نشر موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي تقريرًا لديفيد بيرل، الأستاذ المشارك في جامعة التكنولوجيا في سيدني، تحدث فيه عن اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد، وما هو، وما هي التحديات التي يواجهها المصابون به، وطرق علاجه.

يقول الكاتب في مستهل تقريره: كان منح جريس تامي (مدافعة عن ضحايا الاغتصاب والاعتداء الجنسي وتعرَّضت للاغتصاب وهي بعمر الخامسة عشر) جائزة مواطن العام في 2021 في أستراليا اعترافًا متأخرًا ولكن مهمًا بالشجاعة غير العادية لعديد من ضحايا الاعتداء الجنسي والانتهاكات الجنسية في حق الأطفال نظرًا لقدرتهم على العودة للتكيف مع الحياة ومعالجة صدمات ما بعد الاعتداء الجنسي.

وفي الخبر الأسترالي الذي تناولته قناة «إيه بي سي»، سلَّطت جريس تامي الضوء على أهمية الحصول على الدعم العاطفي بعد الصدمة، وقالت إنها شُخِّصت بالإصابة بـ«اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد (CPTSD)». ودفع حديث جريس آخرين إلى طلب المساعدة لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد.

ما هو اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد؟

يشير التقرير إلى أن هذا الاضطراب يمكن أن يظهر بعد التعرض لحادث صادم مع ظهور أعراض تنقسم إلى أربع مجموعات: 

  • استعادة المعاناة من الصدمة لا إراديًّا (الذكريات والكوابيس).
  • تجنب الأمور التي تُذكرهم بالصدمة.
  • تغييرات عميقة في المزاج والمعتقدات بعد التجربة الصادمة.
  • ردود الفعل القوية واليقظة تجاه الخطر.

وهناك العديد من الطرق التي يمكن أن تظهر بها أعراض اضطراب ما بعد الصدمة. ولكن أبرز هذه الأعراض لدى بعض الناس تتمثل في استعادة الذكريات المؤلمة، أما بعضهم الآخر، فقد تتمثل الأعراض الأكثر صعوبة في الترقب المستمر للخطر، والشعور بالتهديد.

ووُضِع تصنيف اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد لأول مرة في عام 1980. وبحلول تسعينات القرن الماضي كان هناك دفع متزايد باتجاه الاعتراف بأن الناجين من الصدمات يواجهون أحيانًا صعوبات في مجالات أكثر بكثير من تلك التي رُجِّحت أول مرة.

ما الذي يجعل اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد معقَّدًا؟

يلفت الكاتب إلى أنه لم يكن هناك اتفاق دائمًا حول ما يميز الشكل الأكثر تعقيدًا من اضطراب ما بعد الصدمة، أو حول ما إذا كان هناك أي استخدام لهذا التشخيص من الأساس.

وركزت الجهود السابقة لوصف الشكل الأكثر تعقيدًا من اضطراب ما بعد الصدمة على طبيعة الحدث أو الأحداث الصادمة، أي إذا كان الأشخاص المصابون باضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد ربما تعرضوا لهذه الصدمات في فترة الطفولة على سبيل المثال. وهو الأمر الذي يؤدي إلى مجموعة من الصعوبات تظهر في مرحلة البلوغ.

 Embed from Getty Images

بينما جادل آخرون بأن التعرض المتكرر أو المستمر للصدمات لفترات طويلة من حياة الشخص هي السمة الأبرز لهذا الاضطراب. فيما قال آخرون إن أنواعًا معينة من الصدمات مثل التعذيب هي الطريقة الأكثر بروزًا لتمييز اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد. وركزت أبحاث أخرى على تبِعَات التعرض للصدمات. وفي هذا الصدد رُجح أن الشعور الكبير بالانفصال عن الواقع (فقدان الاتصال بالزمان والمكان) هو السمة الأساسية للاضطراب المعقَّد.

والآن هناك إجماع حول اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد، والذي يُقر بمجموعة واسعة من التبِعَات النفسية التي يمكن أن تنجم عن أي نوع من أنواع الصدمات المذكورة في الأعلى. ويتضح ذلك من خلال إدراج اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد في المراجعة الحادية عشرة للتصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، الذي استند إلى سلسلة من الدراسات التي حددت مجموعة أوسع من الصعوبات، والتي لا تظهر في اضطراب ما بعد الصدمة وحده.

إذًا ما هي هذه المجموعة الأوسع من الصعوبات؟

أوضح التقرير أن الشخص المصاب باضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد يعاني من جميع أعراض اضطراب ما بعد الصدمة القياسي المعروف، إضافة إلى: 

  • صعوبة في إدارة العواطف، فمثلًا قد تصبح مشاعر الغضب عارمة ولا يستطيع الشخص إدارتها أو السيطرة عليها.
  • شعور سلبي تجاه الذات، مع شعور بالذنب وانعدام القيمة.
  • صعوبة في التعامل مع الآخرين. ويمكن أن يشعر الشخص بأنه منفصل عن الآخرين، ويجاهد كي يشعر بالقرب منهم في علاقاته.

العائلة

منذ 5 سنوات
مترجم: كيف تؤدي صدمات الطفولة إلى الإصابة بأمراض عقلية؟ كيمياء المخ هي السر

ومن المنطقي أن تُعرِّض صدمات الطفولة الشخص لاضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد. وغالبًا ما يعاني الأشخاص من صدمات الطفولة قبل أن تتاح الفرصة لهم كي يتمكنوا من تطوير إحساس بالأمن الذاتي، أو تعلم مهارات إدارة العواطف، والحفاظ على العلاقات البنَّاءة. 

كما أن الأنواع الأخرى من الصدمات التي تقوِّض بالأساس إحساس الشخص بالأمان في العالم أو الثقة في الآخرين قد تؤدي أيضًا إلى الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد. ويشمل هذا الصدمات الجنسية، والصدمات المتعلقة بالخيانة من أحد الأبوين، أو أحد أفراد الأسرة، أو أية جهة أخرى يثق بها الشخص.

ما مدى شيوع اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد؟

بحسب التقرير، تشير الدراسات الاستقصائية المجتمعية التي أُجريت في الولايات المتحدة وألمانيا إلى أن ما بين 0.5% – 3.8% من السكان يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد في أي وقت. كما أن التقديرات تشير إلى أن 7.3% من الناس يصابون باضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد أثناء حياتهم.

كيف يُعالج اضطراب ما بعد الصدمة؟

يقول الكاتب إن هناك علاجات مثبتة لاضطراب ما بعد الصدمة، مثل العلاجات التي تُركز على الصدمة. وتتضمن هذه الأساليب استدعاءً منهجيًّا لذكريات الصدمة في بيئة آمنة وخاضعة للرقابة. ومع ذلك ربما يكون هذا النوع من العلاج مُرهِقًا، ولا يتماثل الجميع للشفاء من خلاله. كما أنه لم يزل من غير الواضح ما إذا كان هذا النهج العلاجي ناجحًا في علاج اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد كما يفعل مع اضطراب ما بعد الصدمة أم لا. 

Embed from Getty Images

ولهذا السبب غالبًا ما تتضمن العلاجات النفسية لاضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد وحدات علاجية إضافية لدعم الشخص في تحقيق الاستقرار في عواطفه وعلاقاته قبل التركيز على التجارب المؤلمة نفسها. وأحد هذه الأساليب هو «التدريب على المهارات في التنظيم العاطفي والشخصي (STAIR)».

وربما تبدو المناقشات حول التشخيصات بعيدة كل البعد عن التجربة الحية للأشخاص الذين عانوا من الصدمة؛ إذ تعتمد أنظمة التشخيص على البحث، إلا أنها نتاجات صادرة عن لجان تتكون من مجموعة من الأطراف المعنية التي تحمل طيفًا كبيرًا من وجهات النظر. ومع كل القيود المفروضة على التشخيص، فإنه مع اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد هناك تأكيد مهم للتحديات العميقة التي يمكن أن يجلبها التعرُّض للصدمات.

ما الذي عليَّ فعله إن كنتُ أشعر أنني أعاني من اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد؟

يختم الكاتب تقريره بالقول: إذا كنت تعتقد أنك تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة المعقَّد، فغالبًا ما يكون الطبيب العام أو غيره من المتخصصين الصحيين قادرين على تحويلك إلى طبيب نفسي إكلينيكي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد