نشر «معهد الشرق الأوسط (MEI)» الأمريكي على موقعه مقالًا لجون كالابريس، الأستاذ بالجامعة الأمريكية في واشنطن العاصمة والمشرف على مشروع الشرق الأوسط وآسيا بالمعهد، حول وضع الإمارات غير المستقر في خِضَم المنافسة بين بكين وواشنطن، خاصة بعد أن لفتت أمريكا انتباه الإمارات إلى أن الصين تبني منشأة بحرية على الأراضي الإماراتية.

وفي مطلع مقاله أشار الكاتب إلى أن مضيق تايوان ومضيق هرمز يقعان على طرفين متباعدين من منطقة المحيط الهندي، التي سرعان ما أصبحت مركزًا للتنافس العالمي بين الولايات المتحدة والصين. ويُوضح مقالان إخباريَّان نُشرا مؤخرًا كيف يتطور هذا التنافس. كما كشف تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) أن وحدة العمليات الخاصة الأمريكية ووحدة عسكرية صغيرة من مشاة البحرية نُشِرتا في تايوان ليدرِّبا جيشها سرًّا لمدة عام على الأقل. وكانت «وول ستريت جورنال» أول صحيفة نشرت في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) عن توقف بناء منشأة عسكرية صينية مشتبه فيها في ميناء خليفة الإماراتي بعد اجتماعات وزيارات قام بها مسؤولون أمريكيون.

وتمتد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين إلى ساحة الشرق الأوسط. ومع اشتداد التوترات بينهما ظهرت تداعيات أمنية لعلاقات الصين المزدهرة مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكانت مصدر قلق متزايدًا لواشنطن، ومما يثير القلق بوجه خاص مِلْكية الصين لمجمعات الموانئ الصناعية وتطويرها في الخليج، والتي يمكن أن تكون بمثابة نقاط وصول لما يعدُّه المسؤولون الأمريكيون «هدف الصين طويل الأجل بتوسيع وجودها العسكري لتأمين الطرق الحيوية للطاقة والتجارة».

من نقاط الاستثمار الخارجية إلى «نقاط القوة الإستراتيجية»

لفت الكاتب إلى أنه في عام 2013 الذي أطلق فيه الرئيس شي جين بينغ طريق الحرير البحري تفوقت الصين على الولايات المتحدة باعتبارها أكبر دولة تجارية في العالم، وتعتمد رفاهية الصين الاقتصادية وحيويتها على الوصول الموثوق به إلى إمدادات الطاقة والمواد الخام والأسواق الخارجية، والتي تتم في الأساس عن طريق البحر، وتتدفق جميع أنشطة التجارة البحرية للصين تقريبًا مع الشرق الأوسط، وأفريقيا، وأوروبا، عبر المحيط الهندي.

كذلك برزت منطقة المحيط الهندي باعتبارها مكوِّنًا حاسمًا في «مبادرة الحزام والطريق» التي أطلقها شي، والتي عززت نمو الاستثمارات الصينية في الخارج وداخل مجتمع المغتربين. ولكل هذه الأسباب يُعد وصول الصين المستمر إلى خطوط الاتصال البحرية للمحيط الهندي والمضايق البحرية على كلا الطرفين أمرًا جوهريًّا.

Embed from Getty Images

وينظر صنَّاع السياسة والمحللون الصينيون إلى الموانئ على أنها حجر الزاوية لأمن الممرات البحرية. وأدَّي ذلك إلى حملة استثمار إستراتيجية ضخمة تهدف إلى بناء شبكة عالمية من أصول الشحن والموانئ. وحتى الآن، استثمرت الصين في أكثر من 100 ميناء في 63 دولة. ويقع 20 من هذه المرافق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وظهرت مشروعات مجمعات الموانئ الصناعية باعتبارها عناصر أساسية للتعاون بين الصين والشرق الأوسط.

وقاد عدد قليل من الشركات الصينية المملوكة للدولة السباق نحو الموانئ التجارية، وأبرزها شركتا «كوسكو لموانئ الشحن (COSCO)»، و«الصين للموانئ التجارية (CMPort)» – وهي جهات فاعلة رئيسة في مبادرة الحزام والطريق. وتربط هاتان الشركتان علاقات عميقة بالحزب الشيوعي الصيني، والذي وسَّع – تحت إشراف شي جين بينغ – نطاق إشرافه ومشاركته في الشركات المملوكة للدولة والشركات الخاصة. وبالإضافة إلى الدعم الحكومي الكبير الذي تتلقاه الشركتان لأنشطتهما الخارجية، ترتبط الشركتان بجهاز الدولة الحزبي بطرق أخرى مختلفة. وتُدار الشركتان مباشرةً على يد لجنة مراقبة وإدارة الأصول المملوكة للدولة التابعة لـ«مجلس الدولة الصينية (SASAC)».

واستُكمِل الاستحواذ على الموانئ التجارية الخارجية للصين من خلال التحديث الموثَّق جيدًا للقوات البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي. ولا يقتصر استخدام أصول الموانئ الخارجية على تسهيل التجارة، ولكن يمتد إلى توفير وصول للقوات البحرية إلى المناطق الرئيسة، والتنقل في جميع أنحاء العالم؛ الأمر الذي ظل موضوع نقاش مكثف داخل المجتمعات الإستراتيجية الصينية والأمريكية منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي.

ودعا المحللون العسكريون الصينيون علنًا إلى إنشاء شبكة من القواعد البحرية باعتبارها وسيلة ضرورية لحماية المصالح التجارية للصين. ومع تزايد التصوُّر للولايات المتحدة باعتبارها منافسًا عازمًا على إحباط صعود الصين، من المحتمل أن تكون شبكة القواعد المحتملة عبر منطقة المحيط الهندي عامل ردع موثوقًا به ضد التهديدات التي يمكن أن تعترض خطوط الاتصال البحرية الصينية.

تاريخ

منذ شهر
مترجم: هل كانت الصين في أي وقت من تاريخها أكبر «قوة عظمى» في العالم؟

وفي السنوات الأخيرة أشار المسؤولون الصينيون إلى «نقاط القوة الإستراتيجية» باعتبارها وسيلة لتطوير قدرات الدعم العسكري في الخارج – وهو نموذج سعوا إلى تصويره على أنه مختلف عن القواعد العسكرية التقليدية التي تديرها دول أخرى. ولمشروعات نقاط القوة الإستراتيجية هذه ثلاث سِمات مميزة: أولًا وقوعها بجانب خطوط الاتصال البحرية الرئيسة وتجمُّعها بالقرب من المضايق البحرية؛ ثانيًا الطبيعة الشاملة للاستثمارات والعمليات الصينية، بما في ذلك التنسيق بين الشركات المملوكة للدولة والشركات الخاصة، وثالثًا الوظائف المدنية والعسكرية المدمجة.

ومنذ سنوات تتراكم المخاوف لدى واشنطن من أن تكون الاستثمارات الصينية في الموانئ الخارجية تهدف إلى إنشاء «سلسلة» من القواعد البحرية الصينية في الخارج، ومما أدى إلى تضخيم هذه المخاوف إعادة تأكيد سيطرة الحزب على الشركات المملوكة للدولة، والروابط الأمنية التي يمكن إثباتها بين الشركات الصينية المملوكة للدولة والقوات البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي، وإنشاء قاعدة دعم لهذه القوات البحرية في جيبوتي عام 2017، وفي حديثه أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب في 20 أبريل (نيسان) حذَّر قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال ستيفن تاونسند، من أن «الصينيين يواصلون توسيع قاعدتهم في جيبوتي لتصبح منصة لإبراز قوة الصين عبر القارة (الأفريقية) ومياهها»، كما أنهم «يبحثون عن فرص أخرى لإقامة قواعد (في أفريقيا)». 

هل الإمارات موطئ قدم للنفوذ العسكري الصيني؟

رجَّح الكاتب أن تقرير «وول ستريت جورنال» الأخير عن تدخل كبار المسؤولين الأمريكيين لوقف بناء منشأة عسكرية صينية سرية في الإمارات يحظى بالمصداقية، ولكنه ليس مفاجئًا تمامًا؛ إذ تعتبر الإمارات أهم شريك اقتصادي للصين في المنطقة: مصدر رئيس للنفط، وبوابة للصادرات الصينية، و«مدينة محورية» في مبادرة الحزام والطريق، ووجهة مهمة للاستثمار المتنوع والبناء، وتستضيف حوالي 6 آلاف شركة صينية و200 ألف مواطن صيني.

Embed from Getty Images

وأشار الكاتب إلى وجود تكامل اقتصادي كبير، وتعاون نشط، وإمكانات بين الصين والإمارات في مجالات تشمل تطوير المنطقة الحرة، والابتكار التكنولوجي، والخدمات اللوجستية والبنية التحتية، وإنتاج اللقاحات في الآونة الأخيرة، وهذه العلاقات المتنامية تجعل الإمارات مرشحًا رئيسًا لتكون «نقطة قوة إستراتيجية».

ومن المؤكد أن العديد من الأسئلة لم تزل في حاجة إلى إجابة، بما في ذلك الأغراض التي ربما تقف وراء بناء المنشأة العسكرية المشتبه فيها، غير أنه لا يلزم أن تتخذ مثل هذه المنشأة شكل قاعدة بحرية كاملة لتكون مفيدة. وهو أمر غير قابل للتصديق أن تكون بكين قد شرعت في مشروع من هذا النوع دون الكشف عن خططها، ومن غير المرجح أن أبوظبي – نظرًا لعلاقتها الأمنية مع أمريكا – كانت ستوافق، لكن السيناريو الواقعي هو بناء منشأة «ذات صلة بالجيش» لجمع المعلومات الاستخباراتية، تركِّز على الأرجح على «استخبارات الإشارات (SIGINT)» – وربما يكون ذلك خطوة أولية في التوسع التدريجي للوجود العسكري الصيني.

ونفَت السلطات الإماراتية أن تكون على علم بالمنشأة، ناهيك عن موافقتها على بنائها، بحسب الكاتب. لكن من غير المحتمل ألا يكون الإماراتيون مدركين لبناء منشأة صينية سرية حتى ينبِّههم الأمريكيون لوجودها. ومن غير المرجح أن تخاطر الصين بإلحاق الضرر بعلاقتها بأحد أكبر شركائها الإستراتيجيين في المنطقة ببناء مثل هذه المنشأة دون إبلاغهم، ولذلك يُرجَّح أن يكون المسؤولون الإماراتيون قد فضَّلوا التزام الصمت بشأن هذه القضية، وهو ما قد يشير إلى الوضع الحالي للعلاقات الأمريكية الإماراتية.

تميز العقدان الماضيان بتآكل مصداقية الولايات المتحدة وفقدان الثقة بين حكومات دول الخليج العربية في صمود الالتزامات الأمنية الأمريكية واستدامتها. وعزَّز هذه التصورات الجدل المستمر – الذي لم يُحسَم – داخل السياسة الأمريكية والمجتمعات الأكاديمية بشأن مستوى الأولوية والموارد التي يجب أن تحظى بها المنطقة. ودفعت هذه الظروف مجتمعة شركاء أمريكا الأمنيين في الخليج العربي إلى إعادة تقييم اعتمادهم الفريد على الولايات المتحدة، وتنويع علاقاتِهم الأمنية مع دول أخرى.

دولي

منذ شهرين
«ذا دبلومات»: أين تقف دول الخليج العربي في التنافس بين الصين وأمريكا؟

ومن غير الواضح هل يمكن إثناء شركاء الولايات المتحدة في الخليج عن التفكير في أن انسحاب أمريكا الإستراتيجي من الشرق الأوسط أمر حتمي، إن لم يكن وشيكًا. وبالنظر إلى حالة عدم اليقين هذه، فإن تبنيهم لموقف التحوط المحدود أمر منطقي. ولمعرفة كيف تتقاطع الديناميكيات التنافسية بين الولايات المتحدة والصين مع العلاقات العربية الأمريكية الخليجية، لا يحتاج المرء إلى النظر إلى أبعد من قضيتين تواجهان الولايات المتحدة والإمارات حاليًا: أولًا البيع المقترح لمقاتلات إف-35، وطائرات إم كيو- بي 9- ريبر المسيَّرة، وثانيًا الضغط الأمريكي على الإمارات لإزالة معدات الجيل الخامس لشركة ««هواوي» من شبكة الاتصالات السلكية واللاسلكية الإماراتية، والتي تعدَّها واشنطن مصدرَ تهديدٍ أمنيّ محتملًا. 

ولا تشعر واشنطن بأريحية تجاه «مؤشرات التعاون الأمني ​​بين الصين والإمارات»، ووفقًا لنائبة مساعد وزير الخارجية ميرا ريسنيك «هناك فئات معينة من التعاون مع جمهورية الصين الشعبية لا يمكننا في (الولايات المتحدة) التعايش معها، وبالمثل أشارت نائبة مساعد وزير الخارجية دانا سترول خلال جلسة الاستماع نفسها في مجلس الشيوخ إلى أن «التقييم الحالي يفيد أن الصين لديها إستراتيجية عالمية لمتابعة المنشآت العسكرية في كل مكان، بما في ذلك الشرق الأوسط… ونحذِّر شركاءنا هناك من أن المشاركة الصينية في مجالات معينة سوف تنتهك سيادتهم». وتواصل واشنطن الضغط للحصول على ضمانات بالامتثال الصارم للشروط والأحكام الخاصة بالمستخدم النهائي لبيع الأسلحة المتطورة مع دفع أبوظبي لاستبدال معدات شبكة «هواوي» في غضون أربع سنوات، قبل التسليم المقرر لطائرات إف-36.

انعدام الثقة الإستراتيجي والتنافس بين القوى العظمى

ألمح الكاتب إلى أن منطقة المحيط الهندي برزت باعتبارها ساحة مركزية لتنافُس القوى العظمى بين الولايات المتحدة والصين. وفي الآونة الأخيرة انتقلت المنافسة الصينية الأمريكية إلى منطقة الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، واشتدت داخلها، لا سيما منطقة الخليج.

Embed from Getty Images

ويُعد الاستثمار الصيني وتشغيل مجمعات الموانئ الصناعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من العناصر الأساسية لإستراتيجية طريق الحرير البحري الصيني، ولكن من المهم الإشارة إلى أنه ليست كل استثمارات الموانئ الخارجية وأنشطتها جزءًا من خطة رئيسة يحرِّكها الحزب الشيوعي الصيني، كما أن جميع الأنشطة الصينية في الخارج لا تضر المصالح الغربية.

واختتم الكاتب مقاله بالقول: لكن ليس من الحكمة تجاهل الإشارات، أو استبعاد التداعيات الأمنية للأصول التجارية الصينية التي تعمل منصاتٍ للتجسس الدفاعي، أو الأنشطة العسكرية الأخرى، لا سيما بالنظر إلى التحديث والتطوير السريعين للقوات البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي، وسياسة الاندماج العسكري – المدني للحزب الشيوعي الصيني.

وبينما تبحث الولايات المتحدة عن طرق للتخفيف من هذه المخاطر دون وضع حلفائها التقليديين في موقف صعب، تكافح الإمارات لتحقيق التوازن بين شراكتها الأمنية الحيوية مع الولايات المتحدة وعلاقاتها الاقتصادية المزدهرة مع الصين، ويمكن للخيار غير الثنائي أن يفيد جميع البلدان الثلاثة، لكن واشنطن وأبوظبي ستواجهان صعوبة – في أحسن الأحوال – في ابتكار خيار تكون الإمارات بموجبه «لؤلؤة مشرقة على طول الحزام والطريق»، وفي الوقت نفسه تصبح موقعًا إستراتيجيًّا على طول «عقد اللؤلؤ» الصيني.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد