في الوقت الذي يتزايد فيه الحديث عن تطبيع مرتقب بين الرياض وتل أبيب، يرى بول بيلر، الزميل غير المقيم في مركز الدراسات الأمنية بجامعة جورجتاون، أنه لا توجد مبررات لإلزام واشنطن نفسها بالتزامات أمنية جديدة، وتحمل تكاليف إضافية نيابة عن السعودية وإسرائيل.

وأوضح بيلر، الذي تقاعد عام 2005 من مسيرة مهنية مدتها 25 عامًا في مجتمع الاستخبارات الأمريكي، في مقال نشره موقع «ريسبونسيبل سبيسكرافت» أن هناك حديثًا متزايدًا عن التزام الولايات المتحدة بشكل أعمق بالترتيبات الأمنية المناهضة لإيران من جانب الدول العربية في الخليج العربي، وخاصة المملكة العربية السعودية وإسرائيل.

دولي

منذ 3 شهور
«فورين بوليسي»: بايدن في حاجة إلى النفط السعودي.. ماذا تريد الرياض في المقابل؟

يبدو أن إدارة بايدن تريد اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه فيما يتعلق برحلته المرتقبة إلى السعودية وإسرائيل. لكن ذلك سيكون خطأ، بحسب الكاتب، لأن هذه الخطوة تفتقر إلى مبرر من حيث الحقائق الأمنية في المنطقة وطبيعة الدول الإقليمية المعنية وسجلاتها.

شرطان أساسيان

إن الموضوع الحالي ليس ترتيبات أمنية جماعية شاملة مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. فشيء من هذا القبيل سيكون مفيدًا في الواقع في تقليل التوتر وكبح جماح الصراع في الشرق الأوسط. لكن ما يتم الحديث عنه هو تحالف أمني، يعمل على الأقل في مجالات وظيفية معينة مثل الدفاع الجوي، ينطوي على انحياز الولايات المتحدة لطرف في خصومات إقليمية. بعبارة أخرى، شيء يشبه الناتو أكثر مما يشبه منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

Embed from Getty Images

يعتقد بيلر أن مشاركة الولايات المتحدة في مثل هذا التحالف – مع جميع الالتزامات والمخاطر المصاحبة لها – تتطلب شرطين أساسيين على الأقل. الأول هو التهديد العسكري الحقيقي من أي قوة معادية، التي لا يمكن مواجهتها دون مساعدة كبيرة من الولايات المتحدة. والآخر هو أن يكون لدى الجانب الإقليمي الذي تتم مساعدته مصالح وقيم أكثر انسجامًا مع مصالح وقيم الولايات المتحدة أكثر من مصالح الجانب الآخر، ومن الواضح أنه من مصلحة الولايات المتحدة أن يسود الجانب الأول.

عندما تأسس الناتو في عام 1949، تم الوفاء بهذه الشروط. فقد اجتاحت القوات العسكرية للاتحاد السوفيتي، التي أثبتت قوتها في صد ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، أوروبا الشرقية وكانت لديها القوة للتقدم نحو الغرب. وكان بقاء الديمقراطية الليبرالية في أوروبا الغربية بلا شك أكثر انسجامًا مع مصالح وقيم الولايات المتحدة أكثر مما لو كانت القارة بأكملها قد خضعت لسيطرة الدكتاتورية الستالينية.

ويشير بيلر إلى أن أيا من هذه الشروط لا ينطبق على أوضاع الشرق الأوسط. فيما يتعلق بالشرط الأول حول التهديد العسكري الحقيقي، فإن التهديد المفترض، إيران، ليس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية أو حتى قريب من أن يكون كذلك. إنها قوة متوسطة المستوى ضعُف جيشها بسبب عقود من العقوبات. تتكون قوتها الجوية بشكل أساسي من معدات عفا عليها الزمن، ولن تضاهي، على سبيل المثال، القوات الجوية لدولة الإمارات، بحسب تقدير الكاتب. كما أن أقوى دولة عسكريًّا في الشرق الأوسط ليست إيران بل إسرائيل، حتى عند التفكير في القوات التقليدية فقط وليس الأسلحة النووية.

الشرط الآخر، المرتبط بمصالح وقيم كل جانب وما يعنيه بالنسبة للولايات المتحدة، لا ينطبق أيضًا على أوضاع الشرق الأوسط. ويمكن النظر في عدة معايير محددة في هذا النوع من التقييم. فيما يلي أكثرها صلة بالموضوع، كما ينطبق على إيران والدول التي يزورها الرئيس بايدن ويصفهما كشريكين أمنيين: السعودية وإسرائيل.

عدم العدوان: من المؤكد أن أحد الاعتبارات المهمة عند تكوين أي تحالف أمني هو تحديد الدول التي تستخدم أو لا تستخدم قواتها العسكرية بشكل عدواني ضد دول أجنبية. لقد أصبح هذا الاعتبار أكثر أهمية في خضم حرب روسيا ضد أوكرانيا، والتي يتم فيها تبرير مساعدة الأوكرانيين بشكل مقنع على أنها دعم لمبدأ عدم الاعتداء. في السنوات القليلة الماضية، كان أكبر مثال على العدوان بين الدول في الشرق الأوسط هو الحرب السعودية ضد اليمن، التي كانت العامل الأكبر في إدخال هذا البلد في كارثة إنسانية.

Embed from Getty Images

ثاني أكبر عدوان دولي في المنطقة خلال نفس الإطار الزمني هو الحرب الجوية الإسرائيلية ضد سوريا وضد أهداف إيرانية في سوريا. على مدى فترة زمنية أطول، كانت إسرائيل أكثر دولة في الشرق الأوسط، ربما باستثناء نظام صدام حسين السابق في العراق، تستخدم ثقلها العسكري بشكل هجومي.

ويشير الكاتب إلى شن إسرائيل مرارًا حروبًا كبيرة ضد مصر، وغزت لبنان بشكل متكرر واحتلت جزءًا منه لسنوات، وشنت المزيد من الهجمات المحدودة ضد العراق وضد أهداف سابقة في سوريا. وكان للعمليات العسكرية الإسرائيلية الهجومية العديد من الآثار المزعزعة للاستقرار، بما في ذلك تحفيز نمو حزب الله اللبناني وتسريع برنامج الأسلحة النووية العراقي.

في المقابل، يضيف بيلر، لم تفعل إيران أي شيء من هذا القبيل. كان أكبر تورط لها في حرب خارجية هو الصراع الذي دام ثماني سنوات ضد العراق، الذي بدأ بعدوان غير مبرر ضد إيران من قبل نظام صدام حسين. أما بالنسبة للمساعدة التي تقدمها للحوثيين – حكومة الأمر الواقع في معظم اليمن- فهي تتضاءل مقارنة بالتدخل العسكري السعودي في اليمن. وقد طلبت سوريا المساعدة من إيران في محاربة قوات المعارضة وتنظيم داعش والجماعات التي يهيمن عليها فرع من القاعدة.

الديمقراطية: لم تقترب أي دولة من الدول الثلاث من أن تكون ديمقراطية نموذجية. ويوضح الكاتب أن السعودية هي الأقل ديمقراطية، كونها مملكة تحكمها أسرة لم يُسمع فيها عن انتخابات حرة. ويعمل الحاكم الفعلي الحالي محمد بن سلمان على القضاء على أي ضوابط وتوازنات كانت موجودة داخل الأسرة ويقرب الرياض من حكم الرجل الواحد.

أما في إيران، ينطوي خروجها عن الديمقراطية بشكل أساسي على الاستبعاد التعسفي من قبل مجلس صيانة الدستور غير المنتخب للمرشحين للمناصب العامة. ولكن على الرغم من هذا وغيره من العيوب الرئيسية، فقد أجرت إيران على الأقل انتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي.

ومن جانبها، تستخدم إسرائيل الإجراءات الديمقراطية داخل الجزء المهيمن من سكانها ولكنها لا تطبقها على 5.3 مليون فلسطيني من سكان الأراضي التي تحتلها إسرائيل وتعاملهم لأي أغراض تريدها كجزء لا يتجزأ من إسرائيل. لا يتمتع هؤلاء السكان بأي حقوق سياسية، بما في ذلك أي حق في التصويت لصالح الحكومة التي تحتل وطنهم أو ضدها.

Embed from Getty Images

الحرية الدينية: لا توجد حرية دينية في السعودية، بحسب بيلر، حيث تحظر الممارسة العلنية لأي دين آخر غير الإسلام. بينما تسمح كل من إيران وإسرائيل بممارسات الأقليات الدينية، لكن كلاهما يحتفظ بمكانة مميزة لديانة الدولة المهيمنة: الإسلام الشيعي في إيران واليهودية الأرثوذكسية في إسرائيل.

كما كرست إسرائيل في التشريع المبدأ القائل بأن الحق في ممارسة تقرير المصير القومي في إسرائيل حصري للشعب اليهودي. وتنعكس قوة الحاخامية الأرثوذكسية في أمور مثل الزواج، في ظل عدم وجود شيء مثل الزواج المدني هناك.

حقوق الإنسان الأخرى: يقول بيلر إن جميع الدول الثلاث تنتهك حقوق الإنسان. وتشمل أبرز جرائم إيران؛ الاحتجاز غير القانوني للمعارضين أو الأبرياء الذين يُستخدمون كطعم تجاري في النزاعات الدولية. وتبدأ القائمة الطويلة للجرائم التي ارتكبتها السعودية، في تقرير حقوق الإنسان الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، بعمليات الإعدام على جرائم غير عنيفة؛ والاختفاء القسري؛ والتعذيب وحالات المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة للسجناء والمحتجزين من قبل السلطات الحكومية؛ وظروف السجن القاسية والمهددة للحياة؛ والاعتقال والاحتجاز التعسفي.

دولي

منذ شهرين
«ستراتفور»: خطة أمريكية جديدة «لحماية» الشرق الأوسط من إيران

أما بالنسبة لإسرائيل، فقد قامت منظمات حقوق الإنسان بما في ذلك منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة بتسيلم الإسرائيلية بتوثيق شامل لانتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بنظام الفصل العنصري الذي تمارسه إسرائيل في الأراضي المحتلة، بما في ذلك الاعتقالات لأجل غير مسمى. وهدم المنازل والاستخدام المتكرر للقوة المميتة.

الإرهاب: يؤكد بيلر أن الدول الثلاث هي جزء من مشكلة الإرهاب بقدر ما هي جزء من الحلول لمكافحته. وتراجعت إيران عن استخدامها المكثف للتكتيكات الإرهابية، وخاصة الاغتيالات الخارجية للمعارضين، خلال السنوات الأولى بعد ثورتها. أما الآن فمعظم محاولاتها لاستخدام مثل هذه التكتيكات هي رد مباشر على استخدام تكتيكات مماثلة من قبل إسرائيل. ولكن كان هذا الرد غير فعال إلى حد كبير، لدرجة أن رئيس مخابرات الحرس الثوري أُقيل نتيجة لذلك.

في المقابل، تمتلك إسرائيل جهازًا محترفًا ونشِطًا للاغتيالات في الخارج. وارتفعت مؤخرًا عمليات الاغتيال والتخريب السرية في الخارج، وخاصة ضد الأهداف الإيرانية. هذا بالإضافة إلى الحافز الذي أعطاه الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية للتطرف العنيف المناهض للغرب.

ويضيف الكاتب فيما يتعلق بالسعودية، أن إرهاب الدولة المباشر من قبل السعودية اتخذ أشكاله الأبرز مع اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في تركيا في عام 2018. ولكن ربما كان التأثير الأكبر على نوع الإرهاب الذي أثر في المصالح الأمريكية هو ترويج الدولة السعودية لنسختها من الإسلام الوهابي الذي وصفه الكاتب بـ«المتطرف»، موضحًا أنها الأيديولوجية التي ألهمت العديد من المجندين للانضمام إلى أمثال القاعدة وداعش.

Embed from Getty Images

العلاقات مع القوى العظمى: لم تكن أي من الدول الثلاث مفيدة بشكل خاص للولايات المتحدة فيما يتعلق بعلاقاتها مع روسيا والصين – ينوه بيلر. وتواصلت إيران مع كل من روسيا والصين، وهذا ليس مفاجئًا، بالنظر إلى أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة لم تمنح طهران سوى بدائل قليلة. من جانبها، مارست السعودية لعبة قوة عظمى غير متعاونة في الثمانينيات عندما اشترت سرًّا صواريخ باليستية متوسطة المدى من الصين.

اليوم، تتخذ الرياض موقفا لينًا تجاه روسيا على الرغم من غزو أوكرانيا. ولم تتعاون إسرائيل أيضًا فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، ومن الواضح أنها تقدر علاقاتها مع روسيا – وحريتها في مواصلة شن الهجمات في سوريا دون اعتراض موسكو – أكثر من أي شعور بالامتنان على 3.8 مليار دولار من المساعدات الأمريكية السنوية، بحسب وصف الكاتب.

النفط: لا ينبغي أن يكون إنتاج النفط اعتبارًا عامًا عند تقديم الالتزامات الأمنية، ولكن من الواضح أنه يحتل مكانة عالية في جدول أعمال بايدن لمحادثاته مع السعوديين وقد يكون جزءًا من أي صفقة يعقدها معهم. ومن غير المرجح أن يحصل على الكثير في هذا الصدد بغض النظر عما يقدمه، لأسباب تتعلق بالقدرة الإنتاجية للمملكة، وكذلك الإمارات.

تمتلك إيران، التي قيّدت العقوبات صادراتها النفطية، رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم. وبحسب مسؤولي النفط الإيرانيين، يمكن لإيران مضاعفة صادراتها للمساعدة في تلبية الطلب العالمي وقد تصل إلى طاقتها الإنتاجية القصوى في غضون شهرين بعد تخفيف العقوبات ذات الصلة.

منطقة الشرق

منذ شهرين
مترجم: لصد «الخطر» الإيراني.. نظام رادارات إسرائيلي يتوقع تثبيته في الإمارات

ومن المحتمل أن يحصل بايدن على المزيد من النفط غير الروسي في السوق العالمية، وبالتالي المساعدة في خفض أسعار البنزين، وذلك عن طريق عودة الولايات المتحدة بسرعة إلى الامتثال لخطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، وهي الاتفاقية التي حدت من برنامج إيران النووي، بدلاً من منح السعوديين تنازلات في بعض الترتيبات الأمنية المناهضة لإيران.

باختصار – يختتم بيلر بالقول – لا مبرر لقيام الولايات المتحدة بتقديم التزامات جديدة وتحمل تكاليف إضافية نيابة عن جانب واحد في الشرق الأوسط الذي يشمل البلدان التي سيزورها بايدن في رحلته المرتقبة. ولا ينطوي مثل هذا الانحياز على التمسك بمصالح أكثر انسجامًا مع المصالح الأمريكية، بل ينتج الانحياز عن العادة الوطنية الراسخة، والتي تعود إلى الأيام الأولى بعد الثورة الإيرانية، باعتبار إيران عدوًّا أبديًّا، ومن التأثير المعتاد لتفضيلات الحكومة الإسرائيلية في السياسة الأمريكية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد