عندما تخرج الأفكار من الدوائر الأكاديمية إلى العالم، يمكن أن تكون خطيرة على نحوٍ مذهلٍ.

كتب بول موسجريف، أستاذ مساعد في العلوم السياسية بجامعة «ماساتشوستس» في مدينة أمهيرست، مقالًا نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية عن النظريات والمفاهيم السياسية وتطوراتها في الدوائر الأكاديمية حتى خروجها إلى عالم السياسية الواقعي وما يحدث لها من تحريفٍ أو تشويهٍ لتتناسب مع بعض السياسات التي تتبعها الدول.

يستهل الكاتب مقاله بالقول إن فكرة التسرب في المختبر انتشرت انتشارًا كبيرًا. وبصفتي عالمًا سياسيًّا، لا يمكنني تقييم: هل تشير الدلائل إلى أن كوفيد-19 ظهر على نحوٍ طبيعيٍّ أم بسبب إجراءات مختبرية. ولكني أعتقد أن تخصصي يمكن أن يتعلم شيئًا من التفكير بجدية في «التسريبات المعملية» في مجالنا والأضرار الناجمة عنها.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
«نيويوركر»: بين اليمين المتطرف والصهيونية.. التاريخ السياسي الكامل لنفتالي بينيت

قد يبدو تسريب معمل العلوم السياسية أمرًا مستغربًا. ومع ذلك، فإن الفكرة القائلة إن الأفكار والنتائج العلمية يمكن أن تتفلَّت من بين أيدي العالم الحذِر إلى ندوة أكاديمية وتتحول إلى أشكال جديدة، تصل إلى حد التهديدات، وتغدو وكأنها استعارة مُقْنِعة إذا كنت تعتقد أن الأكاديميين صائغون محترفون لأفكار تهدف إلى البقاء في بيئة معادية. وبالنظر إلى محور العلوم السياسية، من الحرب النووية إلى الاقتصاد الدولي إلى الديمقراطية والإبادة الجماعية، يمكن أن يؤدي هروب فكرة خطأ إلى عواقب وخيمة.

توفر المواقع الأكاديمية بيئةً مليئةً بالتحديات التطورية تتكيف فيها الأفكار من أجل البقاء. ولكي تنجح الأفكار وتستمر بعد مراجعة الأقران، يجب أن تكون الفكرة محظوظة للغاية أو مصممة بعناية لتجنُّب الأجسام المضادة في الأوساط الأكاديمية.

ويوضح الكاتب أن مراكز الفكر والمجلات تعمل بوصفها أسواقًا للمواد الغذائية الطازجة؛ حيث تُقدَّم الأفكار الغريبة إلى جماهير جديدة وسريعة التأثُّر. وعلى الرغم من أن بعض المؤلفين ينعون الانحدار المزعوم لتأثير العلوم الاجتماعية، فإن انتشار الأفكار الأكاديمية السابقة مثل تقاطع أشكال التمييز واستخدام العلوم الاجتماعية الكمية لإعادة تشكيل الانتخابات يشير إلى أن الأفكار لا تنتقل من الأكاديمية فحسب، بل يمكن أن تزدهر بمجرد غرسها.

صدام الحضارات؟

تُعد فرضية «صدام الحضارات» مرشحًا جيدًا لواحدة من أكثر التسريبات المعملية تشويشًا في تاريخ العلوم السياسية. وعندما أصدر باحث جامعة «هارفارد» صمويل هنتنجتون مقالته «صدام الحضارات؟» في مجلة «فورين أفيرز» عام 1993، نشر فرضية جريئة وبسيطة عن مسار عالم ما بعد الحرب الباردة: «الانقسامات الكبرى بين البشرية والمصدر المهيمن على الصراع سيكون ثقافيًّا… صراع الحضارات سيسيطر على السياسة العالمية. وخطوط الصدع بين الحضارات ستمثل خطوط معركةِ المستقبل».

Embed from Getty Images

لم تكن أطروحة هنتنجتون تخمينًا قائمًا على دراسة تجريبية دقيقة؛ بل تكهنات تتطلع إلى الأمام بناءً على بعض الأمثلة الانتقائية المعاصرة. لكن هنتنجتون لا يمكن دحض فكرته بمجرد الحقائق، فقد كانت فكرته مهيأةً لتزدهر في البرية؛ الخالية من حدود الواقع التجريبي.

وغالبًا ما بدت الحقائق ثانوية فيما يتعلق بمشروع هنتنجتون السياسي الأكبر. وفي كتابه الذي صدر بعد ذلك لمتابعة الموضوع، أوضح حجته من خلال رسم ما عَدَّه سيناريو معقولًا: صراع صيني أمريكي على فيتنام يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة تنتهي بتدمير أوروبا والولايات المتحدة بينما تحاول الهند «إعادة تشكيل العالم وفقًا للخطوط الهندوسية».

عززت هذه الكتابة سمعة هنتنجتون، خاصةً بعد أن جعلت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية ادعاءه بأن «الإسلام له حدود دموية» يبدو مقبولًا للجماهير. وفي أواخر عام 2011، أشاد ديفيد بروكس، كاتب العمود في صحيفة «نيويورك تايمز»، بهنتنجتون بوصفه «أحد أعظم علماء السياسة في أمريكا»؛ على الرغم من أن هذا العمود حكم في نهاية المطاف على هنتنجتون بأنه أخطأ في فرضية «الصدام».

إدارة المنافسة من خلال نظرية اللعبة

المنافس الآخر هو فكرة إدارة المنافسة بين القوى العظمى من خلال نظرية الألعاب. وخلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، سعى علماء السياسة ونظراؤهم في الاقتصاد وعلوم أخرى إلى فهم الحرب الباردة باستخدام أدوات جديدة في ذلك الوقت لنظرية الألعاب من أجل وضع نماذج للعلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وفي أشكالها الأولى، اختُزِلت هذه المحاولات والمفاوضات والمواجهات بين الجانبين في مصفوفات بسيطة من النتائج والإستراتيجيات.

وكان الإغراء واضحًا. ضع بعض الافتراضات المبسَّطة بشأن ما يريده اللاعبون في هذه الألعاب، وحدد الإستراتيجيات التي يمكنهم استخدامها لتحقيقها، وافترض أن اللاعبين يعرفون ما يعرفه اللاعبون الآخرون، واحسب أنهم سيختارون إستراتيجيتهم بناءً على الاختيار الذي سيتخذه اللاعب الآخر لتحقيق أقصى قدرٍ من رفاهيتهم.

ويرى الباحث أن هذه الافتراضات البسيطة تؤدي أداءً جيدًا ضمن حدودها النظرية. وفي كل فصل دراسي، يستخدم المحاكاة الشخصية لهذه الألعاب الأساسية مع طلابه لإظهار أن تغيير قواعد اللعبة يمكن أن يؤثر على استعداد اللاعبين للتعاون.

استخدام المحاكاة الشخصية

غير أنه من الخطأ القفز من هذه النتائج العامة والمجمَّعة إلى الاعتقاد أن مثل هذه الأفكار البسيطة يمكن أن توجِّه سلوك الدول المعقَّد دون قدر مدهش من التحسين الإضافي. وفي العلاقات الدولية، فالإستراتيجيات المحددة التي يمكن توظيفها كثيرة، ومخاطر كل منافسة غير معروفة، واللاعبون لديهم حوافز لإخفاء ما يعرفونه عن الآخرين.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، كان الاتجاه العام لطائفة مؤثرة بعينها في العلوم الاجتماعية هو تبنِّي فكرة أن نظرية الألعاب يمكن أن توفر، ليس فقط نظرةً ثاقبة للسمات العامة للشؤون العالمية، ولكن توصيات محددة للسياسة الخارجية توجه الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة. وفي الكتب المؤثرة مثل «إستراتيجية الصراع والأسلحة والتأثير»، استخدم مُنظِّر الألعاب توماس شيلينج تلك الأدوات لجعل الحرب الباردة تبدو سهلة الإدارة.

ويمضي الكاتب إلى أن كل هذا يمكن أن يكون غير ضار إذا بقيت هذه الأفكار داخل المختبر. لكن سرعان ما قفزت هذه المناهج من حدود مؤسسة «هارفارد» وشركة «راند» إلى البيت الأبيض ومجتمع السياسة. وكانت إدارة كينيدي ساحةَ لعبٍ للدراسة المفرطة، وأصبح البنتاجون تحت قيادة وزير الدفاع روبرت ماكنمارا ناقل عدوى فائقًا للأفكار العقلانية. واعتمد الرئيس جون كينيدي وموظفوه اعتمادًا كبيرًا على نصيحة شيلينج.

إن النظريات تكون سليمة بقدر سلامة افتراضاتها. ولم تكن الحرب الباردة أبدًا مستقرةً أو بسيطةً كما أعلن شيلينج. وبعيدًا عن عالم المعرفة الكاملة والمخاطر المحسوبة جيدًا التي تصورها شيلينج، كثرت الأخطاء والمفاهيم الخطأ، ليس أقلها أثناء أزمة الصواريخ الكوبية، والتي كانت أكثر خطورة مما كانت تبدو في ذلك الوقت.

أزمة الشرق الأوسط 1973

كان قادة القوى العظمى ضعفاء وغير معصومين، وليسوا مديري مخاطر خارقين. وخلال المواجهة السوفيتية الأمريكية بشأن الشرق الأوسط في عام 1973، وفقًا للمؤرخ سيرجي رادشينكو، كان الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف مشوشًا بسبب إدمانه على الحبوب المنومة. وتطلَّب تجنُّب حرب نووية من مرؤوسيه التعامل مع الأزمة؛ حتى كما فعل نظراؤهم في واشنطن الشيء نفسه مع ريتشارد نيكسون، الذي كان هو نفسه مخمورًا خلال الأزمة نفسها.

كما وثقت مجموعة من المؤرخين في كتاب «كيف فقد العقل تقريبًا عقله»، أدَّت هيمنة النظريات العقلانية خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي إلى إفقار النصيحة المتاحة لواضعي السياسات. وأدَّت هيمنة مثل هذه النظريات أيضًا إلى ضلال المجال؛ إذ أدَّى ذلك إلى تزاحم البدائل والهبوط إلى ألعاب صالة أكاديمية ملتبسة بدلًا من تقليد بحثي أكثر نشاطًا وتنوعًا.

لكن المشكلة الأكبر تمثلت في أن الاعتماد على مثل هذه النظريات بوصفها موجِّهًا لفهم المواجهة في العصر النووي كان يعني الاعتماد على خريطة خطأ أثناء الإبحار في مياه غادرة. وتمثل هاتان الفكرتان مفاهيمَ خطيرةً وبهما وصفات خطأ؛ وصلت مع ذلك إلى جماهير هائلة وذات صلة بالسياسة. وعلى الرغم من أن هنتنجتون كان عالِمًا سياسيًّا، فإنه أنكر صراحةً أن نظريته «الصدام» يجب أن تعامل بوصفها علمًا اجتماعيًّا.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أن مناهج نظرية الألعاب كان لها تأثير كبير في دراسة العلاقات الدولية والسياسة الخارجية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، إلا أنها كانت حركة متعددة التخصصات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد أكثر من ارتباطها بالعلوم السياسية.

السلام الديمقراطي

ربما كان أخطر تسرب مختبري من العلوم السياسية هو فكرة السلام الديمقراطي الذي أُعلن منذ عقود أنه أقرب شيء إلى قانون تجريبي في العلاقات الدولية، وترى نظرية السلام الديمقراطي أن الديمقراطيات أقل احتمالية لخوض حرب مع بعضها بعضًا.

ويدور نقاش طويل في العلوم السياسية عن سبب استمرار هذا الارتباط. وهناك أسئلة تُطرح بشأن: هل كانت أسباب السلام تنبع من حوافز الديمقراطية للقادة أو الأسس المعيارية العميقة لليبرالية؟ وهل السبب الحقيقي هو الرأسمالية وآفاق التجارة بدلاً من ذلك؟ وهل كان علماء السياسة قد طبخوا الكتب من خلال إعادة تعريف خصوم الولايات المتحدة على أنهم غير ديمقراطيين حتى عندما يكون لديهم حكومات تمثيلية؟ وكيف تؤكد الطرق والقياسات القصة أو تعقدها؟

يتساقط ​​جزء كبير من هذه الفروق الدقيقة عندما ندرِّس هذه المادة لطلبة الدورات التمهيدية. ومن المثير للدهشة، وكما يجادل الباحث الإسرائيلي بيكي إيش شالوم في «السلام الديمقراطي: سيرة ذاتية سياسية»، أن المزيد من الفروق الدقيقة تتلاشى عندما تصل الفكرة إلى صانعي السياسة.

يوضح إيش شالوم أن السلام الديمقراطي أصبح راسخًا في أذهان صانعي السياسة الأمريكيين بحلول عام 1992، عندما استخدمه بيل كلينتون بوصفه جزءًا من محاولة لجذب المحافظين الجدد في انتخابات ذلك العام، واستغله وزير الخارجية الجمهوري جيمس بيكر بوصفه عقيدةً لدعم السياسة الخارجية لما بعد الحرب الباردة.

الديمقراطيات لا تهاجم بعضها بعضًا

في خطابه عن حالة الاتحاد عام 1994، أعلن كلينتون أن «الديمقراطيات لا تهاجم بعضها بعضًا». وبحلول عام 1997، استخدم صانعو السياسة البريطانيون والإسرائيليون مفهوم السلام الديمقراطي بوصفه طريقةً لتبرير توسع الناتو وإنكار حق مصر في انتقاد الأسلحة النووية الإسرائيلية.

وفي شكلٍ جديدٍ أكثر قابلية للانتقال، أصبح السلام الديمقراطي جزءًا من تبرير غزو العراق عام 2003. وظهر شكل جديد في دوائر المحافظين الجدد: إذا أسفر التحول الديمقراطي عن عالم أكثر سلامًا، فمن الطبيعي أن يكون تعزيز الديمقراطية وسيلةً للتحول الديمقراطي. وفيما يخص المحافظين في إدارة بوش، كان المعني واضحًا: الشرق الأوسط كان بحاجة إلى التحول الديمقراطي بالقوة.

Embed from Getty Images

ودفع المنظر الديمقراطي للسلام بروس روسيت، إلى الاعتقاد أن نظرية السلام الديمقراطي كانت تبريرًا بأثرٍ رجعي لحرب العراق أكثر من كونها سببًا.

وكما كتب إيش شالوم، لا توجد نظرية أكاديمية توجه السياسة في أنقى صورها. وما يحرك السياسة هو «التشكيلات المشوهة للنظريات: النظريات كما يتصورها الجمهور».

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
خوان كارلوس.. ملك إسبانيا الذي انتزع الديموقراطية من بين أنياب العسكر

وبحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، استقر رأي النخبة الغربية على أنه قد أثبت البحث الأكاديمي وجود علاقة بين المزيد من الديمقراطية والحرب الأقل. أما النقاشات بشأن الآليات التي تنتِج بها الديمقراطيات السلام، فقد طواها النسيان، لأنها كانت أقل جاذبية وأقل قابلية للاستخدام. لقد هرب السلام الديمقراطي، الذي رعاه باحثون أكاديميون واختبروه بعناية، إلى العالم الحقيقي وتحوَّر، وكانت له عواقب وخيمة.

واختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن أي مناقشة جادة للتسريبات المعملية يجب أن تقدر المقايضات التي تأتي مع اللعب بأفكار خطيرة. ويتقدم البحث على نحو أفضل في ظل الحد الأدنى من القيود الخارجية، لكن السياسة الفعلية تتطلب المسؤولية والحصافة. ويتطلب تحقيق التوازن الصحيح بين الاستكشاف الأكاديمي النابض بالحياة وصنع السياسات الرصينة المعادل الفكري للقاحات؛ أي بناء أجسام مضادة فكرية في العالم السياسي وعوالم السياسة التي يمكن أن تساعد المسؤولين والصحافيين في الحفاظ على شكوكهم ضد الأفكار البسيطة والمغرية والخطأ، التي يبدو أنها تفسِّر أو تُصلِح العالم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد