الفجوة بين مَنْ يملكون اللقاح ومَنْ لا يملكونه تزداد اتساعًا

كتب سايمون فرانكل برات، المحاضر بكلية العلوم الاجتماعية والسياسية والدراسات الدولية في جامعة بريستول، وجامي ليفن، الأستاذ المساعد في العلوم السياسية في جامعة سانت فرانسيس خافيير في كندا، تحليلًا نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية عن دبلوماسية اللقاحات التي نشأت بفعل احتدام أزمة فيروس كورونا، والتي تسعى فيها الدول الغربية إلى فرض قيود على صادرات اللقاحات خارج أراضيها واقتصارها على سد الطلب المحلي.

ويأتي ذلك في وقتٍ ترفض فيه تلك الدول منح تراخيص لإنتاج اللقاح، بينما تسعى دول أخرى مثل الصين وروسيا إلى الحصول على تنازلات سياسية مقابل توفير اللقاح لدولٍ أخرى.

صحة

منذ 3 شهور
مترجم: اللقاحات وحدها لا تكفي للقضاء على فيروس.. وهذا ما يجب فعله

ويشير الكاتبان في مستهل تحليلهما إلى أن الجائحة أدَّت إلى تفاقم الانقسام العالمي بين شمال الكرة الأرضية وجنوبها؛ إذ تحركت الدول الغربية الغنية بثبات نحو مناعة القطيع، بينما تنتظر غالبية دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أن تتقاطر اللقاحات إليهم. ويُنتِج عدد قليل فقط من البلدان لقاحات فيروس كورونا الخاصة بها، لكن بقية العالم يعتمد على هذا القليل في توفير اللقاح. ويثير هذا شبح وجود ترتيب جيوسياسي جديد – وهو ترتيب يجرى فيه تحديد العلاقات بين الراعي والعميل في ظل وجود عدم تناسق في عرض اللقاح مقابل الطلب.

مَنْ لا يملكون اللقاح عرضة للإكراه

وأكد الكاتبان وجود مؤشرات قوية بالفعل على أن مَنْ لا يملكون اللقاح معرضون للإكراه والإغراء الدبلوماسيَين. وبدأت روسيا والصين في توفير اللقاحات مقابل تنازلات مواتية في السياسة الخارجية، كما فعلت ذلك إسرائيل. وفي غضون ذلك، تركز الدول الغربية على برامج التطعيم المحلية الخاصة بها، على الرغم من أن الولايات المتحدة قد أعلنت مؤخرًا نيتها تقديم مساعدات اللقاحات إلى البلدان المتضررة بشدة، وخاصة الهند.

وفيما يخص الدول غير المُنتِجة للقاحات، هناك دائمًا السوق – وقد نجح ذلك للوهلة الأولى في بعض الدول. إذ بدأ الاتحاد الأوروبي في الانطواء على نفسه، حيث قدَّم ملايين الجرعات إلى دوله الأعضاء السبعة والعشرين. وتستمر إسرائيل في تقديم قصة نجاح مبكرة. وبدلًا من استخدام قاعدتها الصيدلانية الكبيرة، استوردت الملايين من جرعات فايزر-بيونتيك وأدارَتها بسرعة وكفاءة.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من عدم امتلاكها القدرة على الإنتاج المحلي، تحتل كندا الآن المرتبة الثالثة من حيث معدلات التطعيم لأكبر 34 دولة، بعد المملكة المتحدة والولايات المتحدة. واستورَدت كندا عشرات الملايين من الجرعات من أوروبا والولايات المتحدة. ويمكن العثور على قصص نجاح مماثلة في قطر، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين.

غير أن قصص النجاح في السوق هذه تقتصر إلى حد كبير على العلاقات التجارية الموجودة مسبقًا والمكثفة بين الاقتصادات الصناعية الغنية والمتقدمة. ولا تزال معدلات التطعيمات في معظم البلدان الأخرى منخفضة للغاية، وعلى الرغم من كومة جرعات أسترازينيكا في الولايات المتحدة، فإن هذا الانخفاض الكبير ناتج من قيود التوريد.

وتعني قوانين الملكية الفكرية وقيود البنية التحتية احتكارًا شبه كامل لقدرات الإنتاج في حفنة صغيرة من البلدان، وتسلسلًا هرميًّا للمزايا والأفضليَّات التجارية؛ حيث تحظى حفنة من البلدان غير المُنتِجة بالأولوية بينما تُترك بلدان أخرى دون المستوى المطلوب.

كوفاكس بين المأمول والواقع

وللتغلب على هذه التحديات، أنشأت منظمة الصحة العالمية كوفاكس (COVAX)، وهي مبادرة لتنسيق أبحاث اللقاحات وترخيص الإنتاج من أجل ضمان التوزيع العادل والمنصف في جميع أنحاء العالم. غير أنه حتى تاريخه، تعاني هذه الجهود من قصور كبير. وجرى توزيع عدد قليل من اللقاحات من خلال هذا الجهد التعاوني. وبدلًا من ذلك، فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، في مواجهة النقص المحلي، قيودًا على صادرات اللقاح، مما قلَّل المعروض.

ولكن بينما لا تزال الولايات المتحدة وكندا وأوروبا يركزون على حملات التطعيم المحلية الخاصة بهم، يبدو منتجو اللقاحات الآخرون على استعداد لاستغلال الطلب العالمي واستخدام إمداداتِهم الخاصة بصفتها أداةً دبلوماسية.

الصين وروسيا ودبلوماسية اللقاح

ويمضي الكاتبان إلى انخراط الصين وروسيا بنشاط في دبلوماسية اللقاح، إذ ربطتا صادرات اللقاح بتنازلات في السياسة وعمليات إعادة التشكيل الجيوسياسية المواتية لهما. وفي فبراير (شباط)، توسطت روسيا في إطلاق سراح مواطن إسرائيلي محتجز في سوريا مقابل تمويل إسرائيل بلقاحات «سبوتنيك5» لإرسالها إلى سوريا. وبالمثل، قدَّمت روسيا اللقاحات إلى بلدان أوروبا الوسطى والشرقية، مما جعلها أقرب إلى مدارها.

Embed from Getty Images

وأعلنت الصين أن لقاحي سينوفاك وسينوفارم يعدان «منفعة عامة عالمية»، وبدأت في تزويد ما يقرب من 100 دولة بهما، في كثير من الحالات دون تكلفة. ويبدو أن بعضًا من هذا يهدف إلى تقويض الصفقات التي أبرمتها الدول مع شركة «فايزر» وإحباطِها من خلال الشحنات السابقة، وربما رشوة المسؤولين المحليين. وفي الوقت نفسه، تشير تسريبات جديدة إلى أن الصين طالبت باراجواي بتغيير موقفها من تايوان، ونجحت في الضغط على البرازيل لفتح سوق الجيل الخامس أمام هواوي، باعتبار ذلك شرطًا مسبقًا لتلقي شحنات اللقاح.

هل تكون هناك حاجة إلى جرعة سنوية من اللقاح؟

وإذا كان هذا الوضع ينطبق عليه قول القائل إِذا هَبَّت رِياحُك فاغتَنِمها، فَعُقبى كل خافِقَةٍ سُكون، فمن المحتمل أن تأتي روسيا والصين في مقدمة مَنْ يغتنمون الفرصة. وينطبق ذلك على الهند أيضًا، وذلك بمجرد أن تنتهي من مواجهة الموجة الثانية المتصاعدة بسرعة. وإذا لم تكن هناك حاجة إلى مواد تعزز فاعلية اللقاحات أو لقاحات منتظمة أكثر من مرة كل عدة سنوات، فمن غير المرجح أن يشهد العالم إعادة توجيه جيوسياسي كبير. ولكن إذا كانت هناك حاجة إلى جرعة سنوية، كما حذَّر علماء الأوبئة البارزون من أنها قد تكون ضرورية، فسوف تكون هذه قصة أخرى لها ما بعدها.

وشدد الكاتبان على أن الأمن القومي يُعد أحد منافع الهيمنة الرئيسة التي توفرها القوى الطامحة. وتتجلى التبعيات الجيوسياسية عادةً في توفير الأدوات العسكرية من خلال صفقات الأسلحة والقواعد والالتزامات الأمنية الجماعية. وخلال الحرب الباردة، على سبيل المثال، تدفقت كميات هائلة من الأسلحة والتدريب والقوات إلى الجنوب العالمي، حيث كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يتنافسان على الدول العميلة، وحيث سَعَت تلك الدول العميلة سَعْيًا انتهازيًّا إلى الراعي الأكثر سخاءً.

وبينما تضاءلت هذه التدفقات منذ ذلك الحين، فإنها لا تزال مستمرة. وفي السوق الحالية من أجل هذا النفع، تجلس الولايات المتحدة على القمة، بدعم من عدد قليل من الحلفاء. وتهيمن روسيا داخل منطقة صغيرة على مجموعة من الدول التابعة، وتسعى الصين إلى الشيء نفسه، بنجاح جزئي حقًّا، ولكن بتطلعات واضحة.

وتبدو الأمور مختلفة في سوق الأدوية العالمية. وبينما لا تزال الولايات المتحدة لاعبًا رئيسًا، فإنها تواجه منافسة شديدة من عدة منافسين محتملين. وفي أوروبا الغربية، تتمتع ألمانيا والمملكة المتحدة بنفوذ غير متناسب، كما هو الحال فيما يخص روسيا في مناطق نفوذها السابقة، أوروبا الوسطى والشرقية.

Embed from Getty Images

وتتمتع كل من الصين والهند بقدرة إنتاجية هائلة، والأهم من ذلك أنهما تسيطران على أسواق تصدير الأدوية المكافئة أو Generics (دواء يكافئ منتجًا دوائيًّا ذا علامة تجارية مسجلة ومحمية قانونًا، فيماثله من حيث الشكل الدوائي وشدته ونوعيته وخصائص الأداء له واستخدامه) خارج الغرب. وعلى الرغم من كون إسرائيل قوة إقليمية صغيرة نسبيًّا، فإنها تتمتع أيضًا بأهمية أكبر بكثير مما قد يشير إليه حجمها بوصفها مورِّدًا رئيسًا آخر للأدوية المكافئة.

ويرى الكاتبان أنه إذا ظل الطلب على اللقاحات مرتفعًا على المدى الطويل، فإن المنافسة بين هذه الدول لتصبح المورِّد المهيمن في العالم ستؤدي إلى توازن قوى عالمي مختلف تمامًا عما هو عليه اليوم.

رفض التنازل عن براءات الاختراع

بينما كانت موطنًا للقاحات التي تنتجها شركات مثل «فايزر» و«موديرنا» و«أسترازينيكا» و«جونسون آند جونسون»، وكلها الآن أسماء مألوفة وتَعد لقاحاتِها أكثر فعالية، أبدت حكومات هذه الدول إحجامًا عن توفير جرعات لكثير من بقية دول العالم لئلا يكون ذلك على حساب معدلات التطعيم المحلية. والولايات المتحدة والمملكة المتحدة لم تصدرا أي شيء تقريبًا، والاتحاد الأوروبي يحكم قبضته على التطعيمات.

وبالمثل لم تكن هذه الدول مستعدة للتنازل عن براءات الاختراع، مما يسمح بإنتاج هذه اللقاحات في أماكن تشتد فيها الحاجة إليها. ويشير هذا إلى أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بطيئان في الاستفادة الكاملة من الفرص الجيوسياسية لدبلوماسية اللقاحات، أو على الأقل غير مستعدين للقيام بذلك بالحماسة واللهفة نفسَهُما مثل الدول الأخرى. غير أن ذلك قد يتغير مع مرور الوقت، وستكون النتيجة تفاقم عدم المساواة في العلاقات التجارية غير العادلة بالفعل بين هذه البلدان وبلدان جنوب الكرة الأرضية.

وعندما يتعلق الأمر بآسيا، قد يكون التركيز في الغالب على تايوان، حيث تعد دبلوماسية الجائحة مكثفة على نحو خاص. وحاولت الصين استغلال الجائحة لعزل الجزيرة، وتحركت تايوان لإحباط تلك المحاولات من خلال مبادراتها الدبلوماسية الخاصة – بما في ذلك تعزيز نجاحاتها في مجال فيروس كورونا. وعلى وجه الخصوص، سَعَت الصين دون جدوى إلى ربط توفير اللقاح بعلاقات أكثر برودة مع العاصمة التايوانية تايبيه، كما في حالة باراجواي.

Embed from Getty Images

وبدلًا من ذلك، تدخلت الهند لتقديم اللقاحات – بناءً على طلب تايوان. وفي حين أن الصين قد تكرر مثل هذه التحركات في المستقبل، فإن نفوذ الهند سيزداد إذا أصبح توفير اللقاح منفعة جيوسياسية أساسية وطويلة الأجل. كما يُوضح ذلك أن تايوان ليست وحدها من دون رعاة أقوياء، وأن المنافسة الإقليمية المستمرة بين الصين والهند قد توفر لها الحماية.

إسرائيل تستفيد من الجائحة لتوسيع نفوذها الجيوسياسي

ويستدرك الكاتبان قائلَيْن: لكن ربما من المدهش أن المستفيد الأكبر قد يكون إسرائيل. وتستعد شركة «تيفا» للأدوية (Teva)، أكبر منتج منفرد للأدوية المتكافئة في العالم، بالفعل لبدء تصنيع جرعات مرخصة من اللقاحات.

صحة

منذ أسبوعين
«نيويورك تايمز»: لماذا تأخر اللقاح في هذه الدول برغم تعاملها الجيد مع الجائحة؟

الشركة التي يقع مقرها الرئيس في مدينة بتاح تكفا الإسرائيلية، قد لا تكون المورد المهيمن على الأسواق الغنية في أوروبا والولايات المتحدة، ولكنها مصدر أساسي للأدوية بأسعار معقولة لكثير من دول الجنوب، وستعزز أيضًا النفوذ الجيوسياسي لإسرائيل تعزيزًا كبيرًا إذا ما أصبح توفير لقاح كوفيد-19 المستمر ضروريًّا لصحة العالم. وبحسب ما ورد، عرضت إسرائيل جرعات من اللقاح على هندوراس، وجمهورية التشيك، وجواتيمالا مقابل نقل سفاراتِهم إلى القدس.

واختتم الكاتبان مقالهما موضِّحَيْن أن شمال الكرة الأرضية بدأ في الخروج من الأزمة بالآلات اللازمة لتوفير المواد التي تعزز فاعلية اللقاحات عند الضرورة، بينما يواصل جنوب الكرة الأرضية محاربة جائحة تزداد ضراوة. ومع ذلك، قد تكون الجائحة مكلفة جيوسياسيًّا حتى لهذه البلدان الغنية، حيث يقوم الحلفاء السابقون أو العملاء بإعادة الاصطفاف مع الخصوم الحاليين، فيما يُصعِّد الشركاء السابقون من قوتهم وتأكيد مصالحهم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد