حين انتحر ثلاثة من منتقدي الاستجابة الروسية لفيروس كورونا تسببت الأخبار في قيام البعض بتوجيه اتهامات بالاغتيال. لكن من المرجح أن الظروف الحقيقية مختلفة نوعًا ما، وإن لم تكن أقل بشاعة.

كتب أوليفر كارول تحقيقًا في صحيفة «الإندبندنت» البريطانية حول أوضاع الأطباء والمسعفين الروس في ظل مكافحة جائحة كورونا، بعد انتحار أو محاولة انتحار عدد منهم بسبب ضغوط العمل والأعباء الثقيلة التي تلقى على كاهلهم.

ويستهل الكاتب التحقيق بقوله: في روسيا، كان يجب أن تكون الأخبار عن تفشي كوفيد-19 في مناطق أكثر من البلاد، إذ أصبحت روسيا بزيادة غير متوقعة في الإصابات؛ خامس أكبر دولة تضررت بالفيروس حول العالم، مع عدم وجود مؤشر على تخفيف أثر الأزمة.

ولكن بدلًا من ذلك، هيمن على عناوين الصحف في أنحاء العالم تأثير غير معتاد للفيروس في روسيا، وهو: سقوط عدد من العاملين في الصف الأول لمكافحة الفيروس من النوافذ.

وخلال ثمانية أيام من 24 أبريل (نيسان) إلى 2 مايو (أيار)، سقط ثلاثة من الأطباء والمسعفين. اثنتان منهم دفنهما زملاؤهما، وواحد يصارع في الرعاية المركزة وجمجمته مهشمة. وفي كل الحالات الثلاث، هناك دليل على صراع واضح مع سلطات المستشفيات بشأن الاستجابة لـفيروس كورونا.

استخدمت بعض وسائل الإعلام الدولية هذه المآسي في إقناع القراء بافتراض أن يكون المسعفون الروس يعملون تحت رقابة قتلة مأجورين تابعين للحكومة. لكن الكاتب يقول: إنهم بفعلهم ذلك، فإنهم يصرفون الاهتمام عن واقع أكثر ترجيحًا، وهو واقع لا يقل بشاعة عما افترضوه.

الأطباء والمسعفون يتعرضون لضغوط كبيرة

ومن خلال المحادثات مع أصدقاء وزملاء الضحايا، استطاعت الإندبندنت الخروج بصورة لأطباء يعملون في ظل ضغوط لا تحتمل. ويتعرض الضحايا للضغط من جانبين: إنهم لا يحظون بالحماية الكافية أثناء عملهم وجهًا لوجه مع قاتل غير مرئي، كما يُدفعون إلى الحافة بأيدي إدارة تشعر الخوف من ضياع المكانة والامتيازات.

Embed from Getty Images

ويلفت التقرير إلى أن روسيا لن تكون الوحيدة التي ترى أطباءها ومسعفيها يستسلمون للانتحار وسط جائحة كوفيد-19. فعبر أوروبا والولايات المتحدة، انتحر أطباء وممرضات وأطقم سيارات إسعاف نتيجةً مباشرة للفيروس. بعضهم كان خائفًا بعد الإصابة بالمرض، وتركوا خطابات انتحار عن حالة اليأس التي كانوا فيها. وكان آخرون يخشون نشر العدوى بين أناس آخرين.

ولكن في روسيا، يبدو أن مزيجًا من الشعور بالذنب والتكتم والبحث عن كباش فداء هو الذي يفاقم ضغوط العمل ومصاعبه أثناء الجائحة.

ناتاليا تسقط من الطابق الخامس

ويبدو أن البحث عن كبش فداء هو أكثر الأسباب وضوحًا في أول حالة وفاة وقعت يوم 24 أبريل. وحتى نهايتها التي جاءت قبل أوانها، كانت ناتاليا ليبيديفا مديرة خدمة إسعاف ذات خبرة تعمل في ستار سيتي، وهو موقع تدريب رواد الفضاء الذي يعد الدخول إليه مقيدًا، على بعد 15 ميلًا شرقي موسكو.

وتوفيت ليبيديفا بعد أن سقطت من الطابق الخامس في مستشفى في جنوبي شرق موسكو، حيث كانت تتلقى العلاج من كوفيد-19. وكانت في الثامنة والأربعين من العمر.

وفقًا لما ذكره الزملاء، كلف المديرون ناتاليا بالإشراف على إدخال الشخصيات المهمة المريضة بكوفيد-19 من ستار سيتي إلى المستشفيات. غير أنها أصيبت ودون وعي شكلت جزءًا من سلسلة من الإصابات التي شهدت إدخال نحو 20 شخصًا إلى المستشفيات. وأكد الزميل، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لصحيفة الإندبندنت أن المديرين ألقوا باللوم على ناتاليا لفشلها في احتواء الفيروس محليًّا. ويبدو أن هذا دفعها إلى الانتحار.

طبيبة أخرى تلقي بنفسها من الطابق الخامس

بعد يوم واحد من انتحار ناتاليا الواضح، سقطت طبيبة أخرى من نافذة مستشفى من ارتفاع خمسة طوابق. وتوفيت يلينا نيبومنياشايا (47 عامًا)، مديرة مستشفى قدامي المحاربين بالنيابة في مدينة كرانسويارسك، متأثرة بجروحها بعد أسبوع.

Embed from Getty Images

ووصف مصدر في مستشفى قدامى المحاربين المديرة باعتبارها شخصًا متفائلًا ومحبوبة من جميع موظفيها. ولكن يقال إنها لم تكن تشعر بالارتياح لخطط السلطات المحلية في استخدام المستشفى لاستيعاب حصة إضافية حددتها الرئاسة من مرضى كوفيد-19. لم تكن المستشفى مستعدة بعد لهذا التحول، وفقًا لما تعتقده يلينا، حيث لم يكن بها سوى جهاز تنفس صناعي واحد ومخزونات غير كافية من المعدات الوقائية. وحتى لحظة وفاتها، كانت الطبيبة تسعى للحصول على المعدات، وفقًا لما ذكره المصدر.

هل كان تأنيب المسؤول هو السبب؟

هناك بعض الغموض فيما يتعلق بالمحادثات التي جرت بين مديرة المستشفى، يلينا نيبومنياشايا، ووزير الصحة المحلي، بوريس نيميك. ينفي المسؤول الإقليمي أن يكون قد جري أي اتصال بينهما. ولكن مصدر الإندبندنت يصر على خلاف ذلك، وهو أن مؤتمرًا عبر الهاتف عقد قبل فترة قصيرة من سقوط يلينا ووفاتها.

وقال المصدر «لم تكن يلينا غير مستقرة ولم تظهر مخاطر انتحار واضحة، ولكن الرب وحده يعلم التهديدات والمطالب المستحيلة التي وجهت إليها. الشيء الذي نخشاه جميعًا الآن هو أن وفاتها ستسجل على أنها انتحار امرأة مضطربة العقل لم تنجح في التكيف».

الحادثة الثالثة الأكثر غموضًا

الحالة الثالثة، التي وقعت بعد أسبوع، تعد أكثر غموضًا، بحسب التقرير. سقط المسعف ألكسندر شولبوف (37 عامًا)، من الطابق الأول من مستشفى أثناء تلقيه العلاج من كوفيد-19. ويظل في العناية المركزة وبه إصابات جسمية بما فيها كسر في الجمجمة.

مرة أخرى، هناك مؤشرات على صراع من الإدارة بشأن كوفيد-19. وقبل 10 أيام من تاريخ سقوطه، سجل شولبوف فيديو مع زميله المسعف ألكسندر كوسياكين. في المقطع الذي انتشر على نطاق واسع، يظهر عاملا الإسعاف وهما يشكوان من نقص المعدات الوقائية، وفي حالة شولبوف، هناك مزاعم بإجباره على العمل وهو لديه حالة إصابة نشطة بفيروس كورونا.

استدعت الشرطة كوسياكين في وقت لاحق وجرى تحذيره من نشر «الأخبار الكاذبة» عن كوفيد-19، وهي جريمة جنائية في ظل القانون الروسي. وتراجع شولبوف عما ذكره في الفيديو في وقت ما، قائلًا إنه سجله في «حالة انفعالية».

محاولة انتحار من الطابق الأول

من المستحيل معرفة ما الذي دار في ذهن شولبوف أو في جناح المستشفى ليؤدي به إلى السقوط من النافذة. ولكن من غير المرجح أن يكون ما حدث هو حادث مدبر على وجه العموم، لأن إلقاء خصم من نافذة الطابق الأول ليست أفضل طريقة للقضاء عليه دون ترك أي أثر للجريمة. وربما تمضي أسابيع كثيرة، قبل أن نعرف ما حدث بوضوح، إذا قدر لنا أن نعرف. وقال الأقارب والزملاء إنهم طلب منهم ألا يعلقوا على الحادث أثناء إجراء التحقيق.

Embed from Getty Images

وقال رئيس اتحاد عمال عربات الإسعاف الروسي المستقل، ديمتري بيلياكوف، وهو يعمل أخصائي طب طوارئ: إنه ليس لديه شك في أن الحوادث الثلاث كانت انتحارًا أو محاولة انتحار. ولكن حتى على الرغم من ذلك، لا يمكنه قبول وفاتهم بأنه أمر عارض.

بدلًا من ذلك، يلقي بيلياكوف باللوم كله على الإدارة، ويرى أن مديري العمل يسعون إلى التعامل مع زيادة حالات كوفيد-19 في كل أنحاء البلاد، وأنهم قدموا علاقاتهم مع رؤسائهم على رفاهية الموظفين.

المديرون يسعون لإرضاء رؤسائهم بأي ثمن

وقال: «المديرون لا يعرفون ماذا يفعلون، ولذا فإنهم يتخذون كبش فداء من موظفي الدرجات المتوسطة. ولأن هؤلاء أنهكوا بسبب الجائحة، فإنهم يلقون بأنفسهم من النوافذ».

وقال بيلياكوف إن العديد من أعضاء الاتحاد اتصلوا به للشكوى من مطالب غير واقعية والعمل بدون أدوات وقاية مناسبة. وكقاعدة، ليس لأعضاء اتحاده نفوذ فيما يتعلق بظروف العمل. وغالبية عمال عربات الإسعاف في موسكو ليسوا من السكان المحليين، وفقًا لما ذكره ناشط الاتحاد، ولذا فإنهم أسرى ديون كبيرة ومدفوعات إيجار ورهن عقاري، إلى جانب نزوات المديرين. وأضاف: «لم يعلن أحد حالة الطوارئ أو ألغى مدفوعات السداد».

وأشار مسعفون آخرون إلى أن جائحة كوفيد-19 تلقي ضوءًا جديدًا على مشكلة قديمة. ويقول استشاري أمراض قلب ورئيس العناية المركزة في مستشفى رقم 29 بموسكو، أليكسي إيرليخ: إن الموت بين أطقم المسعفين والأطباء أصبح أكثر مأساوية لأن الناس «يهتمون بذلك». ويضيف «النظام لم يوضع بحيث يعمل الناس في مناخ طبيعي وصادق، وهو ما يثير حوادث مثل هذه».

قائمة تذكارية للضحايا من الأطباء

وفي غياب إحصائيات رسمية، يعد إيرليخ واحدًا من مجموعة من الأطباء الذين بدأوا في تجميع «قائمة تذكارية» بالزملاء الذين سقطوا ضحية لكوفيد-19. القائمة التي تضم أربعة مسعفين من روسيا البيضاء المجاورة، تضم 113 مسعفًا. وتشغل كل من ناتاليا ويلينا موقعي 57 و68 في القائمة.

صحة

منذ أسبوعين
«فورين بوليسي»: كيف وصلت دولة صغيرة لأقل نسبة وفيات بسبب كورونا في أوروبا؟

وقال الطبيب إنه من المحتم أن ينتحر المزيد من الأطباء والمسعفين والممرضات مع اتساع مدى الجائحة عبر روسيا خلال الأسابيع والأشهر القادمة. وأوضح أن موسكو ليست أكثر من قصة واحدة. وعندما يضرب الفيروس الأقاليم من المرجح أن تصبح الأمور أكثر سوءًا.

وقال «هناك ستجد افتقارًا للملابس والمعدات الوقائية من ناحية، ومن ناحية أخرى الافتقار إلى الخبرة والقدرة التنظيمية». وأضاف «إذا أضفت إلى ذلك الميل السرية في الأقاليم في روسيا كلما ابتعدت عن موسكو، ستكون لديك كل العناصر اللازمة لهبوب عاصفة كاملة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد