نشرت دورية «ذا بولوتن أو نشرة علماء الذرة» مقالًا لـ علي أحمد، زميل باحث يدرس سياسة الطاقة في مشروع كلية هارفارد كينيدي لإدارة الذرة وبرنامج الأمن الدولي، حول البرنامج النووي السعودي الذي أثار تساؤلات وتعليقات كثيرة، موضحًا أن الأمر قد يكون مبالغًا فيه للغاية.

وفي بداية مقاله، أوضح الباحث أنه في خِضَم الأجواء السياسية المشحونة للغاية التي تحيط بالمبادرات النووية في منطقة الشرق الأوسط، في بعض الأحيان تكون المخاوف المشروعة مُبالَغًا فيها، إذ أن النتائج ربما تكون مُلتبِسَة ومثيرة للشكوك. وقد كان هذا هو الحال بالنسبة للمتابعة والتعليقات الأخيرة على الأنشطة النووية للمملكة العربية السعودية، والتي اتَّسَمت بقدر من «تضخيم التهديد»، على حد وصف الكاتب.

البرنامج النووي السعودي.. نتائج عكسية

وفي حين أن هناك تساؤلات مشروعة حول ما تنوي المملكة العربية السعودية فِعله في نهاية المطاف بالتكنولوجيا النووية، تتمثل حقيقة الأمر في أن المملكة لا تتحرك في الوقت الحالي لإقامة منشآت لتخصيب اليورانيوم أو فصل البلوتونيوم، والتي من دونها لا يمكن المضي قدمًا في الطريق نحو تصنيع القنبلة النووية. وأنشطة تعدين اليورانيوم التي أُمِيط عنها اللثام في المملكة بعيدة كل البعد عن مستلزمات صنع سلاح نووي.

وشدَّد الكاتب على أنه يجب على مجتمع حظر الانتشار النووي بكل تأكيد أن يكون يقظًا بشأن ما تفعله المملكة أو تخطط لفعله على الصعيد النووي. ومع ذلك، وبالنظر إلى السياق الجيوسياسي في الشرق الأوسط، يؤدي الترويج للمزاعم المبالغ فيها والمثيرة للقلق إلى وقوع نتائج عكسية وربما إلى إلحاق الضرر بالفعل بجهود منع الانتشار. وفي أغسطس (آب)، ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن المملكة أقامت منشأة سرية، بمساعدة الصين، من أجل استخراج الكعكة الصفراء من خام اليورانيوم. والكعكة الصفراء هذه عبارة عن يورانيوم طبيعي مركَّز في صورة مسحوق. وذكر التقرير أن «منشأة [استخراج الكعكة الصفراء]، التي لم يُعلَن عنها، تقع في منطقة ذات كثافة سكانية منخفضة في شمال غرب السعودية، وقد أثار ذلك مخاوف المسؤولين الأمريكيين ومسؤولي الحلفاء من أن البرنامج النووي الناشئ للمملكة يمضي قدمًا وأن الرياض تتبنى خيارًا مفتوحًا بشأن تطوير الأسلحة النووية».

هل يجب أن يخشى العالم طموح السعودية النووي فعلًا؟

وبعد مرور عدة أسابيع، نشرت صحيفة الجارديان تقريرًا يحدد احتياطيات خام اليورانيوم في المملكة -الصخور التي لا تزال تحت الأرض- مشيرةً إلى أن لديها على الأرجح ما يكفي من هذه الاحتياطيات ليُمكِّنها من إنتاج الوقود النووي محليًّا. وذكر التقرير أنه «إذا كانت المملكة العربية السعودية قادرة على استخراج ما يكفي من اليورانيوم محليًّا، بدلًا من الاعتماد على مزودين أجانب، فإن ذلك قد يُشجِّع المملكة على إنشاء برنامج أسلحة خاص بها، حسبما يقول الخبراء».

مساران محددان

ولفت الكاتب إلى أن تقارير مثل هذه تعطي انطباعًا بأن المملكة ماضية في طريق تطوير أسلحتها النووية. لكن هذا الانطباع مضلل؛ إذ حددت عشرات الدول احتياطيات اليورانيوم القابلة للاسترداد في أراضيها. وتعدين اليورانيوم، أو حتى استخراج الكعكة الصفراء، بعيد كل البعد عن كونه سلاحًا صالحًا للاستخدام.

إن هناك مسارين لصنع القنبلة. يتضمن المسار الأول استخراج الكعكة الصفراء وتحويلها من مادة صلبة إلى غازية ومن ثم تخصيبها لزيادة تركيز اليورانيوم 235 (نظير عنصر اليورانيوم )، وهو النظير الانشطاري الذي يمكن أن يساعد على تفاعل نووي متسلسل. وفي حين أن خام اليورانيوم الطبيعي في الأرض يحتوي على تركيز حوالي 0.7 في المئة من اليورانيوم 235، يتطلب اليورانيوم المُستخدَم في مفاعل الطاقة مستويات تخصيب تتراوح بين 3 و5 في المئة، ويحتاج اليورانيوم المُستخدَم في صنع الأسلحة إلى التخصيب بنسبة تصل إلى حوالي 90 في المئة. واليوم، ليس لدى المملكة العربية السعودية القدرة على التخصيب.

ويتضمن المسار الثاني إخراج الوقود الذي يستهلكه المفاعل بمجرد احتراقه ووضعه في إعادة المعالجة الكيميائية لفصل البلوتونيوم الانشطاري. ويمكن بعد ذلك تطويع هذا البلوتونيوم للاستخدام في صنع الأسلحة النووية. ولكن يجب أن نؤكد هنا مرةً أخرى على أن السعودية لا تمتلك أي مفاعلات طاقة عاملة، أو حتى قيد الإنشاء، كما أنها لا تملك القدرة على إعادة المعالجة.

آثار التنافس بين السعودية وإيران

وألمح الكاتب قائلًا: يبدو أن التنافس بين المملكة وإيران هو الذي يضع الإطار للتصور الأوسع للأخبار أو الإعلانات النووية الخاصة بالسعودية، لا سيما منذ التصريح المثير للقلق الذي أدلى به ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مارس (آذار) 2018 بأن المملكة ستسعى للحصول على أسلحة نووية إذا فعلت إيران ذلك. ومع هذا، هناك فرق كبير بين إصدار بيان سياسي جاد مثل هذا -حول سيناريو افتراضي مستقبلي- واتخاذ خطوات ملموسة نحو امتلاك أسلحة نووية.

السعودية فلسطين دول الخليج

وعلاوةً على ذلك، في حين أنه من المنطقي النظر إلى الأنشطة النووية للسعودية من منظور تنافسها مع إيران، يمكن أن تقدِّم هذه الديناميكيات نفسها أيضًا تفسيرًا للسبب وراء عدم استعداد المملكة حتى الآن للتخلي عن أنشطة تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجته، أو الموافقة على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، والذي من شأنه أن يمنح الوكالة وصولًا إضافيًّا (من أجل أعمال الرقابة والتفتيش والتحقيق) لضمان بقاء برنامج المملكة في إطار الأغراض السلمية.

موقف سياسي

واستدرك الكاتب قائلًا: لكن على عكس برنامج إيران النووي، نجد أن البرنامج النووي السعودي حتى الآن عبارة عن مجموعة من النوايا غير المتماسكة أكثر من كونه إجراءات ملموسة. وحتى إنتاج الوقود النووي لمفاعلات الطاقة محليًّا، الذي يقع ضمن إطار حقوق الدول بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، يتطلب استثمارات مالية وعلمية مستدامة في أجزاء أكثر تعقيدًا من دورة الوقود النووي. وبصرف النظر عن مفاعل أبحاث منخفض الطاقة قيد الإنشاء حاليًا، تشير جميع الأدلة المتوافرة إلى حدوث تقدم ضئيل للغاية في هذه الاستثمارات.

ولأن برنامجها في مرحلته الأوليَّة، أبرمت السعودية اتفاقية «بروتوكول كميات صغيرة» غير معدلة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما يعني أنها مُعفَاة من عمليات التفتيش الروتينية. وعلى الرغم من أن السياسة الحالية تترك الباب مفتوحًا أمام الخيارات المستقبلية وتؤجج المخاوف، إلا أنها تبدو أكبر من موقف سياسي بعدم التخلي عن الحقوق الوطنية في مواجهة برنامج نووي إيراني غير مؤكد.

وفي هذا السياق، وعلى الرغم من بعض تصريحات النفي المتحفِّظة من جانب السعوديين، فقد يرغبون في الواقع في تضخيم تهديدات أنشطتهم النووية. ويمكن أن يخدم هذا هدفين: أولًا: تعزيز الصورة الذهنية التي تفيد أن القيادة السعودية مستعدة «لتحمل المخاطر» وأنها ستقف في مواجهة قضية حسَّاسة للغاية، على عكس ما توقعه عديد من المحللين. وثانيًا: زيادة الضغط الدولي على نحو غير مباشر على برنامج إيران النووي، حيث يُنظر إلى رد الفعل السعودي على أنه مرتبط به ارتباطًا مباشرًا.

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: عند تناول الموضوع الحسَّاس الخاص بانتشار الأسلحة النووية في المنطقة، من الضروري أن نكون واقعيين ومعتدلين. وفي حين أنه من المهم الاعتراف بأن عديدًا من البرامج النووية في الشرق الأوسط قد جرى التقليل من شأنها في الماضي، فإن المبالغة في مستوى التهديد يمكن أن يكون عاملًا تصعيديًّا غير ضروري. وبعد كل شيء، كان تضخيم إدارة بوش لتهديد العراق كارثيًّا.

عربي

منذ 3 شهور
«نيويورك تايمز»: هل تساعد الصين السعودية في إنتاج قنبلة نووية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد