يجيب المقال المنشور بالمجلة الأمريكية عن السؤال الأبرز: كيف سيغير الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة عالم الجاسوسية؟

نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية مقالاً تناولت فيه تأثير التقدم التكنولوجي على الطريقة التي يُدار بها العمل المخابراتي، وكيف ستساعد «ثورة الشؤون المخابراتية (RIA)» القادمة في تغيير أساليب جمع المعلومات وتحليلها وتنفيذ عمليات التجسس والتصدي للتجسس المضاد.

وقال كاتب المقال أنتوني فينشي – وهو كبير مسؤولي الشؤون التكنولوجية السابق والمدير المساعد للشئون الجغرافية المكانية في الوكالة المركزية للاستخبارات بالولايات المتحدة – إن الناس لم يتوقفوا عن التجسس على بعضهم البعض طوال التاريخ البشري. ولمعرفة ما يفعله الآخرون أو يخططون لفعله، اعتاد الناس على المراقبة والرصد والتنصت، باستخدام أدوات ظلت تتحسن باستمرار، لكنها لم تحل أبدًا محل أسيادها من البشر.

واستطرد قائلًا إن الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة ستُغير هذا الوضع. ففي المستقبل، ستتجسس الآلات على الآلات لمعرفة ما تفعله الآلات الأخرى أو تخطط لفعله، وستظل المخابرات تعمل على سرقة الأسرار وحمايتها، إلا أن كيفية جمع وتحليل ونشر هذه الأسرار ستختلف اختلافًا جذريًا.

وأضاف أن علماء المستقبليات العسكريين أدركوا حدوث تغيير جذري مماثل، ووصف بعضهم صعود الذكاء الاصطناعي وأنظمة الأسلحة المستقلة بأنه «ثورة في الشؤون العسكرية»، ويمكن فهم نظيرتها في المخابرات باعتبارها «ثورة في الشؤون المخابراتية»، مشيرًا إلى أن هذه الثورة القادمة ستجعل الآلات أكثر من مجرد أدوات لجمع المعلومات وتحليلها، وإنما ستصبح مستهلكة للمعلومات المخابراتية، وصانعة للقرار، بل وحتى أهدافًا لعمليات مخابراتية تديرها آلات أخرى.

وعلى الرغم من أن اهتمام هذه الآلات سيظل منصبًا بشكل أساسي على العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية البشرية، إلا أن العمل المخابراتي المعتمد على الآلات سيبلغ من السرعة والحجم والتعقيد ما لا يُمكن للعمل المخابراتي المعتمد على البشر مجاراته. ولا يوجد شيء يمكنه منع حدوث هذه الثورة المخابراتية، بعدما أطلقتها بالفعل قوى الابتكار والتنافس التكنولوجي في العالم. وبدلاً من ذلك، يتعين على دوائر المخابرات الأمريكية أن تتبنى هذه الثورة، وأن تستعد لمستقبل يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي، وإلا ستخاطر بفقدان ميزتها التنافسية.

دولي

منذ 5 شهور
مترجم: كيف يرعى الغرب أنشطة التجسس والقمع في الشرق الأوسط؟

صعود العمل المخابراتي المعتمد على الآلات

ذكر كاتب المقال أن الثورات لا تولد من العدم، مشيرًا إلى أن جذور الثورة المخابراتية تعود إلى القرن العشرين، عندما أدخلت التقنيات الجديدة – مثل الاتصالات السلكية واللاسلكية والحوسبة – تطورات جديدة إلى المهارات المخابراتية. وبالرغم من أن البشر ظلوا هم عملاء المخابرات، إلا أنهم بدلاً من أن يراقبوا بأعينهم ويسترقوا السمع بآذانهم ويحللوا ويتنبؤوا بعقولهم، اعتمدوا على أجهزة استشعار وأدوات حاسوبية قوية بشكل متزايد لتعزيز قدراتهم.

 كيف سيغير الذكاء الاصطناعي عالم الجاسوسية؟

وقد تسارع هذا الاتجاه على مدى السنوات العشرين الماضية، ما أدى إلى زيادة هائلة في كمية البيانات المتاحة لوكالات المخابرات. وفي الوقت الحالي، تُنتج أجهزة الاستشعار السرية والتجارية – بدءًا من برامج الروبوت المنتشرة (البوتات) على الشبكات مرورًا بالطائرات بدون طيار ذاتية التحكم وصولًا إلى الأقمار الصناعية الصغيرة التي تدور في الفضاء – معلومات أكثر مما يُمكن للبشر استيعابه بمفردهم. وأوضح الكاتب أن الوكالة الوطنية للمخابرات الجغرافية المكانية توقعت، عام 2017، أن البيانات التي سيتعين على محلليها العمل عليها ستزيد مليون ضعف في غضون خمسة أعوام.

وأضاف أن هذه الزيادة الكبيرة في سرعة البيانات وحجمها أدت إلى اشتداد حدة المنافسة على استيعابها بشكل كامل، وهي ديناميكية أدت بدورها إلى تبني الأتمتة وتحليلات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي. وأشار إلى وجود ضغوط هائلة لمجاراة هذه الوضع: الدول التي تستطيع وكالاتها المخابراتية معالجة كميات هائلة من البيانات المعقدة بسرعة ستكون لها ميزة على تلك التي لا تستطيع ذلك.

وبموازاة ذلك، أدى تحول جيوش العالم إلى الأنظمة المستقلة والذكاء الاصطناعي إلى تكثيف هذه الضغوط التنافسية، إذ يجب أن تكون وكالات المخابرات قادرة على استهداف أنظمة القتال الحربية المتقدمة ودعمها. وأوضح الكاتب أن الجيش الأمريكي يدير بالفعل أكثر من 11000 نظام جوي بدون طيار، وعددًا أكبر من الأنظمة الفضائية والأرضية وتلك التي تعمل تحت الماء. بالإضافة إلى ذلك، يجب على وحدات الأمن الإلكتروني الأمريكية التعامل مع ملايين البوتات المنتشرة على الشبكات العالمية، بالإضافة إلى المليارات من أجهزة إنترنت الأشياء التي تعمل أجهزة استشعار. وتتطلب هذه الأنظمة المتزايدة الانتشار أجهزة مخابرات خاصة لتشغيلها، مما يعني أنها ستصبح بمرور الوقت عملاء المخابرات الأساسيين.

وأوضح فينشي أن تحول الأنظمة المستقلة إلى أهداف استخباراتية سيكون أمرًا أكثر ثورية، إذ ستبدأ الآلات في التجسس على الآلات الأخرى وخداعها. وقد ينطوي أحد السيناريوهات المستقبلية الممكنة على تكليف نظام ذكاء اصطناعي بتحليل سؤال معين – مثل ما إذا كان الخصم يستعد للحرب – فيقوم نظام آخر، يديره الخصم، بإدخال البيانات عمدًا إلى النظام الأول لإضعاف تحليله. وقد يدرك النظام الأول الخدعة ويأخذ البيانات الاحتيالية في اعتباره، بينما يتصرف كما لو أنه لم يفعل، وبالتالي يخدع المخادع.

وأشار إلى أن هذا النوع من التجسس المتبادل كان يشكل دومًا جزءًا من العمل المخابراتي، لكنه سيدور قريبًا بين أنظمة مستقلة تمامًا. وفي مثل هذه الحلقة المعلوماتية المغلقة، يمكن أن يدور العمل المخابراتي والعمل المخابراتي المضاد دون تدخل بشري.

 كيف سيغير الذكاء الاصطناعي عالم الجاسوسية؟

ولكي نفهم ما نحن بصدده، فلنتأمل هذا المثال التوضيحي من عالم المال. تعتمد أنظمة التداول الكمي عالية السرعة على خوارزميات تستشعر التغيرات في أسواق الأسهم العالمية، وتحلل كميات هائلة من البيانات للقيام بالتنبؤات، ثم تنفذ الصفقات تلقائيًا في غضون ميكروثانية. ولا يمكن للبشر العمل بمثل هذه السرعة أو هذا النطاق. ولكي تتمكن من مواكبة المنافسة، باتت حتى أكثر شركات الاستثمار قوة تعتمد بشكل متزايد على أنظمة التداول الكمي. ولكي تتنافس وكالات المخابرات مع بعضها البعض على الأسرار، فإنها ستحتاج أيضًا وبشكل متزايد إلى الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة.

التكنولوجيا وتكييف دوائر المخابرات

يرى الكاتب أنه مع تحول الآلات إلى أهم جامعي المعلومات والمحللين والمستهلكين والأهداف المخابراتية، فإن دوائر المخابرات الأمريكية بأكملها بحاجة إلى التطور، موضحًا أن هذا التطور يجب أن يبدأ باستثمارات هائلة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المستقلة، فضلًا عن إدخال تغييرات على مفاهيم العمليات التي تُمكّن الوكالات من معالجة كميات ضخمة من البيانات، وتوجيه المعلومات المخابراتية الناتجة مباشرة إلى الآلات المستقلة. ونظرًا لأن كل شيء تقريبًا يصبح متصلاً عبر الشبكات التي تنتج شكلاً من أشكال الإشارات الكهرومغناطيسية أو البيانات، فإن مخابرات الإشارات على وجه الخصوص يجب أن تكون مركزًا لتطور الذكاء الاصطناعي، وهو ما تحتاج إليه أيضًا المخابرات الجغرافية المكانية. ومع انتشار الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار الأخرى، فإن كل شيء على الأرض سيصبح قريبًا مرئيًا في جميع الأوقات من الأعلى، وهي الحالة التي أطلق عليها مركز الأبحاث والتطوير الفيدرالي Aerospace اسم (التفرد المخابراتي الجغرافي المكاني) «GEOINT Singularity». ولمواكبة كل هذه البيانات، فإن المخابرات الجغرافية المكانية ومخابرات الإشارات ستحتاجان إلى تعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي بشكل جذري.

وأوضح الكاتب أن دوائر المخابرات الأمريكية تنقسم حاليًا إلى مهام مختلفة تجمع وتحلل أنواعًا منفصلة من فروع المعلومات المخابراتية، مثل مخابرات الإشارات أو المخابرات الجغرافية المكانية. وقد تجبر الثورة المخابراتية دوائر المخابرات على إعادة تقييم ما إذا كانت هذه التقسيمات لا تزال منطقية. وذكر أن المعلومات الكهرومغناطيسية ستظل معلومات كهرومغناطيسية، سواء كان مصدرها قمرًا صناعيًا أو أحد أجهزة إنترنت الأشياء. وأضاف أن تمييز المعلومات وفقًا لمنشأها لا يُشكل أهمية تذكر إذا لم يكن الإنسان ينظر إلى البيانات الأولية وكان بوسع نظام ذكاء اصطناعي أن يتعرف على الأنماط في جميع البيانات في وقت واحد.

كيف سيغير الذكاء الاصطناعي عالم الجاسوسية؟

وبالمثل، سيتآكل الانقسام بين المخابرات المدنية والعسكرية، لأن البنية التحتية المدنية – مثل أنظمة الاتصالات السلكية واللاسلكية – ستكون ذات قيمة مماثلة لقيمة الأهداف العسكرية مثلها مثل أنظمة الاتصالات العسكرية. وفي ضوء هذه الحقائق، فإن الفصل بين مهام المخابرات قد يعرقل العمليات المخابراتية بدلاً من مساعدتها.

وأشار إلى أن هذه الثورة المخابراتية قد تتطلب أيضًا إنشاء منظمات جديدة، مضيفًا أنه إذا كان الإنسان مثّل في وقت من الأوقات اللبنة الأساسية للمخابرات، فإن هذا التمييز انتقل حاليًا إلى الأجهزة، مثل البرامج أو أجهزة الاستشعار أو الطائرات بدون طيار ذاتية التحكم. وستركز العمليات المخابراتية بشكل متزايد على هذه الأجهزة، مما يعني أنه لن يتم التجسس على الأجهزة نفسها فقط وإنما أيضًا على المصممين والمطورين وسلاسل التوريد التي تنتج هذه الأجهزة.

واعتبر أن فهم الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الأنظمة المستقلة وسلاسل التوريد ورأس المال الاستثماري سيكون في المستقبل القريب على نفس القدر من الأهمية التي كان عليها فهم الأيديولوجية الإسلامية الأصولية في الماضي. وقد تحتاج الولايات المتحدة إلى منظمات جديدة لدراسة هذه المجالات. وعلى أقل تقدير، سيتعين عليها توسيع إدارات المخابرات الاقتصادية والتكنولوجية الحالية، تمامًا كما وسعت وحدات مكافحة الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول).

وأضاف أنه في الوقت نفسه الذي تتطور فيه دوائر المخابرات الأمريكية لتتمكن من تبني الثورة المخابراتية، سيتعين عليها الحد من قدرة خصومها على القيام بالشيء نفسه، لا سيما عن طريق إبطاء ووقف قدرتهم على التحكم في العمل المخابراتي المعتمد على الآلات.

كما ستتزايد أهمية عرقلة تصميم الخصوم وتطويرهم لأنظمة الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة، وهو ما يتطلب اتخاذ إجراءات سرية، تنفذ الآلات بعضها. على سبيل المثال، تستطيع الولايات المتحدة أن تضخ بيانات زائفة في نظام التعلم الآلي الذي يستخدمه الخصم، من أجل خداع أو رفض نظام الذكاء الاصطناعي الأكبر لدى الخصم. ولكن مثلما ستستهدف الولايات المتحدة أنظمة الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة لأعدائها، فإن أجهزة المخابرات المعادية ستستهدف الأنظمة الأمريكية. وبالتالي، يجب على الولايات المتحدة إقامة دفاعات جديدة وتبني أشكال جديدة من مكافحة التجسس. ولكي يتمكن ضباط مكافحة التجسس من المنافسة، فإنهم سيحتاجون إلى نظرة الخداع نفسها التي كانوا يعتمدون عليها دائمًا، لكنهم سيحتاجون أيضًا إلى المزيد من الخبرة الاقتصادية والتكنولوجية أكثر من أي وقت مضى. وبشكل عام، ستفرض الثورة المخابراتية التغيير على كل مستويات المخابرات، بما في ذلك المنظمات والتدريب والتكنولوجيا ومفاهيم العمليات ومكافحة التجسس.

الثورة تبدأ بالناس

 كيف سيغير الذكاء الاصطناعي عالم الجاسوسية؟
وقال الكاتب إنه على الرغم من أن جمع المعلومات المخابراتية وتحليلها ربما لا يظل مسعى بشريًّا – سواء حصري أو في المقام الأول حتى – إلا أن الهدف النهائي منه سيظل فهم الحكومات والمجتمعات والجيوش التي يديرها البشر. علاوة على ذلك، سيُدخل البشر الإبداع والتعاطف والفهم والتفكير الاستراتيجي إلى العمل المخابراتي، وهو الأمر الذي من غير المرجح أن تتمكن الآلات من مضاهاته في القريب العاجل. ونتيجة لذلك، سيظل رؤساء الأقسام وضباط الحالة والمحللون يضطلعون بأدوار هامة لفترة طويلة في المستقبل، على الرغم من أن طبيعة وظائفهم قد تتغير.

وذكر الكاتب أنه بالرغم من ذلك فإن الثورة المخابراتية قادمة، وسيتعين على دوائر المخابرات التكيف معها وتبنيها، موضحًا أن مقاومة التغيير تسببت في حدوث كوارث في الماضي. وضرب مثلاً برفض البحرية الأمريكية استبدال السفن الحربية بحاملات الطائرات قبل الحرب العالمية الثانية، مشيرًا إلى أن البحرية كان يقودها بحارة لم يستوعبوا التقدم الهائل في القوة الجوية التي من شأنها أن تسمح لليابان بشن هجوم مدمر على ميناء بيرل هاربور. وبالمثل، فإن دوائر المخابرات يديرها بشكل أساسي جواسيس بشريون قد لا يرون (أو يقبلون) دائمًا حتمية العمل المخابراتي المعتمد على الآلات. واختتم مقاله بالقول إن وكالات المخابرات يجب أن تكسر الحواجز الثقافية، وأن تستثمر في التكنولوجيا، وأن تخصص مكاتب بأكملها للذكاء الاصطناعي والعمل المخابراتي المعتمد على الأتمتة، مؤكدًا أنه إذا رفضت الولايات المتحدة التطور، فإنها تخاطر بمنح الصين أو أي خصم آخر ميزة تكنولوجية لن تتمكن واشنطن من التغلب عليها.

دولي

منذ 10 شهور
«نيويورك تايمز»: لماذا تقلل أمريكا وجودها الاستخباراتي في أفريقيا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد