزيون التشيكي ليلة الأحد، إن: «هذه مؤشرات على وجود فساد ينخر حتى النخاع في عظام البلاد». ووصف رئيس الحزب المدني الديمقراطي اليميني، بيتر فيالا، الأمر بأنه «فضيحة دولية عملاقة» و«مشكلة هائلة سيتعين على رئيس الوزراء تفسيرها».

ومن جانبه، انتقد بابيس الأخبار، واصفًا ظهورها على أنها من عمل «المافيا» التشيكية وهاجم «الجارديان» – الصحيفة البريطانية، التي بحثت في الوثائق إلى جانب «واشنطن بوست» وعشرات من المنافذ الإخبارية الأخرى، على أنها مؤسسة ذات أجندة «يسارية وماركسية جديدة ومؤيدة للهجرة» وعازمة على تقويض حكمه القومي.

Embed from Getty Images

ويشير الكاتب إلى أن عديدًا من القادة الآخرين من مختلف الانتماءات السياسية والجغرافية يجدون أنفسهم في وضع مماثل. وأعلن الرئيس الكيني أوهورو كينياتا منذ وقت ليس ببعيد أن «مركزية الشفافية والمساءلة والحكم الرشيد هي ركائز التنمية المستدامة» في محاولته لدحر الفساد في البلاد. ولكن وفقًا الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، فقد قام هو وعائلته «على مدار عقود بإخفاء الثروة عن الرقابة العامة من خلال مؤسسات وشركات في الملاذات الضريبية، من بينها بنما، حيث تبلغ أصول تلك المؤسسات والشركات أكثر من 30 مليون دولار».

الدول النامية هي الأكثر تضررًا

ورجَّح الكاتب أنه من الممكن أن تؤدي مثل هذه الممارسات إلى وقوع ضرر أكبر في البلدان النامية. وقال أميتاب بيهار، الرئيس التنفيذي لمنظمة أوكسفام الهند، لصحيفة إيكونوميك تايمز اليومية الهندية، إن: «الملاذات الضريبية تكلف الحكومات في جميع أنحاء العالم 427 مليار دولار كل عام». وأضاف: «والبلدان النامية هي الأكثر تضررًا، ويحدث ذلك على نحو متناسب. وتتفوق الشركات والأفراد الأكثر ثراءً الذين يستخدمون الملاذات الضريبية على أولئك الذين لا يستخدمونها. كما تساعد الملاذات الضريبية على ازدهار الجريمة والفساد».

وأطلق رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، حركة كاملة تحرِّكها مظالم شعبوية واسعة النطاق ضد الكسب غير المشروع المستشري الذي عزَّز النخب السياسية شبه الإقطاعية لمدة طويلة في البلاد. والآن، كشفت التسريبات عن تعاملات الوزراء البارزين في حكومته، والمتبرعين لحزبه السياسي وأفراد عائلات عديدة من الشخصيات الرفيعة المستوى من كبار الضباط العسكريين، الذين يرتبط بهم خان ارتباطًا وثيقًا. وتعهد رئيس الوزراء باتخاذ الإجراءات اللازمة، لكنه حثَّ المجتمع الدولي أيضًا على معالجة التهرب الضريبي العالمي بالحماسة نفسها مثل تغيُّر المناخ.

وقد تكون هذه استعارة محرجة، بالنظر إلى التعقيد والتداعي العام للجهود الدولية حول العمل المناخي. وتضغط إدارة بايدن من أجل نظام عالمي أكثر صرامة بفرض ضرائب على الشركات، بينما شجب الرئيس بايدن وعديد من السياسيين الأمريكيين الآخرين رجال الأعمال الأثرياء الذين يوجِّهون الأموال إلى الملاذات الضريبية الخارجية. ولكن الوثائق الجديدة تظهر إلى أي مدى تظل الدول، ومنها الولايات المتحدة وبريطانيا، وُجْهَات بارزة لمليارات الدولارات من الأموال الأجنبية المخفية.

ميقاتي يصدر بيانًا حول ثرواته وشركاته

وأفاد الكاتب أنه في غضون ذلك، يصر السياسيون المتورطون في وثائق باندورا، في بعض الحالات، على أنهم لم يرتكبوا أي خطأ. خذ على سبيل المثال حالة رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، وهو رجل الأعمال الثري الذي تحول إلى زعيم دولة فاشلة. وكما أفاد زملائي، كشفت الحقائق الجديدة عن أن شركة مقرها موناكو يملكها ميقاتي ساعدت في تسهيل عمليات هيسفيل إنفستمنت (Hessville Investment)، وهي شركة خارجية في بنما يملكها ميقاتي أيضًا.

Embed from Getty Images

وفي عام 2008، وجدت وثائق باندورا أن هيسفيل إنفستمنت اشترت عقارات في موناكو بأكثر من 10 ملايين دولار. وقال ميقاتي، في بيان نُشِر أيضًا على الجزيرة، إن الشركة وجميع الشركات التابعة لها أيدت الفصل بين ما هو عام وما هو خاص، واستشارت المدققين بانتظام، وأن أصول ميقاتي جرى الكشف عنها للمجلس الدستوري اللبناني.

واختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى بيان ميقاتي، الذي قال فيه: «للأسف، انجرف المنطق الكامن وراء (الوثائق) نحو تحويل معظم، إن لم يكن كل، أولئك المذكورين إلى أفراد و/أو شركات (مشبوهة)، لمجرد إدراجهم في القائمة» وأضاف البيان: «إنه منطق يتعارض مع ممارسات الأعمال في السوق الحرة والحوكمة الرشيدة، في الاقتصادات الليبرالية، وهي المبادئ التي تدافع عنها عائلة ميقاتي».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد