نشر موقع «ميدل إيست آي» الإخباري البريطاني تقريرًا أعدَّه الصحافي ريحان الدين، أكدَّ من خلاله على أن الحرب الروسية على أوكرانيا لم تكن الحرب الأولى التي تنتقل معاركها إلى منصات السوشيال ميديا، كما ادَّعى بعض المنتقدين، مشيرًا إلى التأثير الذي أحدثته هذه المنصات الرقمية إبَّان حقبة الربيع العربي عام 2011.

استهل الكاتب تقريره بالإشارة إلى أنه مع مواصلة موسكو غزوها للمدن الأوكرانية، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة حرب. وأثار الصراع تساؤلاتٍ مهمة بشأن الكيفية التي تتعامل بها شركات التكنولوجيا العالمية مع التطرف، والتحريض على العنف، ونشر المعلومات المضللة، والدعاية المُغرِضة، وستتردد أصداء إجاباتها إلى ما هو أبعد من هذا الصراع.

المقاومة الأوكرانية

يُوضح التقرير أنه في الوقت الذي سعى فيه الأوكرانيون لمواجهة الغزاة الروس، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي أداة أساسية لدعم المواطنين في إيجاد وسائل للقتال والمقاومة. وشجَّع مسؤولون أوكرانيون خلال الأسبوع الماضي المواطنين على استخدام زجاجات المولوتوف ضد الجنود الروس، ونشروا معلومات تفصيلية بشأن كيفية تصنيعها. وبثَّ فولوديمير جرويسمان، رئيس الوزراء الأوكراني السابق، مقطع فيديو مدته دقيقتان وهو يُصنِّع سلاحًا يدويًّا.

دولي

منذ 11 شهر
«المونيتور»: هل يجد بوتين في الشرق الأوسط مخرجًا من العزلة الغربية؟

كما نشر الحساب الرسمي للقوات البرية الأوكراني على «فيسبوك» وصفة تصنيع المولوتوف، وهو ما فعله مجلس الدفاع والأمن القومي الأوكراني على «تويتر»، بينما نشرت وزارة الداخلية الأوكرانية وصفتها الخاصة بتصنيع المولوتوف عبر جميع منصاتها الاجتماعية. وقد تُعد سابقة أن يستخدم جيش دولة المنصات الرقمية لمشاركة الوسائل التي يُمكن من خلالها مقاومة العدوان.

ويشير التقرير إلى أن شروط خدمة «تويتر» تنص على أنه «لا يمكنك على (تويتر) التصريح بنيتك في ممارسة العنف ضد شخص ما أو مجموعة من الأشخاص»، ويشمل ذلك «التهديد بإيذاء شخص إيذاءً خطيرًا، أو ارتكاب عمل عنيف يُمكن أن يُسفر عن وفاة شخص، أو إصابته إصابة خطيرة». ولا يُوجد ما يفيد أن هذه السياسة تتغير في حالة الحرب، أو القتال دفاعًا عن النفس.

وتحث شركة «ميتا» مستخدميها على عدم نشر معلومات بشأن كيفية تصنيع الأسلحة، إلا إذا كانت مشاركة المحتوى جزءًا ترفيهيًّا للدفاع عن النفس، أو أغراض التدريب العسكري، أو ألعاب الفيديو، أو التغطية الإخبارية. وتواصلَ «ميدل إيست آي» مع «تويتر» و«ميتا» لسؤالهما عن الأسلوب المتَّبع في التعامل مع المنشورات التي تُحرِّض على العنف، ومنها وصفات تصنيع المولوتوف. وبينما صرحت «ميتا» أنه ليس لديها أي شيء آخر لتضيفه، لم ترد «تويتر» على السؤال.

تغريدة تصف منشور من «فيسبوك» سمح بنشر طريقة عمل قنابل المولوتوف

وقارن عددٌ من المعلِّقين بين الطريقة التي تتعامل بها المنصات الاجتماعية مع الفلسطينيين، الذين يستخدمون زجاجات المولوتوف لمقاومة العدوان الإسرائيلي، متسائلين هل تتعامل بالأسلوب نفسه معهم. يقول جيمس زغبي، مؤسس المعهد العربي الأمريكي: إنني «دافعتُ دائمًا عن المقاومة السلمية، ولكن لماذا يُنظر إلى الأوكرانيين الذين يستخدمون المولوتوف على أنهم أبطال، بينما قتلت القوات الإسرائيلية هذا الأسبوع شابًّا فلسطينيًّا (14 عامًا) لإلقائه زجاجة مولوتوف على مستوطنين استولوا على الأراضي الفلسطينية بغير حق»؟

ويلفت التقرير إلى أن خبيرًا في حروب المدن نشر موضوعًا على تويتر لاقى استحسانًا كبيرًا لدى المدنيين الأوكرانيين بشأن كيفية القتال ضد القوات الروسية. وتضمن الموضوع بعض الإرشادات حول أفضل المواضع لإطلاق النار بالأسلحة النارية، وطريقة استخدام المولوتوف لتدمير المدفعية، وكيفية بث الخوف في نفوس الجنود من خلال التظاهر بوجود قناصة.

وغرَّد يونا ليبرمان، مؤسس منظمة «إن لم يكن الآن» اليهودية الحقوقية، أنه إذا نُشر هذا الموضوع خلال حرب إسرائيل على غزة عام 2014، أو الغزو الأمريكي للعراق، فإن الناشر «سيدرج على قائمة مراقبة الإرهاب».

السوشيال ميديا: لقطات ومعلومات مضللة

يُؤكد التقرير أنه بينما أثبتت منصات التواصل الاجتماعي أنها مصدرٌ قيِّمٌ للمعلومات والبث الحي من أوكرانيا، فقد استُخدمت أيضًا لنشر مواد مزيفة ومضللة. ونشر الجيش الأوكراني في الأسبوع الماضي مقطع فيديو زعم أنه يُظهر طائرات تركية مسيَّرة من طراز «بيرقدار2» وهي تُدمر معدات عسكرية روسية، لكن اللقطات كانت، في الواقع، للطائرة نفسها، وهي تستهدف قوات تابعة للنظام السوري قبل عامين في محافظة إدلب. وأزيل الفيديو بعد تحقيق أجرته «ميتا» عقب تواصل «ميدل إيست آي» معها للتعليق عليه.

وتكرر الأمر بأشكال مختلفة ونُسِبت مقاطع فيديو وقعت في ليبيا، ولبنان، وفلسطين، إلى الحرب الروسية على أوكرانيا. ونُشرت لقطات قديمة للناشطة الفلسطينية عهد التميمي بزعم أنها فتاة أوكرانية تقف في وجه جندي روسي. وشاركت وزارة الدفاع الأوكرانية لقطات بزعم أنها تُظهر طائرة مقاتلة أوكرانية تُسقط طائرة حربية روسية، لكن المقطع كان في لعبة فيديو.

وقالت ليلى مشكور، المحررة المشاركة في مختبر التحاليل الجنائية الرقمية التابع لمؤسسة أتلانتك كاونسل، إنه «كما هو الحال دائمًا تقريبًا في زمن الحرب، تُصبح بيئة المعلومات عبر الإنترنت ملوثة بسرعة مذهلة. وتبدأ مقاطع الفيديو القديمة في الانتشار عبر الإنترنت، تارةً بحسن نية من بعض الأشخاص، وتارةً أخرى من خلال جهات خبيثة تسعى إلى بث الذعر والفوضى».


المقطع المتداول على أنه في أوكرانيا، ويظهر تاريخ نشره ومكانه في سوريا 2020

وأعلنت «ميتا» يوم الاثنين أنها حذفت شبكة مضللة موالية لروسيا تتكون من 40 حسابًا، ومجموعة، وصفحات مزيفة عبر «فيسبوك» و«إنستجرام». وكانت الشبكة قد استخدمت صورًا لملفات شخصية أنشأها الذكاء الاصطناعي للتنكر في هيئة مهندسي طيران ومحرري أخبار وباحثين علميين، وزعموا أنهم في كييف.

محتوى اليمين المتطرف

يُنوِّه التقرير إلى أنه عندما بدأ بوتين غزو أوكرانيا أعلن أن الهدف منه هو «نزع السلاح» و«إزاحة النازيين». وترتبط إشارات المسؤولين الروس المتكررة إلى النازيين بالعناصر القومية المتطرفة اليمينية داخل الجيش الأوكراني. وشكَّلت هذه المجموعات ونشاطها على منصات التواصل الاجتماعي معضلة كبيرة لشركات التكنولوجيا الكبرى خلال الأسبوع الماضي. إذ سمح «فيسبوك» مؤقتًا لمستخدميه بالثناء على كتيبة «آزوف» النازية الجديدة، وهي وحدة عسكرية أوكرانية حظرتها المنصة من المشاركة عليها سابقًا بموجب سياسة الأفراد والمنظمات الخطرة.

وتُتَّهم كتيبة «آزوف» التي تشكلت عام 2014 بالنازية الجديدة، وتبنِّي آراء سيادة العِرق الأبيض. ودُمجت الكتيبة رسميًّا في الجيش الأوكراني بعد بضعة أشهر من تشكيلها، وأشاد بها الرئيس الأوكراني السابق بيترو بوروشينكو. وغالبًا ما تتدرب كتيبة «آزوف» بالزي العسكري المزين برموز النازية التي كانت منتشرة إبان الحرب العالمية الثانية. ويسمح «فيسبوك» حاليًا بموجب مواد سياسته الداخلية للمستخدمين بالثناء على «آزوف» في سياق دورها في الدفاع عن أوكرانيا. ويُعد هذا أحدث مثال على تعديل «فيسبوك» لسياساته مؤقتًا بناءً على الأحداث الجارية.

أما على «تويتر»، فقد غرَّد الحساب الرسمي للحرس الوطني الأوكراني أن «مقاتلي آزوف دهنوا الرصاص بدهن الخنزير لإطلاق النار على قوات قاديروف الشيشانية». وعلى الرغم من أن التغريدة تُعد تمييزية فقد اكتفى «تويتر» بتقييد الوصول إليها، لكنه أبقاها منشورة على منصته. ومع أن التغريدة تنتهك قوانين المنصة بشأن التصرفات المحرِّضة على الكراهية، قرر «تويتر» إمكانية الوصول للتغريدة لأنها قد تكون من مصلحة الجمهور.

يستهدفون مسلمو جيش روسيا: ماذا تعرف عن ميليشيات آزوف في الجيش الأوكراني؟

مسيرة لمليشيا آزوف المتطرفة – أوكرانيا

ويستدرك كاتب التقرير قائلًا: ولكن إذا كانت «آزوف» اليمينية المتطرفة تواجه بعض القيود على «فيسبوك» و«تويتر»، فإنها تستخدم منصة «تليجرام» بحرية. وأشارت منظمة «فلاش بوينت» الاستخباراتية التي ترصد الأنشطة التهديدية على الإنترنت أن «آزوف» تستخدم المنصة لأغراض التجنيد. واتُّهمت «تليجرام» كثيرًا بأنها منصة مفضلة للمتطرفين اليمينيين بسبب دورها المحوري في أعمال الشغب التي شهدها مبنى الكابيتول الأمريكي، واستخدام الجماعات الإسرائيلية اليمينية للمنصة لتنظيم «عمليات إعدام خارج نطاق القانون» ضد المواطنين الفلسطينيين خلال العام الماضي.

حظر المنصات الإخبارية

يشدد الكاتب على أن المنصات الرقمية أصبحت على الصعيد المحلي والدولي أداةً أساسية للتحكم في سرد القصص بشأن الجهود الحربية. وتعد وسائل الإعلام التابعة للدولة أداةً رئيسة لروسيا في حرب المعلومات الخاصة بها، لكن التصعيد العسكري الأسبوع الماضي أدَّى إلى حظر المنصات الاجتماعية.

مجتمع

منذ سنة واحدة
«فورين بوليسي»: كيف يُغذِّي «فيسبوك» العنف على أساس الدين؟

وأعلن الاتحاد الأوروبي منع وسائل الإعلام الحكومية الروسية من البث. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: «لن تتمكن «روسيا اليوم» و«سبوتنيك» المملوكتان لدولة روسيا، والشركات التابعة لهما، من نشر أكاذيبهما لتبرير حرب بوتين. ونحن نعمل على ابتكار أدوات لحظر المعلومات المضللة السامة في أوروبا».

وسرعان ما بدأت المنصات الرقمية في الامتثال؛ إذ أعلن نيك كليج من «ميتا» عن حظر «روسيا اليوم» و«سبوتنيك» الروسيتين في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي على «فيسبوك» و«إنستجرام». وحذَت «تيك توك» و«يوتيوب» حذوهما. وتأخرت «تويتر» بعض الشيء، لكنها أعلنت يوم الأربعاء أنها ستمتثل لأمر الاتحاد الأوروبي.

وردًّا على ذلك فرضت روسيا قيودًا شديدة على إمكانية الوصول إلى «فيسبوك» و«تويتر» منذ اندلاع الحرب. ويحاول الكرملين الآن فرض مزيد من الرقابة على شركات التكنولوجيا الكبيرة في الداخل من خلال إجبارها على إنشاء كيانات قانونية داخل البلاد. وحذَّرت منظمات المجتمع المدني من أن هذه الخطوة ستجعل الشركات خاضعة للنظام القانوني الروسي؛ مما يُقيِّد حرية التعبير والخصوصية. وتعد هذه محاولة من موسكو للسيطرة على ما ينشر عن الحرب في الداخل.

ويختتم الكاتب تقريره باستفادة أوكرانيا من منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما الرئيس الأوكراني زيلينسكي الذي وُصف بأنه «البطل الأول في زمن الحرب». وقبل الحرب كان زيلينسكي، الممثل الكوميدي السابق، يُدرك قوة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لتوسيع شعبيته، والتحول من رئيس على الشاشة الفضية إلى رئيس حقيقي.

الرئيس الاوكراني زيلينسكي في لقطة شاشة من مقطع منشور له على «فيسبوك»

وخلال عطلة نهاية الأسبوع غرَّد زيلينسكي على «تويتر» لتوجيه الشكر إلى الرئيس التركي أردوغان على إغلاق البحر الأسود أمام السفن الحربية الروسية، لكن المسؤولين الأتراك نَفُوا اتخاذهم مثل هذا القرار، لكن يبدو أنها كانت حيلة من زيلينسكي لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإرغام تركيا على ذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد