نشر موقع شبكة «سي إن إن» الإخبارية الأمريكية تقريرًا لكلوديا ريبازا، مراسلة قناة «سي إن إن en Español» الإخبارية الناطقة باللغة الإسبانية، والتي تعمل في مكتب الشبكة في العاصمة البريطانية لندن، تناولت فيه ظاهرة السياح الذين يَفِدون إلى الولايات المتحدة بغرض الحصول على اللقاحات ضد مرض كوفيد-19. وأسهمت مراسلة «سي إن إن» خيمينا دي لا كوينتانا في إعداد هذا التقرير من العاصمة البيروفية ليما.

وفي مطلع تقريرها، أشارت المراسلة إلى ما قاله رجل الأعمال، إلفر إستيلا، البالغ من العمر 49 عامًا، لشبكة «سي إن إن»: «جئنا إلى الولايات المتحدة ليس من أجل تحقيق الحلم الأمريكي (حياة أفضل وأكثر ثراء وسعادة)، وإنما جئنا إلى هنا من أجل حلم الحصول على اللقاح». وكان إستيلا قد سافر من جمهورية بيرو بحثًا عن لقاح كوفيد-19 وحصل على الجرعة الأولى من لقاح فايزر في مركز التطعيم باللقاحات في مدينة سياتل، واشنطن.

لن ألعب الروليت الروسية بعد الآن

وأفاد التقرير بأنه في وقت سابق من هذا العام، اتَّخذ إستيلا قراره بالسفر إلى الولايات المتحدة – حيث تتوفر اللقاحات بصورة كبيرة نسبيًّا – بعد أن رأى عديدًا من الأشخاص المقرَّبين من حوله يصابون بفيروس كورونا، وهي تجربة شبَّهها بلعبة الروليت الروسية (لعبة الحظ الروسية المميتة). وفي ظل وجود أكثر من 68 ألف حالة وفاة بسبب مرض كوفيد-19 من بين 32 مليون نسمة هو تعداد السكان في دولة بيرو، تُعد بيرو واحدة من أكثر البلدان في أمريكا اللاتينية تضررًا من فيروس كورونا.

اقتصاد الناس

منذ شهرين
«بلومبرج»: حياة ما بعد الجائحة.. كيف ترفع أوروبا القيود التي فرضها كورونا على القارة؟

ولمَّا وصل إستيلا أخيرًا إلى الولايات المتحدة خلال الأسبوع الأول من شهر مايو (أيار)، نما إلى عِلمه أن أحد أقرب زملائه في العمل قد أثبتت التحليلات إصابته بفيروس كورونا هناك في العاصمة البيروفية ليما.

وعن تلك اللحظة التي حقنته فيها ممرضة في مدينة سياتل باللقاح، يقول إستيلا: «شعرتُ بارتياح وتحرر شديدَيْن؛ إذ إنني لن ألعب لعبة الروليت الروسية بعد الآن».

وإستيلا ليس المثال الوحيد على رغبة البعض في السفر للحصول على اللقاح؛ إذ ازداد الطلب على السفر من دول أمريكا اللاتينية إلى الولايات المتحدة في عام 2021، مدفوعًا بالاهتمام المتزايد بما يُسمَّى بـ«سياحة اللقاحات»، وفقًا لبعض خبراء السفر والصحة.

وصرَّح نائب وزير الصحة العامة في بيرو، جوستافو روسيل، لوسائل الإعلام المحلية في 18 مايو بأن ما يُقدَّر بنحو 70 ألف بيروفي سافروا بالفعل إلى الخارج للحصول على التطعيم.

Embed from Getty Images

وقال جوزيه ريكاردو بوتيلو، الرئيس التنفيذي لاتحاد النقل الجوي لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (ALTA) لشبكة «سي إن إن» الإخبارية إن الزيادة الأخيرة في عدد الرحلات القادمة من أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي والمتجهة إلى الولايات المتحدة من المحتمل أن تكون مرتبطة بسياحة اللقاحات.

وفي تصريح لشبكة «سي إن إن»، قال بوتيلو: «والدليل على ذلك أنه في عام 2019، اتَّجه 77% من الرحلات إلى أمريكا الشمالية إلى خارج الولايات المتحدة. وفي مارس (آذار) 2021، بلغت نسبة هذه الرحلات 87% إلى الولايات المتحدة، وهذه الزيادة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعدد كبير من سائحي «اللقاحات» الذين يذهبون إلى الولايات المتحدة الأمريكية للحصول عليها».

سياحة اللقاحات: ما زال أمامنا طريق طويل

ولفت التقرير إلى أن منطقة أمريكا اللاتينية تعاني من نقص شديد في لقاحات كوفيد-19. وعلى الرغم من إعطاء أكثر من 400 مليون جرعة لقاح ضد مرض كوفيد-19 في جميع أنحاء الأمريكتين، فإن معظمها كان في الولايات المتحدة، حسبما صرحت مديرة منظمة الصحة للبلدان الأمريكية (PAHO) كاريسا إتيان للصحافيين في 19 مايو.

وقالت: «في الواقع، جرى تطعيم 3% فقط من الأمريكيين اللاتينيين تطعيمًا كاملًا ضد كوفيد-19، وما زال أمامنا طريق طويل يجب أن نمضي فيه لضمان حماية الجميع من فيروس كورونا».

من وجهة نظر كاريسا إتيان، فإن سياحة اللقاحات ليست حلًّا ولكنها «عَرَضٌ ناجم عن الكيفية المتَّبَعة لتوزيع اللقاحات غير المتكافئ في الأمريكتين».

وأشار التقرير إلى أن بلدان أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي تلقَّت أكثر من 12 مليون جرعة من خلال مبادرة الوصول العالمي للقاحات كوفيد-19 (كوفاكس) المدعومة من منظمة الصحة العالمية ابتداء من 21 مايو، لكن البرنامج يواجه تأخيرات في عمليات شحن اللقاحات التي هي في الأصل محدودة العدد، وفقًا لمسؤولي منظمة الصحة للبلدان الأمريكية (PAHO).

الذهاب إلى مكان توافر اللقاح

ونقل التقرير عن المسافرين الذين قابلتهم «سي إن إن» قولهم إنه لم يُطلَب منهم تقديم إثبات الإقامة في الولايات المتحدة وهم في مراكز التطعيم، وأن بعضهم قدَّم بطاقات الهوية الوطنية أو جوازات السفر. وتقول مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) إنه: «لا يجوز للسلطات القضائية أن تضيف مزيدًا من المتطلبات مثل الحصول على جنسية الولايات المتحدة، أو أن تطلب التحقق من الجنسية الأمريكية شرطًا للحصول على اللقاح».

Embed from Getty Images

والأكثر من ذلك، أقامت مدينة نيويورك مواقع تطعيم متنقلة بالقرب من مناطق الجذب السياحي في المدينة. وقال عمدة المدينة بيل دي بلاسيو للصحافيين يوم 11 مايو: «نسعى لتقديم فرص تطعيم متنقلة للسياح في بعضٍ من أكثر المناطق التي تشهد إقبالًا كثيفًا من السياح في مدينة نيويورك؛ الأماكن التي يحب السياح زيارتها، وأعتقد أن هذا جزء من الترحيب بعودتهم إلى مدينة نيويورك، فنحن نريد أن ينعم الجميع بالسلامة».

وقال مواطن بيروفي آخر، يدعى فلافيو سان مارتن، لشبكة «سي إن إن»: «إذا كنتَ لم تحصل على اللقاح، فقد حان الوقت للحصول عليه». سافر فلافيو، وهو مستشار أعمال، إلى مقاطعة دورهام بولاية نورث كارولينا مع أسرته في 13 أبريل (نيسان) وتلقى جرعتين من لقاح موديرنا.

وقال سان مارتن: «أبلغ من العمر 46 عامًا وأظن أنه لم يكن بإمكاني الحصول على اللقاح في بلدي قبل ديسمبر (كانون الأول). ورأيت أشخاصًا يموتون وبات الخطر يقترب مني أكثر فأكثر».

وتقول باميلا كارد، البالغة من العمر 37 عامًا من المكسيك، إنها لا تريد الانتظار أكثر من ذلك حتى يأتيها الدور للحصول على لقاح في بلدها. وتضيف: «سلامة عائلتنا أهم. يمكننا أن نشعر بالأمان وبقدر أقل من الذعر إذا حصلنا على اللقاح».

تقول باميلا إنها تلقت التطعيم خلال عطلة نهاية أسبوع طويلة في مدينة ميامي، مع تسعة أصدقاء آخرين. وتمكن كل منهم من الحصول على مواعيد عبر الإنترنت لتلقي لقاح جونسون آند جونسون في صيدلية.

تضيف باميلا: «كل ما عليك فعله هو أن تملأ نموذجًا بسيطًا، وطلبوا بطاقة هوية لتأكيد اسمك، وقدَّمت بطاقة هويتي الوطنية المكسيكية، وكان هذا كل ما في الأمر».

ونوَّه التقرير إلى أن المكسيك وبيرو تضرَّرتا بشدة من الجائحة. وتجاوزت أعداد الإصابات في المكسيك 2.399.790 حالة إصابة بمرض كوفيد-19، تليها بيرو بأكثر من 1.932.255 حالة إصابة، وفقًا لبيانات جامعة جونز هوبكنز.

وبينما قدَّمت المكسيك تطعيمات لما يزيد قليلًا على 9% من سكانها، لا تزال بيرو متأخرة جدًّا؛ حيث جرى تطعيم ما يزيد قليلًا على 3% من سكانها بالكامل وفقًا لتتبُّع اللقاحات في شبكة «سي إن إن».

تقول أدريانا دياز البالغة من العمر 28 عامًا: «سجَّلتُ مع عائلتي للحصول على اللقاح، وأدركنا أنه سيتعين علينا الانتظار لوقت طويل حتى يأتي دور والدتي ودوري في الحصول على اللقاح». وسافرت هي ووالدتها البالغة من العمر 49 عامًا من المكسيك إلى أتلانتا، حيث تنتظران الآن الجرعة الثانية من لقاح فايزر.

Embed from Getty Images

تقول أدريانا: «أشعر بعظيم الامتنان لحكومة الولايات المتحدة لأنها تسمح للناس بالتطعيم هنا».

ما تكلفة الحصول على اللقاح؟

فيما يخص أولئك الذين يستطيعون تحمُّل التكاليف، تُعد تكلفة رحلة السفر الدولية والإقامة في الولايات المتحدة هو كل ما يتطلبه الأمر للحصول على اللقاح.

يقول ريكاردو أكوستا، رئيس اتحاد وكالات السفر والسياحة في بيرو، إن الرحلات من العاصمة البيروفية ليما إلى الولايات المتحدة محجوزة بالكامل حتى يونيو (حزيران) القادم. ويضيف أنه من المتوقع أن يزداد الطلب بسبب سياحة اللقاحات فحسب.

وقال أكوستا إن عدد الأشخاص الذين يسافرون من بيرو إلى الولايات المتحدة تضاعف أربع مرات منذ فبراير (شباط) – من 10 آلاف في فبراير إلى 40780 في أبريل. كما زادت تكاليف رحلات الطيران. وكان متوسط ​​سعر التذكرة الاقتصادية من ليما إلى ميامي في هذا الوقت من العام يتراوح من 500 إلى 700 دولار، وفقًا لأكوستا. ولكن في أيامنا هذه، تبدأ الأسعار من 1200 دولار ويمكن أن تصل حتى 4500 دولار، بحسب أكوستا. وفي السنوات العادية، كان موسم الذروة للرحلات بين بيرو والولايات المتحدة عادةً ما يكون في شهر يوليو (تمُّوز).

وبلغت تكلفة رحلة باميلا كارد من العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي إلى مدينة ميامي حوالي 10 آلاف بيزو مكسيكي (500 دولار) لمدة أربعة أيام؛ شاملةً الإقامة. وتقول إن الرحلة لم تكن باهظة التكلفة كما توقعت، لكنها لا تزال بعيدة المنال بالنسبة لعديد من المكسيكيين. وتضيف: «لا يستطيع الجميع فعل ذلك… وبحوالي 10 آلاف بيزو مكسيكي دفعتها أنا، يمكن لعائلة في المكسيك شراء الطعام لمدة شهر».

يقول إرنستو أورتيز، كبير المديرين في معهد الصحة العالمية بجامعة ديوك، الذي يراقب توزيع اللقاح في جميع أنحاء العالم، إننا: «نرى أن سياحة اللقاحات شيء واقعي ومنتشر للغاية. وطالما استمرت عدم المساواة في توزيع اللقاحات في جميع أنحاء العالم، فستستمر سياحة اللقاحات في الزيادة».

عدم المساواة في توزيع اللقاحات

في مركز التطعيم في مدينة سياتل، قال إستيلا إنه شعر بترحيب حار. وقال إن حقيقة أنه ليس مواطنًا أمريكيًّا لا تبدو مهمة.

وأضاف: «كان الجميع لطفاء ودودين هناك، وعندما أدركت أحدهم أنني من أمريكا اللاتينية، قالت لي: مرحبًا بك وعائلتك للحضور في أي وقت إلى هنا والحصول على التطعيم، لدينا لقاحات هنا. وهذه الكلمات تعني لي كل شيء».

Embed from Getty Images

وبينما ينتظر إستيلا جرعته الثانية في وقت لاحق من شهر مايو، انضمت إليه زوجه أورسولا وابنته أريانا البالغة من العمر 18 عامًا في سياتل. واختاروا لقاح جونسون آند جونسون.

تقول أورسولا، واصفة اللحظة التي تلقت فيها جرعة اللقاح، لقد «شعرتُ بأنني محصَّنة ضد الفيروس، لأنني أدركتُ أنه يمكنني العودة إلى بلدي في أمان، وما زلتُ أتخذ جميع الاحتياطات ولكن بأمان». ومثل كثيرين قابلتهم شبكة «سي إن إن»، قالت إن سياحة اللقاحات التي قامت بها ساعدت في إبطاء انتشار فيروس كورونا وأفسحتْ المجال أمام شخص آخر في وطنها ليحل محلها في صفوف انتظار الحصول على اللقاح.

وقالت: «نحن نساعد في وقف انتشار الفيروس في بلادنا، وكلما زاد عدد الأشخاص الذين تلقوا اللقاح، ساعد ذلك على تقليل مستويات انتقال العدوى».

وأضاف زوجها: «حلم اللقاح يعني أيضًا توفير لقاح إضافي لمن يحتاجه في بلادي… وإذا كان بإمكاني إنقاذ حياة شخص آخر من خلال قيامي بهذه الرحلة، فإن الأمر يستحق ما هو أكثر من التكلفة الاقتصادية».

هذه ليست كذبة أبريل

وألمح التقرير إلى أنه بمرور الوقت، قد تصبح وجهات دولية أخرى أيضًا خيارًا للمسافرين من أمريكا اللاتينية الذين يتطلعون إلى تسريع وتيرة العلاج باللقاح.

في روسيا، اقترح منتجو لقاح «سبوتنيك V» برنامج تطعيم للأجانب على «تويتر»: «لقاح سبوتنيك V في روسيا! مَنْ سيأتي على متن الطائرة للحصول على اللقاح»؟ وقال حساب سبوتنيك V على «تويتر» أيضًا: «للتوضيح فقط، هذه ليست كذبة أبريل. نحن نعمل على بدء هذا البرنامج في يوليو».

دولي

منذ شهرين
«فورين بوليسي»: كيف تشكِّل اللقاحات ملامح النظام الجيوسياسي الجديد في العالم؟

الدولة الأقرب إلى بيرو هي جمهورية كوبا، التي تعمل حاليًا على تطوير لقاح كوفيد-19 الخاص بها مع لقاحين مرشحَيْن في المرحلة الثالثة الأخيرة من التجارب السريرية. وإذا سارت الأمور على ما يرام، يتوقع مسؤولو الصحة الكوبيون تطعيم غالبية السكان بحلول نهاية الصيف، وقد طرحوا فكرة تعزيز صناعة السياحة المحلية عن طريق تقديم «عطلات التطعيم» للزوار.

في غضون ذلك، تعد الرحلة إلى الولايات المتحدة للحصول على لقاح خيارًا لمواطني البلدان التي لا يزال فيها فيروس كورونا خارج نطاق السيطرة.

واختتمت المراسلة تقريرها بقول سان مارتن: «إذا أتيحت لك الفرصة للقيام بهذه الرحلة، فمن الجنون ألا تفعل ذلك… الفيروس يحيط بنا من كل جانب».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد