موسكو تدعم، ولا تُقوِّض، المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، حسب ما يخلُص مقال للكاتب البريطاني أناتول ليفين، الباحث البارز في معهد كوينسي لفن الإدارة الرشيدة.

يشير الكاتب في مطلع مقاله المنشور في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية إلى شيوع سردية عامة نشأت في الولايات المتحدة ومعظم دول أوروبا مفادها أن روسيا قوة «تحريفية» تسعى إلى قلب الوضع الراهن، وتحدِّي «النظام القائم على القواعد» وتعمل عمومًا بوصفها «مُفسدًا» في الشؤون الدولية وفي أراضي الاتحاد السوفيتي السابق، وهناك جزء من الحقيقة في هذا التصوُّر، بحسب الكاتب.

سلوك مختلف تجاه دول الشرق الأوسط

لكن، وحسب ما يستدرك الكاتب، هناك شيء غريب للغاية بشأن هذا التصوُّر للسلوك الروسي في منطقة الشرق الأوسط الكبير ففي هذه المنطقة وعلى مدى السنوات الـ20 الماضية، اضطلعت الولايات المتحدة في الواقع بدور المُعطِّل للوضع الراهن، في حين أثبتت المعارضة الروسية للسياسات الأمريكية إزاء القضايا الرئيسة، بعد التأمل في أحداث الماضي، أنها مُحقِّة من الناحية الموضوعية، وليس من وجهة نظر روسيا والمنطقة فحسب، بل من وجهة نظر الولايات المتحدة والغرب أيضًا.

دولي

منذ شهر
مترجم: طموح روسيا يفوق أوكرانيا وبيلاروسيا.. وهذا ما تريد موسكو تحقيقه

ومن نافلة القول إن السياسات الروسية قد صُمِّمَت لخدمة المصالح الروسية، ومع ذلك؛ فإن حقيقة أنها تتوافق، كما تبين، مع المصالح الغربية أيضًا لم يكن محض صدفة، وآية ذلك أن هذه السياسات الروسية ارتكزت على أساس تحليل أجرته السياسة الخارجية الروسية والمؤسسة الأمنية لدول الشرق الأوسط، والتي اتضح أنه تحليل صحيح في حد ذاته، وهو أيضًا قريب للغاية من تحليلات كثيرين في المؤسسة الأمريكية.

التصوُّر الروسي

ويرى الكاتب أن التحليل الروسي الأساسي عبارة عن تصوُّر يمكن وصفه بأنه مناهض للديمقراطية، ولكنه يوصف بدقة أكثر بوصفه شعورًا عميقًا بهشاشة الدول والخوف من الفوضى والحرب الأهلية، إلى جانب التشكك العميق في مشروعات التغيير الثورية السريعة. وترجع جذور هذا الموقف إلى تجارب روسيا المروِّعة في القرن العشرين. وكما أشار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لصحيفة «نيويورك تايمز» في أكتوبر (تشرين الأول) 2003 تعليقًا على نتائج غزو الولايات المتحدة للعراق، قائلًا: «لم تكن هناك ثمة مفاجأة لنا في الوضع الذي تَكَشَّف، لأننا توقعنا تطور الموقف هناك تمامًا إلى ما هو عليه الآن، كيف يمكن تصوُّر مسار مختلف للأحداث في حالة تفكيك النظام؟ وبطبيعة الحال، دُمِّرَت الدولة، كيف يمكن أن يكون الوضع بخلاف ذلك»؟

Embed from Getty Images

ووفقًا للكاتب، ربط بوتين هذا التدمير الذي أصاب الدولة العراقية، بحكمة شديدة، كما اتضح فيما بعد، بالزيادة الهائلة في «التطرف الإسلامي»:

«لم يكن نظام صدام حسين نظامًا ليبراليًّا… لكنه كافح ضد الأصوليين… والآن، لم يعد صدام موجودًا، ونشهد تسلل أعداد كبيرة من أعضاء المنظمات الإرهابية المختلفة إلى أراضي العراق».

وفي ضوء ما حدث في العراق، هل يمكن لأي شخص أن يقول إن بوتين كان مخطئًا في معارضة الغزو هناك؟ ألم يكن وضع الولايات المتحدة نفسها اليوم سيصبح أفضل لو قبلت النصيحة الروسية في 2002-2003؟

وأوضح الكاتب أن التجربة السوفيتية جعلت الروس متشككين بشدة في المشروعات الثورية الرامية إلى تغيير مجتمعات أخرى وفقًا لنموذج أيديولوجي عالمي واحد، لأن هذا هو ما حاولت الشيوعية السوفيتية تطبيقه في مختلف أنحاء العالم، ومن ثم تورَّطت روسيا في سلسلة من الكوارث المُكلِّفة، وعلى هذا فقد رأى الروس (وكانوا مُحقِّين) أن مشروع الولايات المتحدة في أفغانستان يشبه في جوانب رئيسة الجهد السوفيتي في ثمانينيات القرن العشرين، ومصيره إلى فشل مماثل.

وكما قال بوتين لصحيفة «فاينانشيال تايمز» في عام 2019 بشأن نتائج الإطاحة الغربية بدولة معمر القذافي في ليبيا:

«هل يريد شركاؤنا الغربيون أن يكون لمنطقة مثل ليبيا المعايير الديمقراطية ذاتها مثل أوروبا والولايات المتحدة؟ إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تضم أنظمة ملكية فقط أو دولًا ذات نظام مشابه للنظام الموجود في ليبيا، ومن المستحيل فرض معايير ديمقراطية فرنسية أو سويسرية قائمة وقابلة للحياة على سكان شمال أفريقيا الذين لم يسبق لهم العيش في ظروف المؤسسات الديمقراطية الفرنسية أو السويسرية، وأدَّى كل ذلك إلى الصراع والخلاف بين القبائل. والواقع أن الحرب في ليبيا لا تزال مستمرة».

ويتساءل الكاتب قائلًا: مرةً أخرى، هل أثبتت نتائج إطاحة القذافي أن بوتين كان على صواب أم خطأ؟ إن الحرب الأهلية مستمرة بالفعل حتى يومنا هذا، وقد حفَّز انهيار الدولة الليبية حركة مهاجرين جماعية عبر البحر المتوسط ​​أدَّت إلى زعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي.

تدخل روسيا في الشرق الأوسط

ولفت الكاتب إلى أن الخلافات الأمريكية الروسية في الشرق الأوسط بلغت ذروتها مع أحداث الربيع العربي عام 2011 والانتفاضات التي اندلعت في مصر وسوريا وليبيا. وتَشكَّل رد الفعل الروسي على هذه الأحداث جزئيًّا من خلال الرغبة في الدفاع عن الحلفاء القدامى للسوفيت و(في حالة سوريا) الاحتفاظ بآخر قاعدة بحرية لروسيا في البحر المتوسط.

Embed from Getty Images

لكن الأهم من ذلك، كان قلق روسيا من أن تؤدي هذه الانتفاضات إلى انتصار القوى الإسلامية «المتطرفة» وإنشاء قواعد لإحياء «الإرهاب» في روسيا، الذي أودى بحياة عديد من الضحايا الروس قبل الحرب الشيشانية الثانية وأثنائِها، وازدادت مخاوف كل من روسيا والدول الأوروبية من تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا بسبب العدد الكبير من المواطنين المسلمين الأوروبيين والروس الذين سافروا إلى سوريا للقتال، ثم حاولوا العودة إلى ديارهم.

وكما قال بوتين بخصوص التدخل الروسي في الحرب الأهلية السورية:

«رأيتُ أن التأثير الإيجابي لمشاركتنا النَّشطة في الشؤون السورية بهدف تحقيق مصالح روسيا والاتحاد الروسي سيفوق بكثير ذلك التأثير في حال عدم التدخل والمراقبة السلبية لكيفية نمو منظمة إرهابية دولية بالقرب من حدودنا. وقد تمكَّنا من الحفاظ على الدولة السورية، مهما حدث، ومنعنا حدوث فوضى هناك مثل تلك التي حدثت في ليبيا».

سلوك أمريكي مماثل

ونوَّه الكاتب إلى أن وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، هيلاري كلينتون، وصفت المعارضة الروسية لإطاحة نظام البعث في سوريا بأنها «حقيرة»، ولكن الآن هناك شيء غريب؛ يصف الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، في مذكراته «أرض الميعاد» كيف اجتمعت حكومته في يناير (كانون الثاني) 2011 لمناقشة تطور الثورة في مصر، وهل ينبغي المطالبة باستقالة الديكتاتور المصري حسني مبارك، الذي انخرط في حملة قمع وحشية ضد المتظاهرين:

وكتب أوباما: «نصح الأعضاء القدامى والأبرز في فريقي – جو وهيلاري وجيتس وبانيتا – بتوخِّي الحذر، عَرِف جميعهم ​​ مبارك وعملوا معه لسنوات، وشدَّدوا على الدور الذي لعبته حكومته منذ مدة طويلة في حفظ السلام مع إسرائيل، ومحاربة الإرهاب، والشراكة مع الولايات المتحدة في مجموعة من القضايا الإقليمية الأخرى. وفي حين أقروا بضرورة الضغط على الرئيس المصري بشأن الإصلاح، حذَّروا من أنه لا توجد طريقة لمعرفة مَنْ أو ما الذي قد يَخْلُفه».

وقال الكاتب إن تكتيكات نظام البعث في الحرب الأهلية السورية كانت أكثر وحشية من أي شيء نفَّذه مبارك، ثم مرةً أخرى، وقبل 20 عامًا، اتَّبعت إدارة بيل كلينتون، خطى إدارة جورج دبليو بوش من خلال دعم النظام العسكري في الجزائر في إلغاء نتائج الانتخابات الديمقراطية، وفي حملة وحشية ضد المعارضة الإسلامية. وكانت حسابات الولايات المتحدة المتعلقة بالجزائر متطابقة تقريبًا مع حسابات روسيا في سوريا.

خصوصية منطقة الشرق الأوسط

وشدَّد الكاتب على أن هذا لا يعني إدانة آل كلينتون أو أولئك المسؤولين والمحللين الأمريكيين الذين أعربوا عن شكوكهم بشأن ما يسمى بالثورات الديمقراطية في الشرق الأوسط، والمخاوف من أنها قد تؤدي إلى الفوضى وانتصار الإسلاميين. لقد كانت شكوكهم ومخاوفهم مبررة، كما أظهرت النتائج البائسة للربيع العربي، وذلك لأن الشرق الأوسط منطقة سياسية قاسية، وأي قوة خارجية تعمل هناك يجب أن تكون مستعدة للعمل مع بعض الأنظمة الفاسدة.

وقد كان هؤلاء المسؤولون الأمريكيون الذين نصحوا أوباما بعدم إطاحة نظام بشار الأسد في سوريا، خوفًا من أن يتولى تنظيم الدولة الإسلامية زمام الأمور، أيضًا على صواب بالتأكيد، وكذلك أولئك الذين أقنعوا اليوم إدارة بايدن بالاستمرار في العمل مع السعودية. ومع ذلك، من الصعب معرفة سبب وجوب كَيْل اللعنات لروسيا لاتباعها نهج المستشارين الأمريكيين العقلاء نفسه.

أخيرًا، لعبت العقوبات الروسية في النهاية (بعد تأخيرات طويلة باعتراف الجميع) دورًا مهمًّا في حمل إيران على توقيع الاتفاق النووي في عام 2015. لطالما دافعت روسيا عن حل وسط أمريكي مع إيران بشأن القضية النووية، ولو كانت الولايات المتحدة قد استمعت إلى هذه النصيحة في 2002-2003، لكان من الممكن أن تحصل على صفقة أفضل كثيرًا من تلك التي حصلت عليها في عام 2015، ناهيك عن أي شيء يمكن تحقيقه اليوم.

ومن المثير للاهتمام أن موقف روسيا من الاتفاق النووي والشراكة مع إيران في سوريا لم يدمِّر علاقة روسيا الوثيقة بإسرائيل، وهي العلاقة القائمة على روابط قوية مع الجالية اليهودية في روسيا، والقائمة كذلك على التزام مشترك قوي بمحاربة «التطرف الإسلامي السنِّي».

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أن الحكومات الإسرائيلية كانت تكره إلى حد كبير الدور الإيراني في سوريا، فإنها كانت تخشى أيضًا بشدة من عواقب انهيار النظام السوري، وأقرُّوا بالطبيعة المحدودة والمشروطة للتعاون الروسي الإيراني.

ويلفت الكاتب في ختام مقاله إلى أن إدارة بايدن صرحت بأنها، على الرغم من مواجهتها روسيا في قضايا معينة، ترغب في العمل مع الجانب الروسي في المجالات التي تتلاقى فيها المصالح الأمريكية والروسية. ويشير تاريخ الشرق الأوسط خلال العشرين عامًا الماضية إلى وجود أساس قوي للتعاون في هذا المجال على الأقل، ومع ذلك؛ فإن تطوير مثل هذا التعاون سيتطلب من صانعي السياسة في الولايات المتحدة الاعتراف، على الأقل أمام أنفسهم، بعدد المرات التي ثبت فيها أن روسيا كانت على حق، وأن أمريكا كانت مخطئة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد