قال الدكتور عمرو صلاح، وهو محلل مصري ومحاضر في كلية كارتر للسلام وحل النزاعات بجامعة جورج ميسون، في مقالٍ له على موقع «ناشونال إنترست»، إنه بعد ثلاثة أشهر من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، التقى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مع أليكسي ليخاتشيف، المدير العام لشركة «روزاتوم» النووية الروسية المملوكة للدولة. في ذلك الاجتماع، سأل بوتين، الذي كان مهتمًّا بإيرادات الشركة الخارجيَّة، ليخاتشيف: «هل زاد عدد الطلبات الأجنبية على الطاقة النووية؟» فأجاب ليخاتشيف قائلاً:

«نعم، الطلب مستمر في النمو كل عام. وسنحاول هذا العام أن نحقِّق 1.5 تريليون روبل من الدخل كل ستة أشهر. اسمح لي أن أؤكد أن هذا هو الجزء المفتوح من الدخل، لذلك سيكون إجمالي الدخل أعلى. وفي الوقت نفسه، تنمو استثماراتنا بمعدل أكبر. آمل أن نتجاوز 400 مليار روبل في نهاية العام».

وفق صلاح، فإنَّ شركة «روزاتوم» هي مصدر دخل مهم لموسكو. إنها واحدة من الموردين الرئيسيين للمفاعلات النووية في العالم. بالإضافة إلى ذلك، فهي مسؤولة عن صناعة الطاقة النووية الروسية، ووحدة الأسلحة النووية، وأسطول كاسحات الجليد التي تعمل بالطاقة النووية، ومؤسسات الأبحاث النووية. والأهم من ذلك، أنها تمثل قدرة بوتين على إنشاء وصيانة القدرات النووية للعديد من البلدان في جميع أنحاء العالم.

تدير «روزاتوم» أكثر من 300 شركة ومنظمة تشارك في جميع مراحل سلسلة إنتاج الأسلحة والطاقة النووية. وفقًا لتقريرها السنوي لعام 2020، بلغت محفظة الطلبات الخارجية للشركة لمدة 10 سنوات 138.3 مليارات دولار. شكلت إنشاءات محطات الطاقة الذرية في الخارج 89.1 مليارات دولار منهم.

تخضع المؤسسة بالكامل لسيطرة الرئيس الروسي، الذي يحدد أهدافها الإستراتيجية، ويُعيِّن مديرها وأعضاء مجلسها الإشرافي. بالإضافة إلى إمدادات الأسلحة التقليدية والمرتزقة والقاعدة العسكرية في المنطقة، يستخدم بوتين بنشاط «روزاتوم» لتوسيع النفوذ الروسي في الشرق الأوسط. تلعب الشركة دورًا رئيسيًّا في الاقتراب وإقامة علاقات أوثق مع القوى الإقليمية.

اليوم – يضيف صلاح – ثمة مقر إقليمي للشركة في دبي في الإمارات العربية المتحدة، وهي تخطط لفتح فرع في السعودية. على الرغم من العقوبات الغربية على الصادرات الروسية، لا تزال «روزاتوم» تسعى إلى زيادة عدد عملائها الإقليميين. عندما أعلن الرئيس جو بايدن فرض حظر أمريكي على واردات النفط والغاز والفحم الروسي في مارس (آذار) 2022، لم يكن هناك أي ذكر لـ«روزاتوم».

يمكن أن يُعزى هذا الإعفاء إلى اعتماد الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين على اليورانيوم الروسي، الذي شكل 14% من مشتريات اليورانيوم الأمريكية في عام 2021، و20% من واردات الاتحاد الأوروبي من اليورانيوم في عام 2020. وفرض عقوبات على «روزاتوم» بعد قطع صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا يمكن أن يؤدي إلى تفاقم أزمة الطاقة العالمية. قد تمنح هذه الحقيقة الشركة الامتياز والحرية للعمل في الشرق الأوسط.

الشرق الأوسط سوق واعدة للطاقة النووية

بعد إيران، تكشف خطط التحول إلى الطاقة النووية في مصر، والأردن، والسعودية، وتركيا، والإمارات عن طموحات للنمو الاقتصادي لمواجهة الطلب المتزايد على الكهرباء والمياه المحلاة. وتتوافق هذه الخطط أيضًا مع رغبة هذه الدول في الاكتفاء الذاتي من الطاقة، وتقليل الواردات، وتنويع مصادر الطاقة، وزيادة صادراتها.

 

Embed from Getty Images

علاوة على ذلك، هناك اعتقاد في العالم الإسلامي بأنَّ امتلاك التكنولوجيا النووية يمكن أن يضيف إلى مكانة الدولة وقوَّتِهَا على المسرح العالمي. ولعقودٍ من الزمان، كان الحلم الذي لم يتحقق لامتلاك التكنولوجيا النووية غارقًا في سردية روايات المؤامرات الغربية والإسرائيلية لحرمان العرب والمسلمين من التقنيات النووية. اليوم، لا يُلبِّي امتلاك الأسلحة النووية في الشرق الأوسط احتياجات السكان فحسب، بل يخدم أيضًا مصالح الأنظمة الاستبدادية العربية في تأكيد شرعيتها.

في السياقات غير الديمقراطية، يمكن تعويض الافتقار إلى الشرعية الانتخابية عن طريق إنشاء مشروعات وطنية عملاقة، واستخدام آلات الدعاية لتسويق إنجازات الأنظمة محليًّا. إن شركة «روزاتوم» في وضعٍ جيِّد للمساعدة في تلبية تلك الاحتياجات والاهتمامات.

ومنذ الانتفاضات العربية عام 2011، سعت روسيا إلى ترسيخ موطئ قدم لها في المنطقة. واستفادت من الصراعات الإقليمية، والفراغ السياسي الناتج من الانسحاب الأمريكي، والتوتر بين بعض الأنظمة العربية والإدارات الأمريكية المختلفة بشأن الاتفاق النووي الإيراني، وانتهاكات حقوق الإنسان. ظهرت في الأفق مرة أخرى فرصة إعادة التقرب من روسيا بوصفها فرصة للأنظمة العربية لإعادة ضبط علاقاتها مع الولايات المتحدة. كما يُحلِّل صلاح.

قد يسمح تعزيز العلاقات مع بوتين للحكومات العربية بالضغط على الولايات المتحدة وفق الحاجة. علاوة على ذلك، أكد بوتين نفسه حليفًا موثوقًا به من خلال تحقيق الاستقرار لرئيس النظام السوري بشار الأسد ومساعدته على الإفلات من العقاب، على الرغم من الضغوط الدولية. ولكن حتى قبل الانتفاضات العربية، نجحت روسيا في تحدي الغرب وأثبتت قدرتها على تلبية حاجة إيران إلى امتلاك التكنولوجيا النووية.

البداية كانت من إيران!

في عام 2005، وقَّعت إيران و«روزاتوم» اتفاقية تعاون بموجبها ساهمت روسيا في تطوير مفاعل بوشهر. ورغم أن الولايات المتحدة حثت موسكو على وقف المشروع، الذي قد يساعد في برنامج أسلحة نووية إيراني، ومرة أخرى، على الرغم من الضغوط الغربية، وقعت «روزاتوم» عقدًا مع إيران في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 لبناء مفاعلين إضافيين للطاقة النووية في بوشهر.

بدأ المشروع في سبتمبر (أيلول) 2016 ومن المتوقع أن يستغرق 10 سنوات ليكتمل. ومع ذلك، فإن طموح بوتين يتجاوز إيران المتشدِّد ليشمل لاعبين إقليميين معتدلين. واستلزم ذلك الاقتراب من مصر، وتركيا، والسعودية، والإمارات، والمغرب، والأردن. وفق صلاح.

وينوه صلاح بأنه في عام 2015 وقعت «روزاتوم» اتفاقيات مع العديد من الدول العربية، منها اتفاقية مع السعودية تتعلق بالمفاعلات الصغيرة والمتوسطة، واتفاقية أخرى قبل الاستثمار مع الأردن، والتي أُلغيت بعد ذلك بثلاث سنوات. لكن الشركة لم تستسلم، وتأمل في إقناع الأردن باستخدام مفاعلات معيارية صغيرة.

Embed from Getty Images

في النهاية، أدى تركيز «روزاتوم» على البلدان التي كانت جزءًا من مدار الولايات المتحدة إلى صيدٍ ثمين في مصر وتركيا. يلعب كلا البلدين أدوارًا مؤثرة في السياسة الإقليمية بناءً على مواقعهما الإستراتيجية والديموغرافيا والتأثير الثقافي. في عام 2015، وقعت «روزاتوم» اتفاقية مع مصر لبناء محطة للطاقة النووية في مصر بالقرب من الضبعة على ساحل البحر المتوسط ​​من خلال تقديم قرض بقيمة 25 مليار دولار من روسيا.

إن التكلفة الباهظة للاتفاقية مع مصر، التي تعاني بالفعل من ديونها الخارجية، تسلط الضوء على حاجة الحكومة المصرية إلى تعزيز مكانتها السياسية المحلية وتجاوز واشنطن، التي انتقدت النظام المصري منذ 2013 بسبب سجله الحقوقي. بعد زيارة بايدن إلى السعودية في يوليو (تموز) 2022، سافر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى القاهرة لحشد الدول إلى جانب بلاده. وبعدها بأيام قليلة، أعلنت مصر أن شركة «روزاتوم» بدأت في بناء أول مفاعل نووي مصري للاستخدام السلمي، واصفةً إياه بأنه «أكبر مشروع للتعاون الروسي المصري منذ الخمسينيات».

وفي تركيا، يستمر البناء أيضًا لما وصفته «روزاتوم» بأنه أكبر مشروع في تاريخ العلاقات الروسية التركية. يعود المشروع إلى عام 2010 عندما أبرمت تركيا عقدًا بقيمة 20 مليار دولار مع الشركة لبناء محطة للطاقة النووية، منها أربع وحدات طاقة. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2010، أنشئت شركة «أكويو» النووية المساهمة في أنقرة لتنفيذ المشروع. تبلغ نسبة حصة «روزاتوم» في «أكويو» النووية 75% تقريبًا.

بعد أربع سنوات، ناقش المحللون في واشنطن ما إذا كانت تركيا تسعى لامتلاك أسلحة نووية. جاء هذا السؤال وسط سلسلة من التدخلات التركية خارج حدودها (في سوريا والعراق وليبيا)، بالإضافة إلى خلاف مع قوى إقليمية أخرى وخلاف مع الولايات المتحدة حول قضايا متعددة، من بينها أكراد سوريا وشراء تركيا نظام الدفاع الروسي «S-400».

يشير صلاح إلى أن تركيا تواجه الآن أزمة اقتصادية. ومن ثم، فإن التقدم في برنامجها النووي قد يساعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تعزيز مكانته السياسية المحلية وتنويع علاقات بلاده بعيدًا عن واشنطن إلى لاعبين عالميين آخرين مثل روسيا. هذا الشهر، منحت «روزاتوم» شركة «TSM Enerji» عقدًا للقيام بأعمال البناء المتبقية في محطة الطاقة النووية البالغة قيمتها 20 مليار دولار التي تبنيها في أكويو في جنوب تركيا.

في عام 2017، وقع المغرب أيضًا مذكرة تفاهم مع شركة «روزاتوم»، مما فتح الباب أمام مجالاتٍ متعددة من التعاون الثنائي، ومنه مساهمة «روزاتوم» في تطوير البنية التحتية النووية، والصيانة، وتوريد المعدات لتلبية احتياجات المغرب. ومع ذلك، كما في الحالة الأردنية، فإن التعاون بين المغرب و«روزاتوم» لم يتحقَّق بعد. كان التقدم بطيئًا أيضًا في الإمارات العربية المتحدة، والتي على الرغم من احتضانها المقر الإقليمي الرئيسي لشركة «روزاتوم» في دبي وتوقيع مذكرة تفاهم في عام 2019، فقد اعتمدت على مجموعة بقيادة «كوريا إلكتريك» لبناء محطاتها النووية.

ومع ذلك – وفق صلاح – فإن روسيا ملتزمة بمزيدٍ من التعاون مع الدول العربية. ستدعم احتياجات التنمية، المتشابكة مع الديناميكيات السياسية في منطقة مضطربة، دورًا إضافيًّا لشركة «روزاتوم» في المشروعات النووية المستقبلية في الشرق الأوسط. بالنسبة لأولئك الذين يسعون إلى إعادة ضبط علاقاتهم مع الولايات المتحدة، تظل ذراع بوتين النووية خيارًا جذابًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد