هل نتبنى منظور التشاؤم أم التفاؤل تجاه الحياة؟ وأيٌّ من نصفي الكأس يوصلنا لحياةٍ ورفاهيةٍ أفضل؟ يقدِّم محاضر اقتصاديات الأعمال كريس داوسون، وبروفسور الإدارة ديفيد دي ميزا، في مقالٍ لهما ضمن موقع «ذا كونفرزيشن» نتائج بحثهما الذي يغطِّي هذه الأسئلة ويُعطي خيارًا محتملًا من خلال التفكير الواقعي لطريقة للتعامل الأمثل مع الخيارات الحياتية واليومية من أجلِ سعادةٍ وتوازنٍ أفضل.

هل ينقذنا التفكير الإيجابي؟

كثيرًا ما يحكي مدرِّبو الحياة والمحاضرون المحفِّزون عن التفكير الإيجابي بصفته مفتاحًا لنعيم السعادة، هذا المفهوم الذي يسعى إليه أغلب البشر. وتحمل الكثير من كتب التنمية الذاتية الرسالة نفسها، يقول نورمان فنسنت بيل مثلًا في كتابه الذي دخل في قوائم الكتب الأكثر مبيعًا «قوة التفكير الإيجابي»:  «حينما تتوقع الأفضل تطلق في عقلك قوة مغناطيسية، وبمقتضى قانون الجاذبية تميل هذه القوة لجلب الأفضل لك».

لا يمثل هذا النوع من التفكير مجرد اعتقاد بأن التفكير المتفائل يبدِّد الكرب في وقته، بل إنه يزعم شيئًا أكبر بتنبُّؤه بأنه وبمجرَّد الإيمان بالنجاح سيوصل ذلك لتحقيقه. وبالتالي، ومن وجهة نظر السعي وراء السعادة، يُعد التفكير المتفائل استراتيجية مربحة للجانبين. وربما هذا السبب وراء انتشار التفاؤل غير الواقعي بشدة بين البشر (بصيغة أكثر تحديدًا: الميل إلى المبالغة في تقدير احتمالية حدوث الأشياء الجيدة والتقليل من احتمالية حدوث الأشياء السيئة). في الواقع، يُعد التفاؤل غير الواقعي أحد أكثر السمات البشرية انتشارًا؛ إذ تظهر الدراسات باستمرار إبداء الغالبية العظمى من السكان – حوالي 80% وفقًا لمعظم التقديرات – نظرةً مفرطة في التفاؤل.

Embed from Getty Images

هل الكأس نصف ممتلئ، أم نصف فارغ، أم أنه ببساطة يحتوي على بعض الماء؟  

بالمقابل، لا ننسى أيضًا دعاة التشاؤم ومروِّجيه. قد يكون توقُّع الأمور السيئة أمرًا مؤلمًا نفسيًّا للغاية كما يشرح المقال، ولكن المتشائمين يحصِّنون أنفسهم إلى حدٍّ ما من خيبة الأمل عبر هذا الأسلوب. يشبه الأمر الملاحظة التي دوَّنها الكاتب الإنجليزي توماس هاردي:

«باختصار، التشاؤم لعبة آمنة. لا يمكنك الخسارة فيها؛ ولكن قد تكسب. وهي النظرة الوحيدة للحياة التي لا يمكن أن تصيبك بخيبة الأمل. باحتساب ما يجب فعله في أسوأ الظروف الممكنة، وفي حال ظهر ما هو أفضل تغدو الحياة لعبة بسيطة».

Embed from Getty Images

وجهة النظر الاقتصادية

إلى حدٍّ ما، يدعم المقولة أعلاه عالم النفس الحاصل على جائزة نوبل، دانيال كانمان، وزميله الراحل عاموس تفيرسكي. حدَّد هذان العالمان مفهوم «انحياز تجنب الخسارة»، والذي يقول بأننا نشعر بألمٍ مضاعف من الخسائر مقابل ما نشعر به من فرحٍ نجنيه من المكاسب نفسها. يذكر الكاتبان مثالًا على ذلك، عند خسارة غير متوقعة لخمسة جنيهات إسترلينية يشعر المرء بألمٍ أقوى بمرتين من الفرحة التي سيشعرها من جرَّاء ربح غير متوقع لخمسة جنيهات إسترلينية. وفي معظم الحالات تتأثر مستويات الألم والسعادة الناجمة عن إدراك الخسارة أو الربح على التوقعات المبدئية أساسًا، فمثلًا قد تعدُّ زيادة 5 آلاف جنيه إسترليني لراتبك خسارة في حال كنت تتوقع زيادة بـ10 آلاف جنيه. بالتالي، حين يرفع المتفائلون غير الواقعيين سقف توقعاتهم عاليًا للغاية، فإنهم يعدُّون أنفسهم لجرعاتٍ كبيرة من خيبات الأمل المدمرة.

تتناقض هذه الآراء السلوكية لمحاسن العقلية المتفائلة أو المتشائمة مع المنظور الاقتصادي السائد، الذي يقول بأفضليَّة تبنِّي التفكير الواقعي. يبدأ طريق اتخاذ القرارات الجيدة بالحصول على معلومات دقيقة وحيادية. إذن، فإن التشاؤم والتفاؤل هما انحيازات في الأحكام يؤديان إلى قرارات سيئة، ما يُنتج مُخرجات أسوأ ومستوى معيشي أكثر انخفاضًا. وأكثر ما يتأثر بهذا الأمر الخيارات المهنية، وقرارات الادِّخار، وأيُّ خيار يتسم بعدم اليقين أو به جانب المخاطرة.

Embed from Getty Images

 التفكير الواقعي

درس الكاتبان في بحثهما مَن مِنَ المتفائلين أو المتشائمين أو الواقعيين يتمتَّع بأعلى مستوى من الرفاهية على المدى الطويل، وتتبعا 1601 شخصًا بالغًا – فوق 18 عامًا – من أجل ذلك. اعتمد البحث في قياس الرفاهية – أو العافية بمعنى آخر – على الرضا بالحياة والمعاناة النفسية المُستطلعة بطريقة الإبلاغ الذاتي، وكذلك قياس الموارد المالية للمشاركين ومدى ميلهم لزيادة تقديرها أو نقصانه. تُربط الموارد المالية الأفضل عادةً بالرفاهية الأعلى.

يقول الكاتبان إن النتيجة الرئيسية التي توصَّلا إليها أن الأهمية لا تكمن في النتائج فقط، بل بالتوقعات أيضًا. حين تتساوى العوامل الأخرى، ترتبط المبالغة بتقدير النتائج بالرفاهية الأقل، وكذلك حال التقليل من شأنها. ويبقى حال الواقعيين هو الأفضل.

يرى الكاتبان أن في بحثهما مصدر راحة للبعض، إذ يُظهر عدم أهمية تركيز الوقت والطاقة على محاولة صناعة التفكير الإيجابي. بل على العكس، يرى الكاتبان أن الواقعية بشأن المستقبل واتخاذ قرارات سليمة مبنيَّة على الأدلة قد تجلب إحساسًا أفضل بالرفاهية، دون الحاجة للمحاولات الدؤوبة الساعية لاعتناق التفكير الإيجابي.

يقدِّم الكاتبان تفسيرين محتملين لسبب ظهور هذه النتائج من بحثهما. التفسير الأول يكمن في احتمالية أن تكون هذه النتائج ناجمة عن مواجهة المشاعر، فقد تهيمن خيبة الأمل في حالة المتفائلين غير الواقعيين على المشاعر الاستباقية المتركزة على توقع الأفضل، ما يتسبب في انخفاض السعادة. أما بالنسبة للمتشائمين، فإن التأثير المحبط لتوقع الأسوأ قد يسيطر على الابتهاج الحاصل عند تجنب التوقعات السيئة تلك.

والتفسير البديل عن فكرة مواجهة المشاعر، يتلخَّص بأن الخطط المبنية على معتقدات غير دقيقة محكومٌ عليها بطبيعتها بأن تُعطي نتائج أسوأ من النتائج الآتية من المعتقدات الآتية من التفكير الواقعي. في جميع الأحوال، توصل البحث الذي عمل عليه الكاتبان إلى أن كلا التصورين الخاطئين (التفاؤل والتشاؤم) يؤديان إلى رفاهية أقل.

Embed from Getty Images

ماذا تعني هذه النتائج على أرض الواقع؟

يميل غالبية السكان إلى التفاؤل، فهل علينا كبح جماح توقعاتهم وحماستهم بعد هذا البحث؟ يقول الكاتبان إن الواقعيين أو أصحاب الفكر الواقعي هم الأسعد، وفقًا لدراستهما، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن تحويل الشخص نفسه إلى واقعيٍّ سيعزِّز من رفاهيته حُكمًا (مع تجاوز مسألة مدى إمكانية إحداث هكذا تحوُّل). أكثر ما يستطيع الكاتبان قوله إن التحول للواقعيَّة «ربما» يعزز الرفاهية.

يضرب الكاتبان مثالًا ما يحدث الآن مع أزمة جائحة كورونا، فكلٌّ من المتفائلين والمتشائمين يتخذون قرارات مبنية على توقعات متحيِّزة. لا يؤدي هذا إلى اتخاذ قرارات سيئة فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى الفشل في اتخاذ الاحتياطات المناسبة للتهديدات المحتملة. يرى المتفائلون أنفسهم أقلَّ عرضة لخطر الإصابة بمرض كوفيد-19، وبالتالي فهم أقل احتمالًا لاتخاذ الإجراءات الاحترازية المطلوبة في هذا الوقت. ومن ناحية أخرى، قد يمتنع المتشائمون عن مغادرة المنزل نهائيًّا، أو قد يمنعون أطفالهم من الذهاب إلى المدارس. لا تعِدُ أيٌّ من الاستراتيجتين السابقتين بالرفاهية المنشودة. في الوسط ما بين المتشائمين والمتفائلين، يأتي الواقعيون الذين سيقدمون على دراسة المخاطر واتِّخاذ الخطوات المحسوبة مع علمهم بأن القابلية للإصابة بالمرض تتأثر بالعمر والعوامل التي صرّح بها الباحثون حتى الآن.

علوم

منذ 3 شهور
حتى لا تتبع القطيع.. 6 نصائح لتجنب التأثر بـ«التفكير الجماعي»

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد