عبَّر رايان بول، محلل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز «ستراتفور» عن خشيته من أن يُؤدي تطبيع العلاقات مع النظام السوري بقيادة بشار الأسد إلى استمرار دائرة الصراعات في الشرق الأوسط، وترسيخ الحكم الاستبدادي بطبيعة الحال.

وفي مطلع مقاله، الذي نشره مركز «ستراتفور» الأمريكي للدراسات الإستراتيجية والأمنية، يدق الكاتب ناقوس الخطر بشأن ما يحدث مؤخرًا من تزايد أعداد الدول العربية التي تُعيد إحياء العلاقات مع حكومة نظام الأسد بعد عقد من الحرب الأهلية والمحاولات الفاشلة للإطاحة به، ومع خروج دمشق تدريجيًّا من العزلة، فمن الخطر أن تنظر الأنظمة الحاكمة غير الديمقراطية، وجهات أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى ما حققه الأسد من «انتصار» بوصفه دليلًا على أن القوة خيار مناسب جدًّا لقمع التهديدات التي تحيق بأنظمتهم الحاكمة، وعلى الرغم من أن هذا النهج قد يؤدي إلى اندلاع حرب دموية ومدمرة، فإنه يمكن تحقيق الانتصار في هذه الحرب بالتعاون مع الحلفاء المناسبين.

يقول الكاتب: يبدو فعليًّا أن الأمر بات مسألة وقت فحسب حتى تلجأ إحدى الدول أو الجهات الأخرى إلى استخدام الحرب الأهلية السورية بوصفها نموذجًا، وليس مجرد تحذير، لمواجهة التمرد الشعبي القادم حتمًا، خاصةً أن شعوب المنطقة تعاني منذ مدة طويلة من انعدام المساواة الاقتصادية والصراعات الطائفية، وتعيش تحت سيطرة أنظمة استبدادية يتغلغل فيها الفساد بعمق وتعاني من سوء إدارة شؤون البلاد.

الأوضاع على المحك

يُوضح المقال أنه من بين جميع انتفاضات الربيع العربي التي بدأت في عام 2011، بدت سوريا أنها الأكثر استعدادًا لتغيير الطريقة التي تدير بها الأنظمة في المنطقة شؤون بلادها، وعلى عكس الدول الأخرى التي شهدت احتجاجات شعبية عارمة مناهضة للحكومة إبَّان ذلك الوقت (مثل مصر وتونس)، كانت سوريا الدولة الأمنية العربية العَلَوية، التي تحكمها المخابرات (الشرطة السرية).

وكان يُنظر على نطاق واسع إلى ما سيحدث في دمشق على أنه «دليل على الانقلاب» على عقود من وسائل إعادة التنظيم الداخلي واختبارات الولاء التي ابتكرتها عائلة الأسد الحاكمة، ولم تكترث روسيا، المورِّد الرئيس للأسلحة لنظام الأسد، بحقوق الإنسان ولم تهتم كثيرًا بحليفها الإقليمي الرئيس، إيران؛ وعلى هذا النحو، بدَت حكومة الأسد محصَّنة ضد أي ضغوط شعبية، ناهيك عن التمرد، لأنه بمقدورها استخدام القوة كما يحلو لها.

Embed from Getty Images

ويشير المقال إلى أنه لو كانت قد نجحت أي انتفاضة من انتفاضات الربيع العربي في الإطاحة بهذا التصور التقليدي السائد، لأدَّى ذلك ليس إلى انهيار الدولة البوليسية في سوريا فحسب، بل والتخلص من الأنظمة الاستبدادية في المنطقة بوجهٍ عامٍّ؛ ومع ذلك، إذا لم يتمكن الأسد من السيطرة على المعارضة المسلحة، من خلال استخدامه للأسلحة الكيماوية وجنوده المتطرفين على ما يبدو، والدعم الذي حصل عليه من روسيا وإيران، فما مدى فرص نجاة الحكومات الأقل تشددًا بتعاونها مع مزيد من الحلفاء المهتمين بحقوق الإنسان (مثل الولايات المتحدة وفرنسا)؟ حسبما تساءل المقال.

وبدلًا من ذلك، تحولت احتجاجات الربيع العربي في سوريا إلى سنوات من الصراع المسلَّح والحرب الأهلية، وعندما بدأت القوات الجوية الروسية والميليشيات المدعومة من إيران في تغيير اتجاه المد العسكري لصالح الأسد بعد عام 2015، يشير المقال إلى أن العالم تعلَّم درسًا جديدًا مفاده: أنه قد يكون النصر حليف أحد الأطراف في مثل هذه الحرب الأهلية الوحشية، لكنه لا ينعم بالسكينة أو السلام، وأن اتباع الأساليب المتشددة لمواجهة الاضطرابات قد تحقق نصرًا، ولكن مقابل تكاليف باهظة.

ويوضح المشروع الملحمي لإعادة الإعمار في سوريا، الذي تُقدر تكلفته بما لا يقل عن 500 مليار دولار (أكثر من ثمانية أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لسوريا قبل الحرب والذي كان يبلغ 60 مليار دولار في عام 2010) أن نظام الأسد بحاجة إلى كميات هائلة من المساعدات لإعادة بناء الدولة التي مزقتها الحرب، لكن العقوبات الأمريكية والأوروبية، التي فرضها قانون قيصر الأمريكي لحماية المدنيين السوريين في عام 2019، بدَت وكأنها تعيق عملية إعادة الإعمار إلى الأبد، تاركةً نظام الأسد يحكم بلدًا يُخيِّم عليه ظلام دامس، حيث لا تحظى المدن المتضررة بالكهرباء سوى لساعات قليلة يوميًّا، ويعاني أنصار النظام حتى من الازدحام في طوابير طويلة من أجل الحصول على الوقود والأدوية.

ويستدرك كاتب المقال قائلًا: لكن هذا الافتراض القائل إن قانون قيصر سيؤدي إلى إعاقة عملية إعادة الإعمار في سوريا بات يكتنفه الشك حاليًا على ما يبدو، مع بدء كلٍّ من الإمارات والأردن ومصر والبحرين في تطبيع العلاقات مع النظام السوري بطريقةٍ إيجابية أو سلبية في الأسابيع الأخيرة، على الرغم من قانون العقوبات الأمريكي الصارم الذي ركز على حقوق الإنسان.

وأوضح المقال أن الإمارات أخذت  زمام المبادرة في هذا التوجه، إذ تعهدت بإنشاء محطة للطاقة الشمسية في سوريا بعد وقتٍ قصيرٍ من زيارة وزير خارجيتها إلى دمشق في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي؛ كما أعاد الأردن فتح حدوده مع سوريا في سبتمبر (أيلول)، وأعادت البحرين في ديسمبر (كانون الأول) تعيين سفيرها في سوريا لأول مرة منذ عشر سنوات؛ وفي الوقت نفسه، كانت مصر تسعى بنشاطٍ من أجل عودة سوريا للانضمام إلى جامعة الدول العربية بعد تعليق المنظمة الإقليمية عضويتها في عام 2011.

هل تعاقب أمريكا المطبِّعين مع النظام السوري؟

يلفت المقال إلى أن جميع هذه الدول حلفاء مقربون للولايات المتحدة وعادةً ما تكون حذرة من إثارة غضب واشنطن وعقوباتها، لكن يبدو أن هذه الدول قدَّرت أن الولايات المتحدة لا تريد وقوع خلافات مع شركائها الإقليميين بشأن سوريا، الدولة التي لا تهتم واشنطن بتحسين النظام الشامل للحكم فيها وتُركز بصورة أساسية على التهديدات الأمنية الموجودة في الشمال الشرقي للبلاد.

Embed from Getty Images

ويبدو أن تقديرات هذه الدول كانت على صوابٍ حتى الآن؛ إذ لا توجد إشارة على أن الولايات المتحدة عازمة على فرض عقوبات ردًّا على تواصل الإمارات والأردن ومصر والبحرين مع دمشق؛ وبالفعل، يبدو أن واشنطن نفسها ترى ضرورة وجود استثناءات من إستراتيجيتها لعزل النظام السوري، إذ تسعى الولايات المتحدة حاليًا إلى إعادة تشغيل «خط الغاز العربي» الذي أُغلق منذ مدة طويلة والذي يمتد من مدينة العريش المصرية إلى مدينة حمص السورية.

وعلى الرغم من أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت قبل أن تتنازل الولايات المتحدة علنًا عن اعتراضاتِها على العودة الكاملة لسوريا إلى الاقتصاد العالمي والساحة الدبلوماسية، فإن مسار العودة واضح بالقدر الكافي، وفي المستقبل، يُمكن أن تضْعُف صرامة العقوبات الأمريكية بما يكفي للسماح بتدفق كميات قليلة من المساعدات وضخ بعض الاستثمارات لإعادة الإعمار، وقد يتحول هذا التسلسل، في ظل توافر الوقت الكافي وعدم اكتراث الولايات المتحدة، إلى فيضان.

أحداث دموية غير مسبوقة

يُنوِّه المقال إلى أن كسر جمود عزلة النظام السوري ليست المرة الأولى التي تُكافَأ فيها القوة الغاشمة في المنطقة؛ لكنها ستكون واحدةً من أكثر النماذج التي استخدمت القمع على نطاقٍ واسعٍ، كما أنها ستكون بمثابة دعم للاتجاه الذي ستظل فيه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُحكَم بحد السيف، ويرى قادة المنطقة أن نجاح الأسد في الاحتفاظ بالسلطة خلال العقد الماضي يُقدم أيضًا نموذجًا للطريقة التي يُمكن من خلالها البقاء في السلطة حتى في ظل أسوأ سيناريوهات الانتفاضة الشعبية الشاملة.

عربي

منذ 11 شهر
مترجم: هل تعطي أزمة الطاقة في لبنان نظام الأسد فرصة لاستعادة الشرعية الدولية؟

ويُرجِّح المقال أن الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية ترى في النموذج السوري شيئًا مفيدًا لهم يُمكن استخدامه في المستقبل؛ وفي لبنان، على سبيل المثال، كان حزب الله قد امتنع عن استخدام قواته الحاشدة لإعادة تشكيل المشهد السياسي لصالحه، خوفًا من عودة البلاد إلى الحرب الأهلية؛ لكن مع ظهور الحرب الأهلية السورية بوصفها نموذجًا محتملًا، وليست تحذيرًا يُخشى الوقوع فيه، قد ينظر حزب الله إلى استخدام القوة على أنه مناورة جديرة بالتنفيذ لتأمين سطوته المحلية وشرعيته في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها لبنان باستمرار.

ومن المحتمل أن يتجلى ذلك بوضوح في استخدام شكل من أشكال العنف الظاهر ضد المتظاهرين والنشطاء اللبنانيين وحتى المؤسسات الحكومية، وباستخدام مثل هذه القوة، قد تُخطئ تقديرات حزب الله، أو يُقتل الشخص الخطأ أو يُمارس العنف علنًا بأي شكل من الأشكال، مما يُؤدي إلى إعادة إشعال صراع طائفي مروِّع.

أما في العراق، فسيحفِّز النموذج السوري الميليشيات المدعومة من إيران على الإبقاء على التكتيكات العنيفة التي استخدموها بالفعل لفض الاحتجاجات الموجهة ضدهم، وربما تصعيدها، في إشارة إلى أن النموذج السوري دليلٌ على نجاح نهجهم، وخلال الأزمات الأمنية أو السياسية المستقبلية، قد تجنح هذه الميليشيات أيضًا إلى العودة إلى التطهير العِرقي الذي شهده العراق خلال ذروة الصراع الطائفي في المدة بين عامي 2006 و2007، بعد معاينة ما حققه الأسد من «نجاح» من خلال استخدام مثل هذه التكتيكات من أجل الحفاظ على وجوده في السلطة والتقدم في ساحة المعركة في سوريا.

Embed from Getty Images

ويُضيف المقال أن إيران نفسها تُواجه أيضًا اضطرابات بصورة متكررة، تارةً من الأقلية العربية وتارةً من أطياف واسعة من المواطنين الإيرانيين، وشهدت إيران عددًا من أكبر الاحتجاجات على مستوى البلاد في الفترة من 2019 وحتى 2020. وجرت العادة أن تستخدم إيران القوة لقمع هذه الانتفاضات؛ لكن مع أخذها النموذج السوري بعين الاعتبار، ربما تكون طهران على استعداد لاستخدام مزيد من أساليب الأرض المحروقة، خاصةً ضد سكانها العرب، لقمع أي تحديات تواجه نظامها الحاكم على نحوٍ صارمٍ، وبالإضافة إلى ذلك، ستثبت الحرب الأهلية في سوريا صحة السياسة الخارجية الإيرانية المتشددة، وتُنذر بتنفيذ إيران مزيدًا من التدخلات العسكرية في الخارج لصالح حلفائها الأيديولوجيين.

بيد أنه حتى حلفاء الولايات المتحدة، مثل مصر والسعودية، سيستخلصون دروسًا من سوريا، ويبدو الأمر للحظة وكأن قيم الولايات المتحدة وسياساتها ما زالت بعيدة المنال أكثر من ذي قبل، على الرغم من التعهدات المتكررة من الرؤساء خلال الحملات الانتخابية والقوانين المختلفة المصممة لتغيير ذلك. وطالما أن مصر والسعودية وغيرهما من الحلفاء ما زالوا يمثلون قيمة إستراتيجية للولايات المتحدة، يُمكنهم كذلك أن يطمئنوا إلى أن واشنطن ستتخذ إجراءات محدودة، وربما غير فعَّالة، ضدهم إذا انخرطوا في قمعٍ واسعِ النطاق ضد المعارضة الشعبية.

عودة إلى حكم الطغاة المستبدين

ويُمكن أن يُؤدي ذلك إلى زوال حالة عدم اليقين التي أعقبت الحرب الباردة؛ والتي جاءت بعد تأكيد الولايات المتحدة على التزام الحلفاء بمعايير حقوق الإنسان الخاصة بها، مما يعني أن هذه الدول يمكنها العودة إلى التكتيكات القمعية دون أن تتعرض علاقاتها مع واشنطن للخطر، وإذا فُرضت عقوبات على حلفاء الولايات المتحدة بسبب مثل هذا التصرفات الداخلية، فإن هذه الدول ستضع أيضًا النموذج السوري أمام أعينها بوصفه علامةً على أنه إذا كان بإمكانهم تحمل الضربة الأولية، فإن هذه العقوبات ستزول في النهاية.

وفي ختام مقاله، يخلُص الكاتب إلى أنه بغض النظر عما ستفعله أنظمة الحكم في المنطقة وغيرها من الجهات الفاعلة، فمن المؤكد أن الاستبداد في الشرق الأوسط خرج من حقبة الربيع العربي «منتصرًا»، وتُنذر العودة التدريجية للعلاقات مع النظام السوري إلى طبيعتها بإعادة أساليب الحكم القديمة واستمرار دائرة الحرب؛ نظرًا لأن الأسباب الأساسية لاندلاع الصراعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما زالت قائمة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد