نشر موقع «ساينس ألرت» تقريرًا أعدته تيسا كوموندوروس، الصحافية والمساعدة التحريرية بالموقع، تستعرض أربعة أسباب رئيسة لرفض الكثيرين للعلم.

تستهل الكاتبة تقريرها بالقول إنَّ انعدام الثقة في العلم يعدُّ مشكلةً كبيرةً، ويؤدي بشكلٍ مباشرٍ بالوفاة، وتشير إلى أنَّ كثيرًا من المعلومات الخطأ المنشورة مقصودة ومُنظَّمَة، والأسوأ من ذلك كله خلاصات الأبحاث عن انتشار الأكاذيب السريع عبر الإنترنت، والتي غالبًا تكون أكثر ثباتًا من الحقائق.

مشكلة كبيرة

تذكر الكاتبة أنَّ الطبيبة النفسية أفيفا فيليب مولر وفريقها من جامعة «سيمون فريزر»، يبحثون في الكتابات العلمية حول آليات التواصل والإقناع، محاولين استخلاص نظرة شاملة حديثة، ومتماسكة، حول كيفية معالجة مشكلة عدم تصديق العلم.

وتتمثَّل إحدى أكبر الأساطير المتعلقة بطرق توصيل العلم، أنَّه بمجرد تقديم المعرفة للناس سيتخذون إجراءات منطقية، وهو ما يُعرَف بـ«نموذج نقص المعلومات»، ووسيلة الاتصال التي نستخدمها هنا، ولكن في ظِل تفشِّي جائحة كورونا العالمية وأزمة المناخ، أصبح لدينا أمثلة لا حصر لها حول كيف تفشل هذه الأساطير في كثيرٍ من الأحيان.

ويبرز التقرير تصريح لريتشارد بيتي، طبيب نفسي من ولاية أوهايو الأمريكية: «لطالما كانت اللقاحات من الأشياء التي اعتاد الجميع قبولها»، وأضاف: «غير أن بعض التطوُّرات السنوات الأخيرة سهَّلت إقناع الأشخاص بمخالفة الإجماع العلمي بشأن اللقاحات وغيرها من القضايا».

متظاهرة مناهضة لفرض اللقاحات في لندن تحمل لوحة مكتوب عليها «أغلق تلفازك، إنهم يكذبون عليك!»

ومع أنه قد يصعب على كثيرٍ منَّا تصديق الأمر، فإن بعض الأشخاص لديهم العديد من الأسباب المشروعة لعدم ثقتهم في العلم، وتذكر الكاتبة أنَّ القطاعات الصناعية عملت على إضعاف الثقة في العلم، من خلال سرقة المؤهلات العلمية، واستخدام ادِّعاءات تبدو «علمية» لتعزيز أرباحها؛ ومن المؤكَّد أن شركات الأدوية قدمت أسباب لعدم الوثوق بها.

وبالإضافة إلى ذلك، لا يضع العلم الأمور في نصابها الصحيح دائمًا، وتؤجج عدد من وسائل الإعلام المشاعر المعادية لـ«صفوة» الخبراء، فضلًا عن تعزيزها للآراء المعادية للعلم.

وتؤدي هذه الشكوك، والصراعات، والكم الهائل من المعلومات؛ إلى إضعاف ثقة الأشخاص في العلماء، ويفشل المسؤولون غالبًا في نقل المعلومات العلمية مثل وسائل الإعلام والمسؤولين الحكوميين، لكسب ثقة الناس بالعلم.

ويُعد انعدام الثقة في مصادر المعلومات أحد العقبات الأربع الرئيسة، التي تحول دون تقبل العلم، والتي حدَّدتها أفيفا وفريقها في البحث الذي أجروه.

ويبرز الفريق عقبات أخرى مثل تحدي المعلومات لمعتقدات الأفراد، أو معتقدات الجماعات، أو عدم مطابقتها لطريقة التعلم.

ويشرح بيتي: «تشترك هذه القواعد الأربعة في  كشفها ما يحدث عندما تتعارض معلومات علمية مع ما يعتقده الأشخاص أو مع أسلوب تفكيرهم».

أولًا: عدم الثقة في مصادر المعلومات

يضيف التقرير: وكما ذكرنا سابقًا، يظهر عدم الثقة في مصادر المعلومات مرارًا وتكرارًا بوصفه أحد الأسباب الرئيسة لعدم تقبل الأشخاص للمعلومات العلمية، ويمكن أن يؤدي النقاش العلمي المشروع والمتعمِّق أيضًا إلى تشويش غير المُلمِّين بالعملية العلمية.

ومن أجل مواجهة مشكلة انعدام الثقة، يقترح الباحثون تسليط الضوء على دور العلم في المجتمع، والتأكيد على الأهداف الاجتماعية الكبرى للأبحاث العلمية، ويوضح الفريق البحثي أن الاعتراف بصدق مواقف الآخرين والعيوب في موقفك، يمكن أن يساهم في إرساء الثقة بشكلٍ أفضلٍ.

تقول أفيفا: «قد تعترف الرسائل المؤيدة للعلم بوجود مخاوف مشروعة على الجانب الآخر، ولكنَّها توضح سبب تفضيل الموقف العلمي».

ثانيًا: الولاء القَبَلي

بحسب التقرير، نصدق بشكلٍ أعمى أحيانًا، بوصفنا جزءًا من مكونٍ اجتماعي وثقافي، الأشخاص الذين ننتمي إليهم، وبغض النظر عن مستوانا التعليمي، ويطلق على هذه الظاهرة الإدراك الثقافي.

وقالت أفيفا وفريقها: «سلَّط العمل على الإدراك الثقافي الضوء على (كيف يحرف الأشخاص النتائج العلمية لتتناسب مع قيمهم وهويتهم الثقافية)».

وينوِّه التقرير إلى أن الاستقطاب السياسي، ووسائل التواصل الاجتماعي، عزز المشكلة؛ فعلى سبيل المثال، من المُرجَّح أن يُصدِّق المحافظون العلماء الذين يظهرون على شاشة قناة «فوكس نيوز»، وأن يثق الليبراليون في العلماء الذين يظهرون على شبكة «سي إن إن».

جانب من تغطية شبكة «سي إن إن» لما يعرض على قناة «فوكس نيوز» لما أسموه «الخطاب المناهض للقاح» 

وتوضح أفيفا أن «منصات وسائل التواصل الاجتماعي مثل (فيسبوك) توفِّر أخبار مُخصَّصة قد توفر للمحافظين والليبراليين معلومات متباينة».

ولمواجهة التحدي، تذكر الكاتبة الحاجة لإيجاد قاسم مُشترك، وإنشاء معلومات مُخصَّصة لفئات مستهدفة مُحدَّدة، والتعاون مع المجتمعات التي لديها آراء معادية للعلم، بما في ذلك الأشخاص الذين عادةً ما يضعهم العلم في قائمة الفئات المُهمَّشة.

ثالثًا: تعارض المعلومات مع المعتقدات

ترى الكاتبة أن الصراعات الداخلية الناجمة عن المعلومات المتعارضة مع المعتقدات الاجتماعية أو الشخصية مثل الأخلاق والدين، تؤدي إلى مغالطات منطقية وتحيُّزات معرفية مثل التنافر المعرفي.

وكتب فريق أفيفا في ورقتهم البحثية: «قد يكون من الصعب استيعاب المعلومات العلمية، وسيرفض كثيرٌ من الأفراد بسرعةٍ الأدلة المعروضة بدلًا من قبول المعلومات المشيرة إلى أنَّهم ربما كانوا على خطأ، وهذا الميل مفهوم تمامًا، وينبغي أن يتعاطف العلماء مع هذه الفئة».

ولذلك، تتضمَّن الإستراتيجيات الرئيسة لمواجهة الأمر إبداء تفهُّم وجهة النظر الأخرى.

جانب من مظاهرة لعلماء يناهضون تسويق العلم ويطالبون الحكومات بإيصال صوتهم للناس

ويقول بيتي: «يدافع الأشخاص عن أنفسهم إذا شعروا بتعرضهم للهجوم أو بشعورهم أنك مختلف عنهم، بحيث لا يمكنهم الوثوق بك»؛ وأضاف: « وبالتالي عليك فقط البدء ببعض المجالات المتوافق عليها وانطلق منها».

وبحسب ما يستدرك التقرير، قد تؤدي زيادة معرفة أحد الأشخاص العلمية العامة إلى نتائج عكسية في الواقع، لأنها تقدِّم المهارة لتعزيز المعتقدات الموجودة مسبقًا، وبدلًا من ذلك، يُنصح بزيادة مهارات التفكير العلمي، ومحو الأمية الإعلامية، أو التزويد المسبق بالمعلومات، أو تحصين الأشخاص ضد المعلومات المغلوطة، فضلًا عن وضع إطار للمعلومات بما يتماشى مع ما يهُم جمهورك واستخدام خبرات شخصية ذات صلة.

رابعًا: عدم تقديم المعلومات بأسلوب تعليمي صحيح

تذكر الكاتبة إلى أن هذه المشكلة هي الأكثر وضوحًا بين القواعد الأربعة، وهي عدم تطابق بسيط في كيفية تقديم المعلومات والأسلوب الأنسب للشخص المُستقبِل لها، ويتضمن ذلك أشياءً أخرى مثل تفضيل المُلخَّصات على المعلومات المُحدَّدة، أو التركيز على تعزيز الصحة، والوقاية من الأمراض.

وفي هذا الإطار، تقترح أفيفا وفريقها استخدام بعض التكتيكات التي تستخدمها القوى المناهضة للعلم، مثل استخدام التكنولوجيا، وصناعة الإعلانات، وينبغي للباحثين استخدام بيانات وصفية لتحسين صياغة الرسائل بناءً على اهتمامات الناس وعاداتهم عبر الإنترنت.

ومع أن المستوى الحالي لقبول الأبحاث قد يكون مخيبًا للآمال، فإنَّ الخبر السار هو أنَّ الثقة في العلماء رغم ضعفها لا تزال مرتفعةً نسبيًا مقارنةً بمصادر المعلومات الأخرى.

وتختم الكاتبة تقريرها بالقول: بِقَدْر فخرنا بأنفسنا بوصفنا مخلوقات عقلانية، إلا أننا نحن البشر عبارة عن حيوانات لها عقول فوضوية تحكمها تحالفاتنا الاجتماعية وعواطفنا وغرائزنا مثل المنطق الذي نؤمن به، ويجب أن يفهم المعنيون بالعلم مِنَّا، سواءً أكانوا مؤيدين للعلم أم ممارسين له، هذا الأمر ويأخذوه في حسبانهم.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد