ألقت الصحافية كاريل روزنبيرج، في تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، الضوء على القاعدة البحرية الأمريكية في كوبا – جوانتانامو – التي احتُجز فيها سجناء الحرب الأمريكية على الإرهاب، لا سيما مع بدء الولايات المتحدة سحب قواتها من أفغانستان. تقول روزنبيرج: «كان وقتًا عصيبًا ومخيفًا بعد أربعة أشهر فقط من هجمات 11 سبتمبر 2001، عندما استقبل الجيش في خليج جوانتانامو أول سجنائه من الغزو الأمريكي لأفغانستان».

دولي

منذ شهر
«واشنطن بوست»: كيف يبدو مستقبل تنظيم «القاعدة» بعد انسحاب أمريكا من أفغانستان؟

أعلن وزير الدفاع آنذاك، دونالد رامسفيلد، أن الموقع البحري المعزول خلف حقل ألغام كوبي هو «أقل أماكن الاحتجاز سوءًا» لاحتجاز مقاتلين مشتبه بهم من طالبان والقاعدة، الذين جرى تسليم معظمهم من قبل حلفاء محليين. تقول روزنبيرج إنها في ذلك الوقت وجدت نفسها جالسة في شمس الظهيرة على ارتفاع منخفض فوق مهبط الطائرات في القاعدة تشاهد جنودًا من مشاة البحرية يقودون 20 أسيرًا على منحدر طائرة شحن عسكرية عفا عليها الزمن من طراز «ستارلايفتر».

بذلة برتقالية زاهية!

سُمح لمجموعة صغيرة من المراسلين المدنيين بالمشاهدة، لكن لم يلتقطوا الصور، مقابل إرسال رواية موحدة إلى الهيئة الصحفية في البنتاجون. جاء فيه:

«في الساعة 2:55 هبط السجين الأول. كان يرتدي بذلة باللون البرتقالي الزاهي، وقناع وجه فيروزيًّا لامعًا، ونظارات واقية، وجوارب برتقالية ملونة متشابهة فوق حذاء أبيض، وغطاء رأس برتقالي أكثر إشراقًا بدا وكأنه قبعة صغيرة. تم تقييد يديه أمامه، وهو يعرج. جرى تفتيشه وقيادته، على الأقل من قبل اثنين من مشاة البحرية، إلى الحافلة المنتظرة».

وأضافت الكاتبة: لعلكم رأيتم الصورة التي التقطها مصور تابع للبحرية في معسكر «أشعة إكس» في ذلك اليوم الأول، ونشرها البنتاجون بعد حوالي أسبوع، فقد أرخ لحظة تاريخية أدى استخدامها المستمر في وسائل الإعلام إلى إحباط الجيش، لأنه لم يبد عملية تعذيب فحسب، بل بات الجيش الآن يحتجز سجناء جوانتانامو الأربعين المتبقين داخل زنازينهم.

Embed from Getty Images

تؤكد روزنبيرج أن الصورة تطاردها أحيانًا. وصف البنتاجون هؤلاء الرجال الأوائل بـ«أسوأ السيئين» لكنه رفض ذكر أسمائهم. منذ البداية تقريبًا تساءلت في أعماقها: كيف عرفوا ذلك؟

قبل ذلك اليوم بأربعة أشهر تقريبًا، كشفت هجمات 11 سبتمبر عن فشل استخبارات الولايات المتحدة، بحسب الكاتبة. كان نائب الرئيس ديك تشيني قد قال إن الجيش «قد يتم تكليفه بمهام فيما يتعلق بهذه المهمة وكذلك الإستراتيجية الشاملة، وأنه علينا قضاء بعض الوقت في الظل في عالم الاستخبارات». أطلق عليه اسم «المواقع الخفية».

تقول روزنبيرج إنه قد مرت سنوات قبل أن تتمكن من تحديد أسماء أول 20 سجينًا. لقد تطلب الأمر عملًا على ثلاث محاور: الاطلاع على مخططات الأوزان التي أُعدَّت لكل سجين بإهمال وعدم الالتزام بأي معيار، والتي أعدت بأرقام فقط وليست أسماء، ومقارنتها بملفات استخباراتية جرى تسريبها في حادث معيب في عام 2011، ثم استشارة المصادر المطلعة، وقراءة التقارير القديمة.

مع اقتراب الذكرى العشرين لاستخدام ذلك المعتقل، قررت روزنبيرج أن تعيد تتبع ما حدث للرجال الذين جرى تصويرهم وهم جاثون على ركبهم، فاكتشفت أن تقريبًا كل السجناء العشرين الأوائل اختفوا. أعادت إدارة بوش ثمانية من هؤلاء المعتقلين في اليوم الأول. ونقلت إدارة أوباما 10 آخرين.

Embed from Getty Images

أصبحنا نعلم الآن أن إدارة بوش قد أرسلت من اعتقدت حقًّا أنهم «أسوأ السيئين» ليس إلى جوانتانامو مباشرة، ولكن إلى شبكة من السجون والمواقع السرية التابعة لوكالة المخابرات المركزية. أعلن البيت الأبيض في سبتمبر (أيلول) 2006 أنه جلب 14 «معتقلًا ذا قيمة عالية» من المواقع السرية إلى جوانتانامو. وكان من بينهم خالد شيخ محمد، وأربعة رجال آخرين متهمين بالتخطيط لهجمات 11 سبتمبر. تم اتهامهم مرتين، آخرهما في عام 2012، ولم يتم تقديمهم للمحاكمة بعد.

من سجناء لدى واشنطن إلى مفاوضين ندًّا بند

في غضون ذلك، كان ثلاثة من الرجال في تلك الصورة جزءًا من فريق طالبان المفاوض في قطر الذي أدى اتفاقه مع إدارة ترامب إلى إطلاق سراح الآلاف من سجناء طالبان في أفغانستان، في حين تنقل رابع بين باكستان وأفغانستان، حيث يشغل منصب مسؤول دفاعي كبير في طالبان.

تؤكد روزنبيرج تعرفها إلى رجل في الصورة، إبراهيم إدريس، جرى تشخيص إصابته بمرض انفصام الشخصية وأمراض أخرى أثناء وجوده في الحجز العسكري الأمريكي، وجرت إعادته إلى وطنه ليبقى محتجزًا في منزل والدته في السودان. ثم ذات يوم تلقت الكاتبة رسالة من الخرطوم مفادها: «أخبروا تلك المراسلة أنه قد مات».

كتبت روزنبيرج ما تظن أنه أول نعي لمعتقل سابق في جوانتانامو يظهر في صحيفة «نيويورك تايمز». أما كل من مات قبله فقد ظهروا في المقالات الإخبارية.

كانت قد غطت القصة منذ اليوم الأول، وتأملت كثيرًا في حال هؤلاء الرجال الأوائل، لا سيما منذ أن أعلن الرئيس بايدن أن الولايات المتحدة ستسحب جميع القوات الأمريكية من أفغانستان (باستثناء تلك التي تحرس السفارة الأمريكية) خلال الذكرى العشرين لهجمات 11 سبتمبر. كانت أفغانستان هي المكان الذي انطلقت منه الرحلة التي تقل أول 20 سجينًا، وقد شهدت روزنبيرج وصولهم لأن الجيش فهم أن المهمة كانت تُنفذ باسم الشعب الأمريكي، وليس فقط الجيش الأمريكي.

الكويت

منذ 4 شهور
ماذا لو استأجر معتقل في جوانتانامو شركة لوبيات؟ تجربة 12 كويتيًّا اعتُقلوا ظلمًا

مر أكثر من عام منذ أن وطأ أحد المراسلين تلك القاعدة، ويرجع ذلك في الغالب إلى جائحة فيروس كورونا، وأصبحت القاعدة العسكرية أكثر عزلة من أي وقت مضى. زار عدد قليل جدًّا من المحامين المحتجزين، بعد خضوعهم للحجر الصحي لمدة أسبوعين، كما زارها وفد من الصليب الأحمر الدولي مرة واحدة فقط بدلًا من أربع مرات في السنة.

وأضافت الكاتبة: الآن ننتظر ونتساءل متى ستعقد لهؤلاء المحتجزين محاكمة على أحداث 11 سبتمبر، مهما تأخرت. لم تحدد مواعيد جديدة للجلسات، والقضية تنتظر مرة أخرى قاضيًا عسكريًّا جديدًا. ربما كان هذا هو أكثر الأمور سرية على مر السنين. تولى الأدميرال المسؤول عن السجن زمام الأمور في مايو (أيار) 2019، وعلى عكس أسلافه، لم يلتق مطلقًا بمراسل هناك ولم يسمح لممثلي وسائل الإعلام بزيارة منطقة السجن، وهو ما كان حدثًا معتادًا لسنوات.

مرة أخرى عندما بدأت العملية، وكانت هجمات 11 سبتمبر لا تزال صدمة وطنية قاسية، لم يكن بوسع الجنرال المسؤول دائمًا الإجابة عن أسئلة المراسلين. لكنه فهم حقنا في سؤالهم، وبذل قصارى جهده للإجابة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات