إذا شعر الغرب بالصدمة جرَّاء التطورات السياسية التي تحدث في تونس، فهذا لأنهم لطالما وصفوها بأنها حققت نجاحًا مباشرًا.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا كتبه ستيفن كوك، كاتب العمود في المجلة الأمريكية وزميل دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا لدى مجلس العلاقات الأجنبية، ناقش فيه تطورات الأوضاع في تونس بعد القرارات التي اتَّخذها الرئيس قيس سعيد مؤخرًا، وأسفرت عن ردود أفعال داعمة وأخرى معارضة لها. وخلُص الكاتب إلى أن هذه الأحداث، سواء كانت بمثابة انقلاب أم لا، إلا أنها تسببت في غروب شمس تونس التي تُعد (أو كانت) «قصة النجاح الوحيدة» للربيع العربي.

تطورات جديدة

يستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى إقالة الرئيس التونسي قيس سعيد لرئيس وزراء البلاد وتعليقه عمل البرلمان لمدة 30 يومًا في 25 يوليو (تموز) الجاري. وانتشرت قوات الأمن حول مبنى البرلمان في تونس العاصمة؛ ما حال دون دخول أعضاء الهيئة التشريعية إلى البرلمان. وفي اليوم التالي أطاح الرئيس سعيد القائمة أعمال وزير العدل، وأقال وزير الدفاع، وأمر بإغلاق مكاتب قناة الجزيرة. كما منع التجمُّعات التي تحتوي على ثلاثة أشخاص فأكثر.

ووصف راشد الغنوشي، رئيس البرلمان المغلق في الوقت الراهن وزعيم حزب النهضة الإسلامي منذ وقت طويل، قرارات سعيد بأنها «انقلاب». واعترض الرئيس التونسي على هذا الوصف، مستشهدًا بالمادة رقم 80 من الدستور التونسي، والتي تمنح رئيس الدولة سلطة اتخاذ القرارات التي أقدم عليها تمامًا في حالة «وجود خطر وشيك يُهدِّد سلامة البلاد وأمنه واستقلاله». ومع ذلك فهناك اختلاف كبير في الرأي بشأن ما إذا كانت المشكلات الاقتصادية المُزرية الحالية في تونس، والانحراف البرلماني، والموجة المُنهِكَة لتفشِّي جائحة كوفيد-19، ترقى في واقع الأمر إلى هذا الخطر الوشيك أم لا. ويبدو أن هذا الوضع يُمثِّل مشكلة يمكن أن تفصل فيها المحكمة الدستورية، ولكن للأسف لا توجد محكمة دستورية نظرًا لعدم قدرة أي مسؤول على الاتفاق على تعيين قضاة، أو أن الرئيس قد منع تعيينهم.

مواقع صديقة

منذ 4 شهور
ديفيد هيرست: لا يوجد ما هو دستوري في انقلاب قيس سعيد

وسواء كانت هذه الأحداث انقلابًا أم لا – يستطرد الكاتب – لم يكن من المفترض أن تحدث تطورات الأوضاع هذه في تونس، التي تُعد (أو كانت) «قصة النجاح الوحيدة» في رواية الربيع العربي. ولكن هذه الأنواع من الأفكار المبُتذَلة، على حد تعبير الكاتب، التي استخدمتها وسائل الإعلام الدولية مرارًا وتكرارًا على مدار عقدٍ من الزمان، كانت دائمًا تُمثِّل مشكلة. ولا غرو فقد وضعت هذه الأفكار إطارًا للسياسة التونسية بطريقة صفَّدت أبواب الاحتمالات الأخرى، مثل: التراجع إلى الوراء، وافترضت حدوث تطورات تسلسلية، بداية من تنظيم الاحتجاجات، مرورًا بإجراء الانتخابات، وصولًا إلى وَضْع الدستور. وعندما وصفت المقالات الافتتاحية المُنبهِرة بالانتقال السلمي للسلطة باعتباره يُمثِّل «ديمقراطية حقيقية»، استبعدت هذه المقالات تعقيدات السياسة التونسية على وجه التحديد، والانتقال إلى الديمقراطية بصفة عامة.

ما تداعيات استيلاء قيس سعيد على السلطة؟

يؤكد الكاتب أنه من غير الواضح إذا كان استيلاء سعيد على السلطة يُشكِّل نهايةً لإرساء دعائم الديمقراطية في البلاد أم لا. وكان التونسيون على حافة الهاوية من قبل، بما في ذلك أثناء الجمود السياسي الذي طال أمده عام 2013. وبعد ذلك وفي عام 2015 فضَّل الرئيس المنتخب حديثًا الباجي قائد السبسي تشكيل حكومة يُستثنى منها حركة النهضة وحلفاؤها. ومن سوء حظ السبسي والعلمانيين التابعين لحزبه «نداء تونس»، لم تصُب الحسابات البرلمانية في مصلحته؛ ما أسفر عن تكوين تحالف أوسع. وتطورت المساعي الحميدة في نهاية المطاف بين الرئيس السبسي والغنوشي، غير أن ما بدا أنه أكثر أهمية من قوة الشخصية ونفوذها في فرض حل توافقي بين الطرفين كان حقيقة أن السبسي والغنوشي على حدٍ سواء لا يتمتعان بنوع من الدعم الشعبي الضروري لفرض إرادة أحدهما على الآخر، وهو ما يشكِّل استفادة واضحة من انقسام المجتمع.

Embed from Getty Images

وكان من الجدير بالثناء والملاحظة أن تونس لم تنزلق إلى دوَّامة العنف عام 2013، بل شكَّلت حكومة ائتلافية فعَّالة عام 2015، وأنه كان هناك انتقال سلمي للسلطة بعد وفاة السبسي في عام 2019، على الرغم من أنه لم يعنِ بالضرورة أي إنجاز من هذه الإنجازات أن تونس ستستمر في تحقيق التقدُّم. وأدرك المُحلِّلون الجادون هذا الأمر؛ لأنهم استوعبوا التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، والأسئلة المطروحة بشأن الهوية، والرغبة في العودة إلى النظام القديم في أوساط النُخَب، وعجز البرلمان عن الوفاء بوعود ثورة يناير (كانون الثاني) 2011.

ويعبر الكاتب عن استغرابه من استمرار بعض هؤلاء الخبراء والمراقبين أنفسهم في وصف تونس مباشرة بأنها حققَّت نجاحًا؛ ما أوجد توقُّعات غير مُدوَّنة، وغير معترف بها، تفيد أن تقدُّم البلاد سيستمر في جميع الأحوال. وكان هذا الأمر غريبًا بصفة خاصة؛ نظرًا للتدهور المستمر في المؤسسات الديمقراطية في البلدان التي تُعد ديمقراطيات راسخة، بما في ذلك الولايات المتحدة، خلال العقد الماضي.

وفي الأيام القليلة الماضية التي تلَت منْح الرئيس سعيد صلاحيات السلطة التنفيذية لنفسه، اندلعت احتجاجات داعمة لقراراته، وأخرى معارضة لها على حدٍ سواء. وكانت الاحتجاجات الداعمة له تحظى بقدر أكبر من الاهتمام. وتشير الرسائل الواردة من تونس إلى أن أولئك الذين يشيدون بالرئيس قد سئموا من سوء الإدارة وانعدام الفرص الاقتصادية. أضف إلى هذه المشكلات حقيقة أن موجة كوفيد-19 التي تفشَّت مؤخرًا قد دمَّرت نظام الرعاية الصحية في البلاد، ويبدو أن كثيرًا من الناس يستعدون للمراهنة على وجود حاكم استبدادي يَعِد بتحسين مستوى حياتهم شريطة أن يتمتع بمزيد من السُلطة غير المُقيَّدَة.

ثقافة سياسية خاصة

ووفقًا لكاتب المقال يبدو أن الاستعداد للتخلي عن المكاسب التي تحقَّقت بشِقِّ الأنفُس بعد مرور عقد من إقامة الديمقراطية جزء لا يتجزأ من الثقافة السياسية الخاصة بتونس. و«أنا هنا لا أشير إلى الشائعة الكاذبة التي تفيد أن المجتمعات العربية والإسلامية لا تمارس الديمقراطية»، بحسب الكاتب. ولكن «أريد لفت الانتباه إلى الإرث الثقافي للدولة العربية الكبيرة التي وعدت، (ولكنها نادرًا ما وفَّت) بتحقيق الأمن، وتوفير التعليم، وخلق الفرص. ويريد المُحلِّلون، والصحافيون، وناشطو المجتمع المدني، الذين يميل الغرب إلى التفاعل معهم في تونس، بناء مجتمع أكثر عدلًا وديمقراطية». ويطرح الكاتب سؤالًا: لكن ماذا يريد التونسيون على نطاق أوسع؟

ويجيب: يبدو أن كثيرين، أو على الأقل الأشخاص الذين خرجوا إلى الشوارع في الأيام القليلة الماضية، تربطهم علاقة متضاربة بالديمقراطية. ويبدو أنهم يريدون إقامة دولة تتمتع بمزيد من الفعالية، ويمكنها توفير وظائف، وشبكة أمان اجتماعي، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي. ومن المحتمل أنه بعد مرور عقد من الزمن الذي تمتَّع فيه التونسيون بقدرٍ أكبر من الحريات الشخصية أسفر الافتقار إلى الازدهار عن أن عددًا كبيرًا منهم بات أكثر استعدادًا لتجربة محاولة أخرى من نوع آخر من الاستبداد.

Embed from Getty Images

وبطبيعة الحال لا يزال من غير الواضح تمامًا ماذا سيحدث في تونس، وما يمكن أن تفعله القوى الأجنبية حيال ذلك. ونظرًا إلى الاهتمام الشديد الذي أولَته الصحافة والخبراء إلى تونس منذ إطاحة زين العابدين بن علي في يناير 2011، فضلًا عن التزام الرئيس الأمريكي جو بايدن بفرض سياسة خارجية قائمة على القِيَم، سيكون هناك على الأقل بعض الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة ردًا على ذلك. بيد أن المشكلة تكمن هنا: إذ ترغب تونس في أن يُنظَر إليها في واشنطن من منظور نجاحها المُفترَض. ومن ثمَّ دعا الخبراء والناشطون إلى تقديم مزيد من المساعدة لتونس على وجه التحديد لأن هناك مزاعم تُفيد أنها حقَّقت الانتقال إلى الديمقراطية. كما أقامت الولايات المتحدة علاقة أمنية مع تونس تقوم على مكافحة التطرف.

وفي نهاية مقاله يطرح الكاتب سؤالًا: هل ينبغي أن توقف الولايات المتحدة المساعدات أو تقطعها الآن؟

ويجيب: قد يبدو هذا مناسبًا من حيث القِيَم، ولكنه ربما يكون محفوفًا بالمخاطر عندما يتعلق الأمر بتوفير الأمن، نظرًا لميل تونس إلى إنتاج متطرفين، وعدم الاستقرار في منطقة الساحل المجاورة. وهذا ليس أمرًا يسيرًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد