قال الكاتب الصحفي جو بيني إن المساعي الروسية لتعزيز نفوذها ومكانتها في القارة الأفريقية تثير المخاوف لدى الولايات المتحدة وفرنسا.

وفي مقاله الذي نشره موقع «كوارتز»، أوضح بيني أن روسيا وقعت منذ العام 2015 اتفاقات عسكرية مع 21 دولة أفريقية وخلال العقد الماضي نمت تجارتها مع القارة إلى 20.4 مليار دولار في عام 2018 من 5.7 مليار دولار في عام 2009.

ويستضيف منتجع سوتشي قمة روسيا-أفريقيا الشهر الحالي، وهي الأولى على الإطلاق، ودُعي 50 رئيسًا لحضورها.

هل تصبح ليبيا «سوريا جديدة» بفعل التدخل الروسي؟

بولتون يحذر من الخطر الروسي

أشار الكاتب إلى أن روسيا أصبحت، بعد ضمها لشبه جزيرة القرم وفرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات عليها نتيجة لذلك، مجبرة على إيجاد شركاء دبلوماسيين جدد وأسواق أسلحة وبضائع جديدة. لافتًا إلى أن تلك الشراكة بين روسيا والقارة السمراء تثير المخاوف في واشنطن وباريس.

وأورد بيني تصريحات مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون والتي جاءت خلال بيانه عن استراتيجية الرئيس ترامب فيما يخص القارة الأفريقية في ديسمبر عام 2018، إذ قال بولتون «إن روسيا تدفع علاقاتها السياسية والاقتصادية في شتى أنحاء القارة دون الاهتمام بشكل كبير لسيادة القانون أو الحكم الشفاف الخاضع للمساءلة».

وأضاف بولتون أن روسيا مستمرة في بيع الأسلحة وموارد الطاقة مقابل الحصول على أصوات داخل الأمم المتحدة، تلك الأصوات التي تبقي الرجال الأقوياء في سدة السلطة وتقوض السلام والأمن وتتعارض مع مصالح الشعب الأفريقي.

Embed from Getty Images

وتحدث بيني عن قمة روسيا-أفريقيا، وهي الأولى على الإطلاق والتي من المزمع عقدها في 23 – 24 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي في منتجع سوتشي بروسيا والتي تمت دعوة 50 رئيسًا لحضورها، مشيرًا إلى أن مخاوف الساسة الأمريكيين تتطابق مع مخاوف وسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية «وبعض وسائل الإعلام الأفريقية»، والتي تنتقد جميعها التهديد الذي تشكله روسيا على الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وألمح إلى أن القمة، التي سيترأسها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تأتي بعد خمس سنوات من حملة دبلوماسية واقتصادية وعسكرية مكثفة، كما أن تلك القمة تتطلع لإضفاء الطابع الرسمي على عودة روسيا بصفتها لاعبًا عالميًا مهيمنًا في أفريقيا، على غرار النهج الصيني.

أوضح بيني أن منتدى التعاون الصيني- الأفريقي مؤثر جدًا في كونه مصدرًا للدعم الاقتصادي للبلدان الأفريقية، إذ حضر ضعف عدد الزعماء الأفارقة الذين حضروا الجمعية العامة للأمم المتحدة الحدث الذي استضافته بكين العام الماضي.

روسيا وأمريكا وفرنسا والصين.. استراتيجيات وأهداف واحدة

ووفقًا لبيني، فإن روسيا تأمل دون شك في علاقة مؤثرة من هذا النوع مع الزعماء الأفارقة حتى لو لأسباب مختلفة تمامًا بمعنى أنها تتطلع لتوقيع المزيد من الصفقات العسكرية، بما في ذلك تلك التي تم الإعلان عنها مؤخرًا مع نيجيريا لمحاربة جماعة بوكو حرام فضلًا عن عقود النفط والغاز والتعدين مع دول مثل مدغشقر وموزمبيق زيمبابوي والسودان وجنوب السودان.

ورأى بيني أنه مع انتهاء هذه القمة، ستكون روسيا قد عاودت الظهور بأكثر علاقاتها قوة مع القارة وذلك منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، والتي تأتي في وقت تتراجع فيه الولايات المتحدة عن الساحة العالمية كما أنها لم تقِم سياسة متماسكة تجاه القارة الأفريقية بعيدة عن التوسع العسكري.

وأشار إلى أن النظر عن كثب للأنشطة الروسية في القارة يظهِر أن أهدافها واستراتيجياتها وخططها لا تختلف عن تلك الخاصة بالولايات المتحدة والصين وفرنسا، فعلى الرغم من أن تزايد الوجود الروسي يعني على الأرجح المزيد من تداول الأسلحة، ودعمًا أكبر للأنظمة العسكرية وانتهاكات محتملة لحقوق الإنسان، فقد أدى التدخل الغربي إلى جميع تلك الأمور في أفريقيا، وعلى نطاق أوسع.

ووصف بيني أيضًا الوجود الروسي في القارة الأفريقية بالهامشي مقارنة بوجود القوى الكبرى كما أنه لا يمثل تهديدًا في الوقت الحالي للمصالح الأساسية لتلك الدول رغم أن ذلك قد يتغير.

الجزائر تستحوذ على 80% من مبيعات السلاح الروسي

واستشهد بيني بما كتبه جاكوب هيدينسكوج الباحث في وكالة أبحاث الدفاع السويدية، إذ قال إن مصالح روسيا تتشابه مع مصالح القوى الكبرى داخل أفريقيا وتنطوي على صادرات الأسلحة وواردات الموارد الطبيعية وفرض القوة.

وأضاف بيني أن روسيا عملت على تسريع حملتها الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية بالاعتماد على روابطها السوفيتية السابقة، عندما قامت بتسليح الحركات المناهضة للفصل العنصري «الأبارتايد» والحركات المناهضة للاستعمار مثل تلك الموجودة في أنجولا وموزمبيق والجزائر.

Embed from Getty Images

وتابع «في الوقت الذي تُعد فيه روسيا أكبر مورد للأسلحة في أفريقيا، فإن ما يقرب من 80% من الأسلحة التي تبيعها في القارة موجهة إلى الجزائر حليفها القديم، الذي اعتمد على المعدات الروسية منذ حرب الاستقلال ضد فرنسا في أواخر الخمسينيات».

ولفت إلى أن خطط روسيا الاقتصادية لأفريقيا تشمل صفقات النفط والغاز والتعدين والطاقة النووية المربِحة في جميع أنحاء القارة.

وفيما يتعلق بالانتقادات للنفوذ الروسي في القارة، تحدث الكاتب عن استغلال روسيا للوحدات العسكرية السرية لدعم الحكام الديكتاتوريين والرجال الأقوياء الذين لا تتم مساءلتهم عن حقوق الإنسان، وغالبًا ما تكون هذه الوحدات من المرتزِقة المرتبطة بمجموعة فاجنر، وهي منظمة شبه عسكرية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالكرملين.

ويدير مجموعة فاجنر رئيس الطهاة السابق لبوتين يفجيني بروجوزين، ويقال إن لدى المجموعة جنودًا على الأرض في جمهورية أفريقيا الوسطى والسودان وليبيا وكذلك في أوكرانيا وسوريا، لكن ووفقًا لبيني فإن استغلال المرتزِقة ليس مقتصرًا على روسيا.

وجود روسيا هامشي مقارنة بفرنسا وأمريكا

وأوضح أن الجيش الأمريكي يستعين بالمرتزِقة في كثير من الأحيان للعمل مع الحكومات العميلة في مناطق الحرب بما في ذلك التعاقد مع مجموعة بانكروفت (ومقرها واشنطن) للاستعانة بها داخل الصومال عام 2011، ورغم أن القانون الفرنسي يحظر شركات الأمن الخاصة، فغالبًا ما يعمل الجنود الفرنسيون السابقون مع مجموعات المرتزقة الأمريكية والبريطانية.

واعتبر بيني أن وجود روسيا الفعلي على الأرض لا يزال هامشيًا بشكل نسبي مقارنة بالفرنسيين والأمريكيين، رغم توقيع روسيا اتفاقيات عسكرية مع حوالي عشرين دولة. مستشهدًا في ذلك الصدد بامتلاك الجيش الأمريكي لقواعد داخل 34 دولة أفريقية وامتلاكه ما لا يقل عن 33 بعثة نشطة خلال العام 2017 وفقًا للصحفي الأمريكي نيك تيرس.

ولفت بيني إلى أن ذلك العدد يشمل القوات الخاصة التي تخوض حروبًا سريةً في ليبيا والصومال وتونس والنيجر، مع عدم وجود محاسبة من قبل الكونجرس أو الشعب الأمريكي، مشيرًا إلى أن الجيش الأمريكي قام ببناء قاعدة للدرونز «طائرات بدون طيار» بقيمة 110 ملايين دولار في النيجر إضافة إلى القوات الخاصة المتمركزة هناك والتي غالبًا ما تشارك في القتال.

أيضًا، أشار بيني إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «CIA» لديها قاعدة خاصة للدرونز شمال النيجر على طول الحدود الليبية، والتي تنفذ غارات جوية غير معلنة جنوبي ليبيا.

كما نفذ الجيش الأمريكي أكثر من 100 غارة جوية داخل الصومال منذ العام 2017 وخلصت منظمة العفو الدولية إلى مقتل 14 مدنيًا على الأقل في 5 من تلك الغارات.

وقال بيني إن: «القوات الخاصة الفرنسية تقاتل على الأرض في ليبيا ومالي وبوركينا فاسو وتشاد، كما أن لدى فرنسا شبكة عسكرية واسعة في مختلف الدول الفرانكفونية فضلًا عن أن القوات الفرنسية تحظى بوجود في جميع المطارات الرئيسية في تلك الدول».

وأوضح بيني أنه رغم عدم وجود متابعة كبيرة للعديد من الاتفاقات العسكرية الروسية، فإن هذا قد يعني أنها ربما تتحين الفرصة للانقضاض على المصالح الغربية والتصدي لها مستشهدًا بتصريحات الباحث هيدينسكوج في مقابلة حيث قال «قد ترغب روسيا أن تكون في المقدمة إذا ظهر أن هناك منافسة على صفقة، ويمكنها أن تتحرك بسرعة كبيرة عند الحاجة وهو ما حدث على سبيل المثال عام 2014 عندما استطاعت روسيا إبرام اتفاق مع نيجيريا قبل أمريكا وبريطانيا، لمساعدة نيجيريا بمعدات عسكرية لمحاربة بوكو حرام».

جرائم روسيا في أفريقيا

وقال بيني «ينصب التركيز الأكبر فيما يتعلق بالتدخل الروسي على أنشطتها في جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث يقوم جنود مجموعة فاجنر بتدريب جيش جمهورية أفريقيا الوسطى وتوفير الأمن لرئيسها، ويقال إنهم يقومون بالتنقيب عن الذهب والماس».

وأضاف أنه من المهم بمكان أن نضع في اعتبارنا أن روسيا كانت قادرة على التدخل بشكل غير قانوني في شؤون هذه المستعمرة الفرنسية السابقة، بعد ورود مزاعم اغتصاب أطفال وانتهاكات جنسية أخر ضد الجنود الفرنسيين وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، فضلاً عن فشل تلك القوات في حماية المدنيين.

وتطرق بيني للحديث عن إخفاء روسيا لحادث القتل الوحشي لثلاثة صحافيين كانوا يحققون في أنشطة مجموعة فاجنر في جمهورية أفريقيا الوسطى.

ووفقًا لتحقيق أجراه «مركز دوسيه» للتحقيق الاستقصائي والذي كان يعمل به الصحفيون ومموّل من جانب رجل الأعمال المنفي ميخائيل خودوركوفسكي، فمن المحتمل أن يكون مدربون عسكريون يعملون لدى «شركة يفجيني» بريجوزين متورطين في الحادث.

وبحسب بيني، فإن قتل الصحفيين الذين يحققون في أعمال روسيا بجمهورية أفريقيا الوسطى، يرسل رسالة مخيفة فيما يتعلق بحرية الصحافة والمساءلة. ولكن حتى عمليات القتل هذه يجب أن توضع في سياق أوسع من التهديدات المتزايدة ضد الصحفيين في السنوات الأخيرة.

وأوضح بيني أن ثلاثة صحفيين فرنسيين قُتِلوا في مناطق الحرب في مالي وأفريقيا الوسطى منذ عام 2013 واتهمت عائلات الصحفيين فرنسا بالكذب حول الأحداث وعدم تخصيص ما يكفي من موارد للتحقيقات.

ومثل الولايات المتحدة أو فرنسا أو الصين، فإن لروسيا مصالحها في أفريقيا وهي على استعداد لاستخدام وسائل غير ديمقراطية لتحقيقها، لذا فإن الأمر متروك للدول الأفريقية لاستغلال المنافسة الاقتصادية المتزايدة التي يجلبها وجود روسيا، بينما تدافع عن حقوق الإنسان وتوقِف الانتهاكات المحتملة.

من جنود سكارى إلى جيش تهابه أمريكا.. كيف يخطط جيش روسيا للمستقبل؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد