كتبت إيما برايس، صحافية مستقلة مقيمة في لندن وتكتب عن البيئة وتغير المناخ، مقالًا نشره موقع «لايف ساينس» حول التطورات التي مرت بها عملية التخدير الطبي منذ عصور غابرة إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن.

وفي مطلع مقالها، تذكر الكاتبة أنه في عام 1811، خضعت الروائية الإنجليزية فاني بورني لعملية استئصال للثدي دون حتى جرعة من الويسكي لتخفيف الألم، وتتذكر في الرسائل التي كتبتها إلى أختها بعد العملية، فتقول «أطلقتُ صرخة استمرت دون انقطاع طوال فترة الاستئصال، وتعجَّبتُ تقريبًا أن وَقْعَها لم يرن في أذني حتى الآن، كم كان الألم موجعًا». وفي الواقع، فقدتْ بيرني الوعي مرتين من آلام الجراحة، ويرجَّح أن فقدان الوعي هذا كان أمرًا مستحسنًا لكي ترتاح من آلام الجراحة.

وأُجريت جراحتها في وقت كان التخدير الجراحي لا يزال في مهده، والخيارات المحدودة الموجودة يمكن أن تكون غير موثوقة وخطيرة، قال توني وايلدسميث، أستاذ التخدير الفخري في جامعة دندي في أسكتلندا، إن الحكايات التاريخية مثل حكايتها تكشف «كم كانت الجراحة مثيرة للاشمئزاز قبل التخدير».

علوم

منذ سنة واحدة
ثورة في صناعة الأدوية.. تعرَّف إلى الإنجاز الحاصل على نوبل للكيمياء 2021

ولا شك أن مواجهة مثل هذا الألم تعد كابوسًا. واليوم، أصبحت أدوية التخدير عنصرًا أساسيًّا في الطب، وتتألف من مجموعة من الأدوية التي لا تستخدم فقط لإدارة الألم ولكن أيضًا لتهدئة العضلات ومساعدة المريض على الغياب عن الوعي، وسيتلقى عديد من الأشخاص، في مرحلة ما من حياتهم، هذه الأدوية – سواء كانت مخدرًا موضعيًّا لتخدير اللثة لدى طبيب الأسنان، أو تخديرًا عامًا لإزالة اللوزتين.

لكن كيف كان الأطباء يجرون الجراحة قبل التخدير؟ يكشف الجواب عن تاريخ فظيع ومؤلم وأحيانًا مشكوك فيه بحسب وصف التقرير.

التخدير والألم على مر العصور

توضح الكاتبة أن التخدير كما نعرفه اليوم هو اختراع جديد نسبيًّا، ولكن لقرون، كنا نبحث عن طرق لتسكين الألم الشديد، وبالعودة إلى القرن الحادي عشر الميلادي، هناك تقارير عن أطباء استخدموا إسفنجات مبللة بالأفيون وعصير الماندريك مع المرضى لدفعهم إلى النوم استعدادًا لعملية جراحية، ولتخفيف الألم الذي يتبعها.

Embed from Getty Images

وتصف المخطوطات الممتدة من العصور الرومانية إلى العصور الوسطى وصفة لمزيج مهدئ يسمى دويل (dwale)، وكانت الصبغة المصنوعة من مزيج مسكر من العصارة الصفراوية للخنزير والأفيون وعصير الماندريك والشوكران والخل، تُخمَّر «لجعل الرجل ينام بينما يقوم آخرون بإجراء جراحة له». ومنذ القرن السابع عشر فصاعدًا في أوروبا، أصبح الأفيون واللودانوم (الأفيون المذاب في الكحول) من مسكنات الألم الشائعة.

لكن هذه الأدوية كانت بدائية وغير دقيقة ويمكن أن تكون خطيرة، يمكن أن يكون الشوكران مميتًا، والأفيون واللودانوم يسببان الإدمان، والماندريك بجرعات عالية يمكن أن يسبب الهلوسة، ومعدل ضربات قلب غير طبيعي، والموت في بعض الحالات.

وعلى خلفية هذا المشهد الطبي القاسي، عندما كان على الجراحين إجراء عمليات الجراحية، غالبًا ما كانت الطريقة الأكثر منطقية التي استخدموها هي أن تكون سريعًا ودقيقًا قدر الإمكان، قال وايلدسميث لـ«لايف ساينس» إن الكفاءة والدقة أصبحتا تحت ضغط الوقت مقياسًا لمهارة الجراح.

لكن الجراحين اقتصروا على العمليات الأقل تعقيدًا. على سبيل المثال، قبل ظهور التخدير الجراحي في أوروبا والولايات المتحدة في منتصف القرن التاسع عشر، كانت العمليات الجراحية العالية الخطورة مثل العمليات القيصرية وبتر الأطراف في هذه المناطق أقل شيوعًا مما هي عليه اليوم، بسبب المهارة والمخاطر التي تنطوي عليها والألم الشديد الذي لا يمكن السيطرة عليه. وقال وايلدسميث: «هناك عمليات كثيرة لم يَصِفها الأطباء، لأنه لم تكن هناك القدرة على القيام بها».

وكان طب الأسنان أحد أنواع الجراحة القليلة الشائعة نسبيًّا خلال هذه الفترة، لأن الألم والمخاطر التي ينطوي عليها كانت الأقل بين أنواع الجراحات، وعلى الرغم من ذلك لم يُقبل المرضى على هذه العمليات أيضًا، وقال وايلدسميث: «جرِّب وضع نفسك في هذا الوضع؛ تشعر بألم، لكن ألم تخفيفه سيكون أسوأ منه».

طرق مشكوك فيها

وتلفت الكاتبة إلى أنه بينما كان الجراحون يسعون إلى طرق جديدة للقيام بعملهم، ظهرت بعض الأساليب غير العادية، وكان أحد هذه الأساليب الضغط على الشرايين لجعل الشخص فاقدًا للوعي، أو على الأعصاب لإحداث خَدَر مفاجئ في الأطراف.

Embed from Getty Images

وربما تعود التقنية الأولى إلى اليونان القديمة، حيث أطلق الأطباء على شرايين العنق اسم «الشرايين السباتية»، وهي كلمة ذات جذر يوناني تعني «الصعق» أو «الخَدَر». قال وايلدسميث: «لذلك، هناك دليل على أنهم استخدموها أو عرفوا أن ضغط الشرايين السباتية سيؤدي إلى فقدان الوعي»، غير أنه لا يوجد ما يشير إلى أن هذه الطريقة قد جرى تطبيقها على نطاق واسع، وربما لسبب وجيه.

وفي عام 1784، حاول جراح بريطاني يُدعى جون هانتر ضغط الأعصاب عن طريق وضع عاصبة على طرف المريض والتسبب في إصابته بالخَدَر، والمثير للدهشة أن الأمر نجح: فقد تمكن هانتر من بتر أحد الأطراف، ويبدو أن المريض لم يشعر بأي ألم.

وهناك تقنية أخرى للتحكم في الألم وهي «التنويم المغناطيسي»، وجمع هذا الاعتقاد العلمي الزائف عناصر التنويم المغناطيسي مع النظريات القائلة بوجود سائل شبيه بمجال القوة لدى البشر يمكن التلاعب به بالمغناطيس. ويعتقد مخترع هذه التقنية، الطبيب النمساوي فرانز أنتون ميسمر، أنه من خلال التحكم في هذا السائل المرن، يمكنه وضع المرضى في حالة من الحياة المعلقة، ليكونوا غافلين عن آلام الجراحة.

واكتسبت هذه الممارسات العلمية الزائفة قوة جذب حقيقية، وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، انتشر التنويم المغناطيسي في أجزاء أخرى من أوروبا والهند، واستخدمه الجراحون لإجراء عمليات جراحية على المرضى، وفي عدة حالات، ورد أن المرضى لم يشعروا بالألم، وأصبح التنويم شائعًا جدًّا، حيث أنشئ عديد من «مستشفيات التنويم المغناطيسي» في لندن وأماكن أخرى.

لكن الجراحين بدأوا في التشكيك في هذه الأساليب واتهام المؤيدين بتضليل الجمهور، وتلا ذلك تنافس، وفقد التنويم المغناطيسي مصداقيته، ومهَّد هذا الطريق لمرشحين جدد وأكثر وعدًا بتسكين الآلام والتخدير: سلسلة من الغازات المستنشقة التي كانت، بحلول منتصف القرن التاسع عشر، مهيأة لتدشين حقبة جديدة من التخدير الحديث.

من العلوم الزائفة إلى التخدير الحديث

وتضيف الكاتبة أنه في الفترة التي سبقت منتصف القرن التاسع عشر، ازداد اهتمام العلماء والجراحين بالاستخدام السريري لمركب عضوي حلو الرائحة يسمى الإيثر، يُصنَع عن طريق تقطير الإيثانول مع حمض الكبريتيك، وفي القرن السادس عشر، اكتشف الأطباء الذين جرَّبوا المادة الغامضة أنها يمكن أن تخدِّر الدجاج.

Embed from Getty Images

وفي عام 1846، أجرى جراح أسنان أمريكي يُدعى ويليام مورتون عملية علنًا أعطى خلالها المريض الإيثر الغازي ثم أزال ورمًا من رقبته دون ألم، وكان هذا أول دليل سريري على أن الاستخدام الدقيق لهذا الغاز يمكن أن يسبب فقدان الوعي ويخفف الألم.

وفي عام 1848، أثبت الجراحون أن مركبًا آخر يسمى الكلوروفورم، يمكن أن يخفف الألم بنجاح أثناء الولادة والعمليات الجراحية الأخرى، وأعطى الأثير والكلوروفورم للجراحين مزيدًا من التحكم في حالة مرضاهم، لأنه من خلال التحكم في آلام المريض وإرسالهم للنوم، فقد وفَّر للجراح مزيدًا من الوقت لإجراء الجراحة ومن ثم القيام بذلك بدقة أكبر، ولم يعد يستخدم أي من الغازين جراحيًّا الآن، ولكن كلاهما وضع الأساس لتطوير عقاقير أكثر أمانًا وفعالية حوَّلت التخدير إلى فن دقيق اليوم.

تاريخ وفلسفة

منذ 3 سنوات
غير الحشيش والأفيون.. ما الذي كان يستخدمه البشر قديمًا للـ«كيف»؟

واستذكر وايلدسميث لوحة زيتية تعود للقرن الثامن عشر تظهر رجلًا يشهق من الرعب وهو يخضع لعملية بتر، وقال وايلدسميث: «إنها تصور بصدق، من خلال النظرة على وجه المريض، كم كان الأمر مروعًا أن يكون المريض دون تخدير». وتختتم الكاتبة مقالها بالقول: قد يكون تاريخ التخدير مليئًا بالتجربة والخطأ، لكن أي شخص تطأ قدمه المستشفى يمكن أن يكون ممتنًا لأنه ابتعد عن الحقائق الكابوسية لتلك اللوحة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد