قال حذيفة فياض في مقال له على موقع «ميدل إيست آي» إنه مع دخول مخيم شعفاط أسبوعه الثاني من الحصار الإسرائيلي، بدأ الفلسطينيون بحلق رؤوسهم، وابتكار أساليب للدعابة، بهدف إخافة القوات الإسرائيلية، والتعبير عن التضامن مع سكان القدس الشرقية المحتلة.

وكانت آخر طرق التعبير عن التضامن، حلاقة الشباب رؤوسهم مثل الشهيد عدي التميمي الذي كان ملاحقًا من القوات الإسرائيلية بزعمهم إطلاقه النار على جندي، واستشهد مساء الأمس 19 أكتوبر (تشرين الأول).

وقالت مصادر من مخيم شعفاط، تحدثت لموقع «ميدل إيست آي» بشرط عدم الكشف عن هويتها؛ إن ثلاثة رجال صُلع على الأقل حُرموا من حق مغادرة المخيم. ووفق ما ورد، أطلق أرباب العمل الإسرائيليون النار على 12 آخرين بعد حلق رؤوسهم.

ويخضع المخيم والمناطق المحيطة، به لقيود إسرائيلية على الحركة منذ 8 أكتوبر، بعد أن قَتَل فلسطيني مشتبه به جنديًّا إسرائيليًّا بالرصاص عند نقطة تفتيش تؤدي إلى المخيم.

وفي 13 أكتوبر، خفف الإغلاق الكامل لنقطتي التفتيش في المنطقة، اللتين خلفتا ما يقرب من 140 ألف محاصر في أحياء مكتظة بالسكان معزولة عن طريق الجدار العازل الإسرائيلي. ووفق السكان، سُمح للأشخاص بالدخول والخروج من المخيم في ظل عمليات تفتيش دقيقة.

وفي اليوم التالي، أعلنت عائلات المخيم توقف حالة العصيان المدني التي أعلنتها، والتي تضمنت إضرابات ومواجهات مع القوات الإسرائيلية خلال غاراتها المتكررة على المخيم. ويقول السكان إن هذه الأساليب استبدلت الآن بأشكال جديدة من المقاومة، وتشمل قصة شعر موحدة، ورسائل نصية، ومكالمات مزيفة.

انتشار كالنار في الهشيم

كشف فياض عن أن السلطات الإسرائيلية نشرت الأسبوع الماضي، تفاصيل الرجل الذي تتهمه بإطلاق النار خارج مخيم شعفاط، وهو رجل أصلع يبلغ من العمر 22 عامًا من مخيم اللاجئين، يُدعى عدي التميمي.

ولإطلاق حملة التضامن، صورت مجموعة صغيرة من رجال شعفاط أثناء حلاقتهم رؤوسهم، ونشرت الصور على الإنترنت. وسرعان ما انتشرت مقاطع الفيديو بشكل واسع، ما شجع العشرات من جميع أنحاء القدس والضفة الغربية المحتلة على فعل الشيء نفسه.

وبدأ آخرون في المخيم إطلاق اسم عدي مرارًا وتكرارًا في رسائل «واتساب» الخاصة بهم، في محاولة لتشويه خوارزميات التعقب لتحديد مكان وجود التميمي.

«هل غيرت حفاضات عدي؟» قال شخص في رسالة صوتية تم مشاركتها عبر الإنترنت. واتصل آخرون من المخيم  بالشرطة بهدف عمل مقالب تمويهية.

ومنذ بدء المطاردة، تحدث طائرات الاستطلاع بدون طيار ضجيجًا مستمرًّا في سماء القدس. ويقول بعض سكان المدينة إن الضوضاء أدت إلى اضطراب نومهم، ونقلوا شكواهم إلى خدمات الطوارئ الإسرائيلية.

قال متصل ساخط في مكالمة هاتفية مع عامل الطوارئ: «مشكلتي هي أنني لم أستطع النوم الليلة الماضية، فقد كانت طائراتكم تصدر أزيزًا طوال الليل».

كما أُطلق اسم عدي بصوت عالٍ في الشوارع لإزعاج الشرطة الإسرائيلية، على غرار ما حدث العام الماضي، عندما استمر سكان القدس مناداة اسم زكريا الزبيدي أثناء هروبه من السجن الإسرائيلي الذي دام خمسة أيام على خمسة أسرى آخرين.

خشية من العواقب

قال شاب لموقع «ميدل إيست آي»، إن حلق الرأس ورسائل «واتساب»، والصراخ باسم عدي حدثت عفويًّا، وأضاف أنها طريقة لإظهار التضامن مع أهالي شعفاط الذين يتعرضون للقمع الإسرائيلي.

ومنذ أن شاع حلق الرأس، شجبته الأصوات في إسرائيل بوصفه محاولة لتعطيل عمل الشرطة، والتحريض على العنف، لكن الفلسطينيين الذين تحدثوا إلى «ميدل إيست آي» رفضوا هذه المزاعم، وأصروا على حقهم في الدفاع عن النفس ضد الاحتلال الإسرائيلي.

احتلت إسرائيل القدس الشرقية عام 1967، ثم ضمت المدينة لاحقًا في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي. يُنظر إلى المدينة، بما في ذلك مخيم شعفاط، على أنها أرض محتلة يأمل الفلسطينيون أن تكون عاصمتهم المستقبلية، ويجادل السكان أيضًا بأن حملة حلق الرأس تهدف إلى إظهار التضامن مع شعفاط أكثر من أي شيء آخر.

وقال الشاب: «لا يتعلق الأمر بإرباك الشرطة بل يتعلق أكثر بإظهار التضامن في جميع أنحاء القدس وبقية فلسطين».

لوحة معلقة للشهيد إبراهيم النابلسي في مخيم شعفاط بالقدس الشرقية

لكن المخاوف من التداعيات أصبحت الآن حقيقة بالنسبة لبعض أهالي شعفاط، حيث تستهدف القوات الإسرائيلية، التي لا تزال تحرس حاجزي المخيم بكثافة، رجالًا حليقي الرؤوس، أو من شوهدوا ينادون باسم عدي عند الحواجز.

وقالت مصادر من المخيم لموقع «ميدل إيست آي»، إن شخصًا واحدًا على الأقل تعرض للاعتداء الجسدي بسبب حلق رأسه، ولم يُسمح لآخرين بمغادرة المخيم.

قال حسن علقم، ناشط من شعفاط، لموقع «ميدل إيست آي»: «جرى توقيف الناس عند نقاط التفتيش وطُلب منهم خلع قبعاتهم. وفي حال كانوا صلعًا، لا يُسمح لهم بالمرور. لكن هذا فقط يغذي تصميم الشباب على تحدي الاحتلال الإسرائيلي».

جذور تاريخية للفكرة

يؤكد فياض أنه على الرغم من القمع، فإنَّ انتشار صور الصُلع على الإنترنت بهذا الشكل، يذكرنا بالتشبه مع حملات التضامن في تاريخ فلسطين.

كان أشهرها في ثورة عام 1936، ضد الانتداب البريطاني. ففي ذلك الوقت، كان المقاتلون الفلسطينيون يأتون في الغالب من المناطق الريفية، مرتدين غطاء الرأس الفلسطيني التقليدي، المعروف باسم الكوفية، على عكس الذين عاشوا في المدن الكبرى الذين ارتدوا الطربوش.

وهكذا، تعرفت السلطات البريطانية بسهولة إلى المقاتلين عند مهاجمتهم أهدافًا عسكرية وشرطية في المدن الكبرى. فأصدرت اللجنة الوطنية العربية في نابلس أمرًا للجمهور، طالبت فيه ارتداء الكوفية بدلًا من الطربوش، حتى يتمكن المقاتلون من التهرب بسهولة من السلطات البريطانية.

كانت الاستجابة إيجابية للغاية، حيث تخلت المدن بين عشية وضحاها عن الطربوش، الذي كان يُنظر إليه على نطاق واسع في ذلك الوقت على أنه رمز للمكانة والتقدم.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
سلاح الإضراب في فلسطين منذ ثورة 1936.. ما أهميته؟ وكيف يضرُّ باقتصاد الاحتلال الإسرائيلي؟

ووفق حمزة العقرباوي الباحث في التراث الفلسطيني، فإن الدعم الشعبي والمساندة لأعمال المقاومة كان جزءًا لا يتجزأ من التاريخ الفلسطيني، من الانتفاضات الأولى ضد الاحتلال البريطاني في عشرينيات القرن الماضي إلى جميع الانتفاضات ضد الاحتلال الإسرائيلي منذ أوائل الستينيات.

وقال العقرباوي لـ«ميدل إيست آي»: «انتشرت حوادث مماثلة في الانتفاضة الأولى والثانية. على سبيل المثال، تدخلت العديد من النساء لحماية طفل محتجز بزعمهن أنه ابنهن رغم عدم وجود قرابة. أو عند إيواء من يلاحقهم الجيش الإسرائيلي ومنحهم ملابس النوم والأسرة للنوم للتظاهر بأنهم أفراد من العائلة».

وعلى هذا النحو، يرى العقرباوي أن حملة حلق الرأس الأخيرة هي استمرار طبيعي لدعم المجتمع لأعمال المقاومة. ويُختم المقال بقول العقرباوي: «على الرغم من المخاطر التي يتعرض لها هؤلاء الأشخاص، فإنهم أظهروا بسرعة دعمهم لمثل هذه الأعمال أنهم يشعرون بأن الشخص الذي يساعدونه يمثل مخاوفهم وآمالهم. إن هذا يساعدهم على تنفيس بعض الغضب الذي يشعرون به نتيجة السياسات الصهيونية شديدة العنف والهمجية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد