نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تحليلًا لآدم تايلور، الصحافي المتخصص في الشؤون الخارجية، سلَّط فيه الضوء على فضائح إقامة الحفلات في فترة الإغلاق التي تُحاصر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون؛ حتى إن الشعب البريطاني أصبح على يقين بأن سيرحل عن السلطة، لكنهم لا يعلمون متى ذلك. 

استهل الكاتب تحليله بالإشارة إلى أن بوريس جونسون قال ذات مرة عندما كان طفلًا إنه يُريد أن يصبح ملك العالم، وبطبيعة الحال هذا الكلام لا يبدو منطقيًّا، لذلك كان عليه أن يقبل بتولي منصب رئيس الوزراء البريطاني، وإذا آتت «فضائحه» المستمرة ثمارها، كما يعتقد عديد من منتقديه حاليًا، فلن يظل جونسون في منصبه هذا مدى الحياة، بل لن تطول مدة بقائه فيه أكثر من ثلاث سنوات فحسب.

استقالة حتمية!

يقول الكاتب إن جونسون واجه هذا الأسبوع في البرلمان البريطاني أحد أصعب الاستجوابات حتى الآن ضمن نظام مساءلة رئيس الوزراء، إذ اضطُّر إلى تقديم الاعتذار عن تصرفاته الأخيرة، وحاول تفسير الانتقادات الموجَّهة إليه، وبحسب التقرير الذي نشرته «واشنطن بوست» لمدير مكتبها في العاصمة البريطانية لندن ويليام بوث، ومراسلتها كارلا آدم، اعتذر جونسون «وسط صيحات استهجان من المعارضة واصفين إياه بالكاذب وطالبوه بالاستقالة»، وباغته كير ستارمر، المنافس الرئيس لجونسون وزعيم حزب العمال، بالسؤال: «هل سيتصرف بطريقة محترمة في النهاية ويستقيل؟».

والأمر الذي يُثير قلق رئيس الوزراء البريطاني هذه المرة هو أن الدعوات المطالِبة باستقالته لا تصدر من خصومه فحسب؛ إذ أعلن بعض النواب المشرِّعين من حزب المحافظين صراحة عن اشمئزازهم من تصرفاته، بينما أعرب دوجلاس روس، زعيم حزب المحافظين الأسكتلندي، يوم الأربعاء أنه قد حان وقت استقالة جونسون من منصبه، وفي المقابلة التي أجرتها معه محطات الإذاعة البريطانية، قال روس: «لا أريد أن أتولى هذا المنصب، لكنني لا أعتقد من موقعي هذا أنه بمقدوره الاستمرار بصفته زعيمًا للمحافظين».

دولي

منذ سنة واحدة
مترجم: تحقيق يتتبع أموال التبرعات المشبوهة التي أعادت جونسون إلى حكم بريطانيا 

ويُوضح الكاتب أنه بطبيعة الحال، لا يمكن الجزم بانتهاء أيام جونسون في 10 داوننج ستريت (مقر الإقامة الرسمية لرئيس وزراء بريطانيا ومكتبه)، وفي السابق، كان يُعرف جونسون جيدًا بحياته الخاصة النابضة بالحيوية وظهوره في البرامج الحوارية التي ينتقد فيها نفسه، وتعرض طوال حياته السياسية باستمرار إلى التقليل من شأنه، وكان جونسون قد شق طريقه إلى الحياة السياسة من مجرد صحافي مخالف للقوانين إلى أن أصبح رئيس بلدية مدينة لندن الليبرالية على الرغم من انتمائه للمحافظين، وانتهى به المطاف ليصبح رئيس وزراء مؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست) بعدما حقق فوزًا تاريخيًّا ساحقًا في انتخابات ديسمبر (كانون الأول) 2019. 

وتعليقًا على عنوان المقالة التي نشرتها مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية قبل نصف عام فحسب والذي جاء على النحو: «بوريس جونسون يُدرك تمامًا ما يفعله»، يقول الكاتب إن الوضع الحالي يطرح سؤالًا مفاده: هل هو كذلك بالفعل؟ وخلال الأشهر الأخيرة من عام 2021، وبعد كفاحه لإنقاذ بريطانيا من جائحة كوفيد-19 التي أودت بحياة الآلاف، وجد جونسون نفسه غارقًا في فضائح متكررة، وكان أوين باترسون، زميل جونسون في حزب المحافظين، قد أُجبر على الاستقالة بسبب «مزاعم فساد»، بشأن جمع تبرعات من المانحين لتمويل تجديد مقر رئيس الوزراء الرسمي، واتهامات تفيد استغلاله الدعم الحكومي لإخراج حوالي 200 كلب وقطة من أفغانستان على متن الطائرات البريطانية.

إقامة الحفلات في داوننج ستريت بالرغم من الجائحة

ومع ذلك، يبدو أن المشكلة الأكبر تكمن في الحفلات التي يُقيمها جونسون في مقر إقامته، وهو أمر مثير للسخرية في حق زعيم معروف عنه أنه يتمتع بكل لحظة في الحياة، وفي هذا الأسبوع، كشفت رسالة بريد إلكتروني مُسرَّبة معلومات عن حضور جونسون حفل استضافه في مقر الحكومة البريطانية (10 داوننج ستريت) خلال فترة الحجر الصحي في يوم 20 مايو (آيار) 2020، وكانت هذه هي المرة الثالثة على أقل تقدير، على الرغم من أن بعض وسائل الإعلام تُشير إلى أن عدد الحفلات يتجاوز ذلك، وأوردت التقارير أن الحكومة البريطانية انتهكت قواعدها الصارمة الخاصة بالتباعد الاجتماعي.

Embed from Getty Images

ويلفت الكاتب إلى أنه نظرًا لأن كثيرين من الشعب البريطاني عانى معاناةً كبيرة بسبب الجائحة، أصبحت الأحزاب الحكومية ف يمرمى النيران بتوجيه الغضب نحوها، وبالتزامن مع حفل 20 مايو (أيار)، لم يُسمح للبريطانيين إلا بمقابلة شخص واحد من خارج منزلهم، بل وينبغي عليهم أن تكون المقابلة في مكان عام مع الالتزام بالقيود المفروضة.

وفي اليوم نفسه الذي حضر فيه جونسون حفل الحديقة، مُنع آخرون من لقاء أحبائهم وذويهم، وكان هذا الأمر مأساويًّا على بعض الناس بسبب الأوقات الضائعة، وفي ذلك المساء نفسه، وبحسب ما يقول معد التقرير فقد قالت له، هذا الأسبوع، في مقابلة دامعة زميلته جنيفر حسن، إن المواطنة البريطانية دونا سبيد وجدت والدتها ميتة وحيدة في منزلها، وقالت دونا لـ«واشنطن بوست»: «لم ترد والدتي على مكالماتنا؛ كنتُ أتوقع أن تكون نائمة».

وفي الشهر الماضي، تجاهل جونسون اللوم الموجه إليه بشأن الحفلات التي حضرها أثناء تفشي الجائحة، مع استقالة أحد مستشاريه بسبب مزاحه بشأن حفلة عيد الميلاد (الكريسماس) التي أُقيمت في 10 داوننج ستريت، ولا يزال جونسون يتملص ويراوغ، إذ قال أمام البرلمان يوم الأربعاء أنه لم يحضر سوى «25 دقيقة» من حفل الحديقة في 20 مايو لتقديم الشكر للموظفين، قائلًا: «اعتقدتُ ضمنيًّا أنه كان حفلة عمل».

حتى مؤيديك انتقدوك يا جونسون!

يؤكد الكاتب أن كثيرين من الشعب البريطاني وعددًا من النواب المحافظين أصدروا حكمهم بشأن جونسون وهو أنه لا ينبغي له الاستمرار في منصبه، فقد واجه جونسون بالأساس انتقاداتٍ لاذعة من بعض مؤيديه الأكثر حماسًا في الإعلام البريطاني ذي النزعة اليمينية، بل وزادت صحيفة التليجراف البريطانية من حدة انتقاداتها له، وهي الصحيفة التي لم تكن تدعم جونسون منذ مدة طويلة فحسب؛ بل إنها كانت تتحدث أيضًا باسم كثير من الجمهور الذي يستهدفه.

وفي الوقت الراهن، يُواجه جونسون نيران وانتقادات جميع الجهات، فيما تبحث سو جراي، موظفة حكومية بريطانية، وتستقصي حقيقة الحفلات التي أقيمت في 10 داوننج ستريت. وإذا ثبُت كذب جونسون أمام البرلمان بشأن خرق القواعد الصحية، فقد يكون ذلك خرقًا للقانون الوزاري البريطاني، وتكون جريمة تستحق الإقالة، وبعد الضغوط التي مارسها ستارمر يوم الأربعاء بشأن إمكانية استقالة جونسون إذا تبين أنه انتهك القانون، قال جونسون إنه: «سيرد بالتأكيد إذا اقتضى الأمر ذلك».

Embed from Getty Images

وحتى إن نجا جونسون من ذلك، فمن المقرر أن تجري بريطانيا انتخابات محلية في مايو القادم، وعلى الرغم من أن شخصية جونسون الكاريزمية ساعدته كثيرًا للنجاة من الفضائح السابقة لتحقيق انتصارات انتخابية، تعرض حزب المحافظين في ديسمبر الماضي لهزيمة خسر فيها أحد معاقله في انتخابات تشريعية مهمة، وتُظهِر استطلاعات الرأي الوطنية أن الثقة في جونسون تراجعت تراجعًا كبيرًا منذ الصيف الماضي وتتزايد شعبية حزب العمال متقدمًا بعدة نقاط على حزب المحافظين في استقصاءات نوايا التصويت.

ويستشهد الكاتب بتغريدة مجتبى رحمن، العضو المنتدب لمجموعة «أوراسيا لاستشارات المخاطر» في أوروبا والمراقب بحرص للسياسات البريطانية، على «تويتر» والتي قال فيها إنه يشك في إمكانية استبعاد جونسون بعد تلك الانتخابات، مضيفًا «جونسون يتعرض لضربة قاضية، ولكن من الأفضل له أن يتغلب على المشكلات الاقتصادية ويفوز بنتائج الانتخابات المحلية». ووفقًا لاستطلاع أجرته شركة يوجوف (شركة دولية على الإنترنت متخصصة في أبحاث الأسواق ومقرها المملكة المتحدة)، يرى حوالي نصف أعضاء حزب المحافظين أن ريشي سوناك، مستشار الخزانة، سيكون قائدًا للحزب أفضل من جونسون وهي نقطة أساسية للمضي قدمًا في الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في 2024.

ويختم الكاتب تحليله بالقول إن كل ما سبق منطقي بالتأكيد؛ لكن حتى الآن، نجد أنه قليلًا ما اتسمت مسيرة جونسون السياسية بالالتزام والتعقل؛ بيد أنه على الرغم من ذلك، فقد يكون من السابق لأوانه الآن اعتباره في تعداد المستقيلين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد