تلقت سمعة دولة الإمارات التي تدار ببراعة ضربات موجعة مؤخرًا؛ بسبب الجرائم التي جرى الإعلان عنها على نطاق واسع، ومنها انتهاكات حقوق الإنسان والتجسس.

كتب جيمس م. دورسي، وهو باحث بارز في كلية إس راجاراتنام للدراسات الدولية بجامعة نانيانج التكنولوجية في سنغافورة، مقالًا نشره موقع «ريسبونسبل ستاتكرافت» الإخباري، حول صورة الإمارات الحالية في العالم بعد أن أنفقت مبالغ طائلة على مدار عقود لتسويق نفسها وتثبيت صورة عن نفسها في المخيلة العامة.

ويستهل الكاتب تقريره بالقول: على مدى العقدين الماضيين على الأقل، قادت دولة الإمارات العربية المتحدة، بمساعدة بعض أبرز شركات الاستشارات والشؤون العامة في العالم، واحدةً من أكثر حملات تسويق الدول نجاحًا في الشرق الأوسط، إن لم تكن أنجحها على الإطلاق.

وجرى دعم الحملة من خلال المبادرات التكنولوجية والاقتصادية المتطورة، وسياسة خارجية جريئة وحازمة تدعمها القوة المالية والعسكرية لدولة الإمارات، ودرجة من التنويع الاقتصادي بعيدًا عن النفط، وسياسات اجتماعية ليبرالية تجعل من الإمارات الوجهة المرجوة للشباب العربي والمغتربين غير العرب، وتبني قيم التسامح الديني، وترسيخ وضع الإمارات بوصفها نقطة التقاء مركزية رئيسة في جهود المساعدات الإنسانية العالمية.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ أسبوعين
كيف استفادت إسرائيل عسكريًا من التطبيع مع الإمارات؟

وأدى هذا التسويق للدولة، الذي دام طويلًا، إلى الابتعاد عن توجيه سهام النقد إلى سجل الإمارات المحلي المشوَّه في مجال حقوق الإنسان، والمراقبة الاقتحامية للأصوات المعارضة والصحافيين والعلماء والناشطين من الإماراتيين وغير الإماراتيين، في الإمارات وفي أماكن أخرى، كما حال دون انتقاد دعمها للمليشيات في ليبيا واليمن، والشركات العسكرية الخاصة الروسية في ليبيا، واستعدادها للمخاطرة بتشجيع العداء للإسلام أو الإسلاموفوبيا من خلال الضغط في أوروبا من أجل قمع الإسلام السياسي السلمي.

صورة الإمارات تتغير

غير أن سلسلة من الانتكاسات في الأسابيع الأخيرة تثير شبح اهتراء وتآكل في حملة الإمارات التي تبلغ تكلفتها عدة ملايين من الدولارات، والتي استمرت على مدار عقود، بعد 15 عامًا من تعلمها دروسًا من المعضلة التي واجهتها في عام 2006 عندما سَعَت شركة موانئ دبي العالمية المملوكة لدبي للاستحواذ على شركة «بننسيولار آند أورينتال ستيم نافيجيشن» (بي آند أو).

Embed from Getty Images

وأثارت عملية الاستحواذ جدلًا لأسباب تتعلق بالأمن القومي في الولايات المتحدة. وشكك كثيرون في تسليم إدارة ستة موانئ أمريكية رئيسة إلى شركة شرق أوسطية باعتبار ذلك جزءًا من عملية الاستحواذ. وأجبر نقاش مهين موانئ دبي العالمية على بيع الجزء الأمريكي من الاستحواذ الذي يشمل إدارة الميناء لشركة تمويل وتأمين أمريكية.

دعوة البرلمان الأوروبي لمقاطعة إكسبو 2020

ولفت الكاتب إلى أنه منذ ذلك الحين، صوَّت البرلمان الأوروبي المؤلف من 705 أعضاء، فيما تعد أسوأ ضربة قاصمة للصور التي تبرزها الإمارات لنفسها، في وقت سابق من هذا الشهر بعدد 383 صوتًا مقابل 47 صوتًا على قرار يحث الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والجهات الراعية الدولية المحتملة على مقاطعة معرض دبي إكسبو 2020 الذي يُقام الشهر المقبل، «من أجل التعبير عن استيائهم من انتهاكات حقوق الإنسان في الإمارات العربية المتحدة».

ويشير الكاتب إلى أن القرار غير الملزم طالب أيضًا بالإفراج الفوري عن الناشطين الإماراتيين المعتقلين، مثل أحمد منصور، ومحمد الركن، وناصر بن غيث. كما أشار إلى انتهاك الإمارات لحقوق النساء والعمال الأجانب والسجناء، على الرغم من التقدم الكبير، على الأقل فيما يتعلق بحقوق المرأة.

وبالمثل، فإن الإمارات، بعد مرور عام على إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لم تُظهر ما يؤيد مزاعمها بأن هذه الخطوة الجريئة ستدفع بحل سلمي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، باستثناء قيامها بإقناع الدولة اليهودية بتعليق الضم الإسرائيلي لأجزاءٍ من الضفة الغربية إلى أجل غير مسمى.

بينيت غير مهتم بالتفاوض

وبحسب الكاتب، أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينيت، مؤخرًا إلى عدم اهتمامه بالتفاوض على تسوية مع الفلسطينيين ومعارضته لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة في خطابه هذا الأسبوع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولم ينطق بينيت بكلمة فلسطين ولو مرة واحدة ولم يُشِر إلى القضايا المتعلقة بفلسطين إلا في سياق التهديد الذي تشكله حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة.

Embed from Getty Images

وبالمثل، اصطدمت آمال الإمارات بتصدير النفط إلى أوروبا عبر خط أنابيب إسرائيلي معرض للتسرب بعقبات إسرائيلية مدفوعة بالبيئة. ووافقت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو على صفقة بين شركة خطوط أنابيب أوروبا آسيا المملوكة للدولة الإسرائيلية وكونسورتيوم إماراتي إسرائيلي لضخ النفط الإماراتي من ميناء إيلات على البحر الأحمر إلى عسقلان على البحر الأبيض المتوسط ​​لشحنه إلى أوروبا.

ويمضي الكاتب إلى أن المشروع تعترض عليه سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية، وجماعات حماية البيئة، والعلماء والسكان المحليون الذين يخشون تكرار أكبر كارثة بيئية إسرائيلية حدثت قبل ست سنوات بسبب تسرب في خط الأنابيب. ووقَّع الآلاف على عريضة ضد الاتفاق وتظاهر المئات ضده يوم الجمعة الماضي في أنحاء إسرائيل.

وقال وزير الخارجية، يائير لابيد، الذي كان منزله في تل أبيب أحد الأماكن الخمسين التي استهدفها المحتجون، إن الحكومة تحقق في الاتفاق. وأضاف: «إن دولة الإمارات والوزارات الحكومية ذات الصلة والمنظمات البيئية – سترغب في معرفة أنه جرى إجراء فحص شامل وعميق وجاد قبل اتخاذ القرارات. وسوف نتأكد من عدم محاولة أي شخص الموافقة على قرار دون ملاحظته أثناء إجراء الفحص».

برامج إسرائيلية وتجسس

وألمح الكاتب إلى أن صورة الإمارات شُوِّهت مرارًا وتكرارًا بسبب مزاعم تفيد بأنها استخدمت برامج إسرائيلية ووظفت مسؤولين سابقين في المخابرات الأمريكية للتجسس على مَنْ يحطُّون من قَدرِها من الإماراتيين وغير الإماراتيين.

واكتسبت هذه المزاعم أهمية أكبر مع اعتراف ثلاثة عملاء استخبارات سابقين لوزارة العدل الأمريكية بأنهم نفذوا عمليات قرصنة لصالح الإمارات، وصدور عريضة اتهام بحق توماس جيه باراك، رئيس لجنة تنصيب الرئيس السابق، دونالد جيه ترامب، في عام 2016، بتهمة عدم التسجيل بوصفه عميلًا أجنبيًّا لصالح الإمارات، إلى جانب أدلة جديدة على تجسس إماراتي على المعارضين في بريطانيا.

دولي

منذ سنة واحدة
مترجم: كيف يرعى الغرب أنشطة التجسس والقمع في الشرق الأوسط؟

وجاء في لائحة اتهام باراك، وفقًا لـ«بلومبرج نيوز»، أن عددًا من كبار المسؤولين الإماراتيين، الذين لم تحدد هويتهم ولكن من بينهم ولي العهد الأمير محمد بن زايد، وشقيقه الشيخ طحنون بن زايد مستشار الأمن القومي لدولة الإمارات، وعلي محمد حماد الشامسي مدير جهاز المخابرات الإماراتي، كلَّفوه بهذه المهمة. وذكرت «بلومبرج» كذلك أن لائحة الاتهام تشير أيضًا إلى يوسف العتيبة، سفير الإمارات في الولايات المتحدة، لكنها تحدد هويته فقط على أنه «المسؤول الإماراتي رقم 5».

ولم يُتَّهم أي من المسؤولين الإماراتيين المشار إليهم في لائحة الاتهام بارتكاب أي مخالفات. ودفع باراك بأنه غير مذنب.

وأصبح سجل حقوق الإنسان في الإمارات هذا الأسبوع موضوع نقاش عام في أستراليا بعد صدور فيلم وثائقي لبرنامج صحافة التحقيقات الاستقصائية «فور كورنرز» (Four Corners)، وهو برنامج رائد تبثه محطة «إيه بي سي» الأسترالية. وبالتركيز على مالكي أندية كرة القدم الأسترالية الأجانب، ومنهم الإماراتي الشيخ منصور بن زايد، شقيق ولي عهد الإمارات الذي استحوذ امتيازه على نادي ملبورن إف سي، خصص برنامج «فور كورنرز» نصف وقته البالغ 42 دقيقة للتشكيك في سجل حقوق الإنسان الإماراتي. وعاد البرنامج إلى الخلف نحو عقد من الزمان على الأقل، بالإضافة إلى التطرق إلى طريقة الإمارات في ممارسة التجارة في كرة القدم.

واختتم الكاتب مقاله بما قاله دبلوماسي أوروبي: «تمتعت الإمارات بمدة طويلة من الاهتمام الشعبي على نحو مدهش. ولكن بدأت الغيوم تتجمع في سمائها. وهناك أشياء يمكن للإمارات القيام بها لتفادي هذه الغيوم، ولكن لا توجد أي مؤشرات بالمرة على أن الإمارات تتقبل فكرة أن مخاوف الناس لن تتبدد. وربما تعتقد الإمارات أن هذه المخاوف ستكون أقل أهمية مع توسُّع نفوذ الصين وروسيا. وقد يكون هذا صحيحًا، لكن العكس قد يكون صحيحًا أيضًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد