ما هي المسؤولية التي يجب أن تضطلع بها السلطات الحكومية وشركات التكنولوجيا الكبرى للسيطرة على انتشار المحتوى الذي يستهدف إثارة الفتن؟

كتب روبن جاكسون وهو أخصائي أمن في مجال تقنية سلسلة الكتل Blockchain وكاتب حر مقيم في نيويورك مقالًا في موقع «بيج ثنك» عن «ميمز» الإنترنت (صور طريفة تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي)، وكيف يمكن أن تفضي إلى العنف في أرض الواقع. ويسلط الضوء على الطرق الممكنة لمكافحة «ميمز» الكراهية التي تؤدي إلى العنف، والتي تحتاج إلى تضافر جهود شركات التكنولوجيا الكبرى، ووكالات إنفاذ القانون وجهات التشريع.

يقول الكاتب في مستهل مقاله: كان هناك حديث مؤخرًا عن استخدام مجموعات الكراهية المتطرفة الـ«ميمز» للتحريض على العنف في أرض الواقع، لكن الكثيرين يفضلون رفض هذه الرواية باعتبارها هستيريا. وقد يكون من الصعب تصديق أن الصور الكوميدية على الإنترنت كافية لإثارة استفزاز الناس بما يكفي لحملهم على الهجوم الفعلي، وبالنسبة لغالبيتنا، هذا صحيح لحسن الحظ.

إذا كنت تقضي وقتك على الإنترنت في تصفح وصفات توابل قرع العسل وفيديوهات القطط، فمن المحتمل أنك لست هدفًا لحملة كراهية منهجية. لكن هذا لا يعني أن هذه الحملات غير موجودة. وليس كل مستخدم لـ«فيسبوك» عرضة للتحول إلى التطرف، ولكن يتزايد الاعتراف بحرب الـ«ميمز» كعنصر مهم في الشغب المضاد للحكومة والدعاية العنصرية.

أظهرت الدراسات منذ فترة طويلة أن التعرض لمواد الكراهية يجعل من السهل على الناس أن يكرهوا ويتصرفوا انطلاقًا من كراهيتهم. إذا كان هناك جهد منظم من قبل جماعات الكراهية للتلاعب بالأشخاص عن طريق الـ«ميمز»، فيمكن أن تؤثر هذه المرئيات بالفعل على الأشخاص وتدفعهم لارتكاب هجمات عنيفة.

يسأل الكاتب: ترى ما نوع الـ«ميمز» التي استخدمت في قائمة فعاليات «فيسبوك» التي استخدمتها ميليشيا كينوشا جارد أو حرس كينوشا لتجنيد كايل ريتنهاوس؟ «أمريكي أبيض قتل شخصين وأصاب ثالثًا أثناء الاحتجاج على إطلاق الشرطة النار على جيكوب بليك في ويسكونسن في أغسطس (آب) 2020».

صحة

منذ 6 شهور
الـ«ميمز» وحمَّى السخرية من النفس.. هل هي ضارة أم مفيدة؟

يقدر العديد من مستخدمي الإنترنت المخاطر ويريدون من منصات التواصل الاجتماعي أن تفعل المزيد للحد من انتشار الكراهية عبر شبكاتهم. من «سنابشات» إلى «جاب» ومن «تيك توك» إلى «واتساب»، تغذي الـ«ميمز» الكراهية وتحرض على العنف، ويتساءل المزيد من الأمريكيين عن المسؤولية التي يجب أن تنهض بها هذه الشركات في مراقبة انتشار المحتوى الضار.

ما الذي تتضمنه «الميم»؟

Embed from Getty Images

يوضح الكاتب أن السلسلة الأخيرة من تقارير العدوى والأيديولوجيا الصادرة عن معهد أبحاث عدوى الشبكة تستفيد من التعلم الآلي لفحص الطرق التي تنتشر بها الـ«ميمز». الفكرة هي الكشف عن فهم أفضل للدور الذي تلعبه الـ«ميمز» في تشجيع العنف في الواقع.

إذًا ما هي «الميم» على وجه الدقة، وكيف أصبحت أداة لتسليح الشبكة العنكبوتية؟ صاغ المصطلح في الأصل عالم الأحياء في جامعة أكسفورد، ريتشارد دوكينز، في كتابه الصادر عام 1976 «الجين الأناني». يُعرّف دوكينز «الميم» في هذا الكتاب على أنه «وحدة بث ثقافي» تنتشر مثل فيروس من مضيف إلى مضيف وتنقل فكرة يكون من شأنها تغيير نظرة المضيف للعالم. 

يحاكي دوكينز المفهوم الذي صاغه المؤلف الأمريكي ويليام بوروز في روايته «الغداء العاري»، والذي مفاده أن اللغة المكتوبة تشبه الفيروس الذي يصيب القارئ، ثم يبني حقائق ما تلبث أن تؤتي ثمارها من خلال فعل الكلام. وبهذا المعنى يعد «الميم» فكرة تنتشر عن طريق التقليد المتكرر من شخص لآخر داخل ثقافة ما وتحمل معنى رمزيًا.

يتبع استخدام اليمين البديل (حركة أو تجمع سياسي يميني تأسس بداية على الإنترنت، ويرفض أعضاؤه السياسات المحافظة الحالية، ويتبنون سياسات متطرفة تركز عادة على أفكار القومية البيضاء) لـ«ميمز» الإنترنت هذا النمط. يجرى تصميم هذه الـ«ميمز» بعناية على وسائل التواصل الاجتماعي السرية باستخدام الرموز، قبل أن تنال استحسان المستخدمين ذوي التفكير المماثل الذين ينشرون هذه الرسائل على المنصات الرئيسة مثل «تويتر» أو «فيسبوك».

وفي بعض الأحيان تُنقل هذه الرسائل من مصادر جيدة ويجرى تغييرها لتعبر عن الكراهية. خذ على سبيل المثال الشخصية الخيالية، بيبي الضفدع، التي ابتكرها رسام الكاريكاتير مات فيوري كتعويذة للكسالى، ثم استولى عليها العنصريون وكارهو المثليين وعدّلوها، ووصل الأمر في نهاية المطاف إلى أن وصفت رابطة مكافحة التشهير هذا الضفدع بأنه رمز للكراهية عام 2016. هذا بالطبع، لم يمنع الشخصيات العامة من مشاركة أنواع مختلفة من أشباه بيبي في المنشورات الاجتماعية التخريبية.

غالبًا ما تنسق حركة سرية نشر «ميمز» الكراهية، ولذلك حتى فهم هذه الـ«ميمز» وتقبلها من جانب مستخدمي الإنترنت ووسائل الإعلام يُعد انتصارًا لثقافة ثانوية تفتخر بقدرتها على التصيد.

سلندرمان وبوجالو بوا 

يوضح الكاتب أن هذه الأنواع من الـ«ميمز» تسلك طريقًا صعبًا للانتقال من ظلال الإنترنت إلى الاتجاه العام، والتقاط مؤيدين على طول الطريق، بما في ذلك أولئك الذين هم على استعداد لارتكاب جرائم مروعة.

كيف تثير «ميمز» التواصل الاجتماعي العنف في العالم الحقيقي؟

تمتد هذه الظاهرة إلى ما هو أبعد من السياسة، خذ على سبيل المثال سلندرمان الذي ولد كشخصية غامضة لقصص الرعب عبر الإنترنت، وحقق شعبية سائدة وحاز أتباعًا أشبه بأتباع الطائفة الدينية. عندما حاولت فتاتان طعن صديقهما حتى الموت لإثبات أن سلندرمان حقيقي في عام 2014، أصبحت قوة «الميم» في إثارة العنف حديثًا على المستوى الوطني.

وقال فيكتور سيرج، مبتكر سلندرمان لموقع «نو يور ميم» أنه لم يعتقد أبدًا أن الشخصية ستنتشر إلى ما يتجاوز منتديات موقع Something Awful. وأوضح قائلًا: «تتطلب الأسطورة الحضرية جمهورًا جاهلًا بأصل الأسطورة. فهي تحتاج إلى حسابات يد ثالثة ورابعة (أو أكثر) لا يمكن التحقق منها لإدامة الأسطورة». وأضاف: «ولكن على الإنترنت، يستطيع أي شخص أن يطلع على أصولها كما يتضح من موضوع Somethingawful المشهور جدًا. ولكن المضحك أنه لم يزل ينتشر، على الرغم من ذلك. «ميمز» الإنترنت صعبة، ولكن إذا صنعت واحدًا منها في المكان والزمان المناسبين يمكن أن تتضخم لتصبح «أسطورة الإنترنت الحضرية».

ويردف الكاتب قائلًا: في حين أن سلندرمان شخصية خيالية واضحة، إلا أن الـ«ميمز» السياسية تمضي في طريق دقيق ومتقن. وبالمثل حفزت أتباعًا مهووسين لارتكاب هجمات في الواقع.

خذ على سبيل المثال حركة بجالو. هذه الميليشيا المتطرفة لها جذور قوية على الإنترنت وتستخدم الـ«ميمز» للتحريض على التمرد العنيف والإرهاب ضد الحكومة ومؤسسات إنفاذ القانون. ولدت بجالو في الزوايا المظلمة للإنترنت، وهي الآن بارزة على منصات الإنترنت الرئيسة مثل «فيسبوك» و«إنستجرام». ويتشارك متابعو بجالو كيفية صنع المتفجرات والأسلحة النارية بصور ثلاثية الأبعاد، وينشرون الرسائل المشفرة والدعاية العنيفة.

يبدو أن نوايا بجالو ذات شقين: تجنيد متابعين جدد وإيصال المعلومات التكتيكية إلى الأعضاء الحاليين. وبينما يعد العثور على المزيد من الأشخاص لتبني أيديولوجيتهم هو أحد الأهداف، إلا أن هناك احتمالًا قويًا لاستخدام «ميمز» بجالو ورسائلها في تحفيز الخلايا النائمة على اتخاذ إجراءات عنيفة.

بجالو ليست وحدها في هذا الشأن حيث ينتشر استخدام الـ«ميمز» من قبل مجموعات مثل براود بويز اليمينية المتطرفة، التي تعمل على أيديولوجية تتكون من العنف الرمزي والجسدي، في جميع أنحاء أمريكا، خاصة منذ بداية جائحة فيروس كورونا.

فهم التلقين الرقمي

يذكر الكاتب أن معهد أبحاث عدوى الشبكات «NCRI» يستخدم تحليل البيانات المتقدم لفضح الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي. يعمل علماء المعهد مع خبراء في مركز مكافحة التطرف التابع لرابطة مكافحة التشهير لتتبع دعاية الكراهية على الإنترنت وتقديم إستراتيحيات لمكافحة هذه الظاهرة.

Embed from Getty Images

ومن خلال فهم أفضل لكيفية نشر الـ«ميمز» لدعاية الكراهية، يساعد المعهد أجهزة إنفاذ القانون وشركات التواصل الاجتماعي والمواطنين على تحسين قدراتهم في منع تحول الثرثرات التي تدور حول العنف على الإنترنت إلى فعلٍ ملموس في أرض الواقع.

ووجد معهد أبحاث عدوى الشبكات الذي أسسه الدكتور جويل فنكلشتاين من جامعة برنستون، أن انتشار الكراهية عبر الإنترنت يمكن فحصه باستخدام نماذج وبائية عن كيفية انتشار الفيروسات، وتطبيقها على اللغة والأفكار فحسب، مثلما تخيل بوروز منذ عقود.

الآن بعد أن ألغى الإنترنت حاجة الناس للاجتماع شخصيًا أو التواصل بشكل مباشر، أصبح تجنيد أعضاء الجماعات العنيفة ونشرهم أسهل من أي وقت مضى.

قبل وسائل التواصل الاجتماعي، كما يذكرنا فنكلشتاين، كان تنظيم جماعات الكراهية السرية أكثر صعوبة. ويقول: «يجب أن يكون لديك منظمة تجمع الأشخاص المهتمين وتدرّبهم وترعاهم. ولكن مع تقدم الإنترنت، يمكن لهؤلاء الأشخاص أن يجدوا بعضهم البعض، ما تفتقر إليه من العمق تعوضه في الوصول إلى الأفراد. يمكن أن تحدث الظاهرة برمتها من تلقاء نفسها دون أي أثر لأي شخص يجرى إعداده».

هل يمكن عمل أي شيء؟

يقول الكاتب أن الـ«ميمز» تولّد هستيريا، من خلال كونها فاحشة بما يكفي ليشاركها الناس بمن فيهم وسائل الإعلام الرئيسة. هذه إستراتيجية ملموسة تسمى «التضخيم». تمكن اليمين البديل من الوصول إلى الجماهير بـ«ميمز» التفوق العنصري، حتى أثناء إدانة هذه الرسائل.

ينتشر المحتوى كانتشار الفيروس، سواء كان من ينشرونه يدعمون الأيديولوجية المضمنة أم لا، مما يجعل من الصعب التدخل ومنع العنف الذي تحرض عليه الـ«ميمز».

Embed from Getty Images

قد يقوم بعض الأشخاص بدون قصد بتوسيع انتشار الرسائل المصممة لنشر العنف، معتقدين أن «ميمز» مثل ACAB أي (جميع رجال الشرطة أوغاد) غير ضارة وأنها تحمل روح كوميديا سوداء إلى حد ما.

إذًا ما الذي يمكن فعله بشأن حروب الميم، وما هو العبء الذي يقع على كاهل سلطات تطبيق القانون وشركات التكنولوجيا الكبرى؟

ينقل الكاتب توصيات فنكلشتاين باتباع نهج ثلاثي الأبعاد لمكافحة نتائج العنف للـ«ميمز» التخريبية.

1 – الدفع باتجاه حدود أكثر صرامة لتحديد الكياسة عبر الإنترنت باستخدام التكنولوجيا.

2 – تثقيف المحاكم والمشرعين والمؤسسات المدنية حول كيفية عمل المجتمعات المتطرفة عبر الإنترنت ووضع معايير صناعة أفضل لتنظيم هذه الجماعات.

3 – جعل الحكومة الفيدرالية، بما في ذلك مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي، على اطلاع كامل على الواقع الجديد حتى يتمكنوا من التدخل عند الضرورة.

يستدرك الكاتب: لكن لا يعتقد الجميع أن شركات التكنولوجيا الكبرى، أو شركات القانون لديها الكثير من الأسباب التي تحملها على اتخاذ موقف واضح في مكافحة الكراهية التي تتفشى كالفيروسات؛ إذ لم تقطع شركات التكنولوجيا شوطًا طويلًا في فرض معايير أكثر صرامة للمحتوى عبر الإنترنت، لكن بعض الشركات تغلق الحسابات المرتبطة بمواقع قادة المتطرفين وتحركاتهم.

لكن هذا يبدو إلى حد كبير كمحاربة طواحين الهواء. وربما يكون انتشار الـ«ميمز» التي تروّج بقوة لأيديولوجيا ما عبر الإنترنت أكبر من أن تكافح دون الحد بشكل كبير من حرية التعبير على الإنترنت. وكان «فيسبوك» و«يوتيوب» قد حظرا الآلاف من ملفات التعريف، ولكن لا توجد طريقة لمعرفة العدد المتبقي أو العدد الذي يضاف كل يوم. هذا يترك خطر تحول ال«ميمز» إلى الراديكالية والتسلح كامنًا تحت السطح حتى ونحن نتجه إلى الانتخابات.

ما الذي يمكن أن نخسره

جرى تمكين بجالو وغيرها من الجماعات المثيرة للفتنة من خلال الأزمات الأخيرة، بما في ذلك الجائحة والاحتجاجات المناهضة للعنصرية التي تجتاح البلاد. إذ يظهر المزيد من أعضاء هذه الجماعات في الاحتجاجات المناهضة للحجر الصحي وهم يعطلون التجمعات الأخرى، والتغطية الصحفية التي يحظون بها – بما فيها هذا المقال – تجذب المزيد من الانتباه إلى رسائلهم العنيفة.

يختم الكاتب بالقول: تستمر الـ«ميمز» المتطرفة في الانتشار، بينما تتجه أمريكا إلى صناديق الاقتراع وسط جائحة عالمية واضطراب مدني واسع النطاق، ومن المنطقي أن المزيد من الدماء ستراق. فلاشك أن السيطرة على «تويتر»، وتضييق القبضة على نشر الكراهية، وإغلاق الجماعات، التي يتمثل هدفها الوحيد في زرع بذور الوحشية، هو أمر جوهري، ولكن السؤال الوحيد الذي يبقى: كيف يمكن القيام بذلك؟

علوم

منذ 3 سنوات
السلطة والسخرية.. لماذا يخشى الحكَّام من الكوميديا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد