كتبت رولا خلف، نائبة رئيس تحرير صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، تحليلًا في صفحة الرأي في الصحيفة حول الأخطاء الأمريكية في معالجة الأزمة السورية، والتي بدأت بأخطاء الرئيس السابق أوباما، وفشل سياسة الخط الأحمر التي وضعها، وكان آخر فصولها سحب ترامب مؤخرًا القوات الأمريكية من سوريا، وإعطاؤه الضوء الأخضر لتركيا للقيام بعمليتها العسكرية على شمال شرق سوريا ضد الأكراد، الذين لعبوا دورًا فعالا في هزيمة داعش بالقتال جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة، وترى الكاتبة أن هذه الأخطاء «خلقت فراغًا في السلطة في الشرق الأوسط». 

في البدء كان الهجوم الكيماوي

كان ذلك في أبريل (نيسان) 2017، عندما أصيب العالم بحالة من الفزع من جراء هجوم كيماوي على بلدة خان شيخون في شمال غرب سوريا. أعلن دونالد ترامب الذي حركته صور الأطفال المحتضرين، أنه على الرغم من معارضته التدخل الأمريكي في حروب الشرق الأوسط، فإنه كان شخصًا مرنًا. وقال «هذه الأعمال البشعة التي ارتكبها نظام الأسد لا يمكن التسامح معها». وأضاف: «أن الولايات المتحدة تقف مع حلفائنا في جميع أنحاء العالم لإدانة هذا الهجوم المروع».

في غضون أيام، أطلقت الولايات المتحدة صواريخ كروز على قاعدة عسكرية سورية. وخلص الرئيس الأمريكي إلى أن بشار الأسد، الزعيم السوري المسئول، مجرد «وحش».

وتذكر رولا أن هذا الوحش نفسه، هو الآن المستفيد الرئيسي من عمل آخر من أعمال المرونة التي فعلها ترامب. في الأسبوع الماضي، عاد الرئيس الأمريكي إلى استلهام الغريزة، وبدون التشاور مع أي شخص، قرر سحب القوة الأمريكية الصغيرة من سوريا، مما أعطى تركيا في الواقع ضوءًا أخضر لشن هجوم على حلفاء الولايات المتحدة الأكراد.

«فورين بوليسي»: وثيقة سرية تفسر لماذا تخون أمريكا الأكراد دومًا

الأكراد يناشدون الأسد لمساعدتهم

يضيف المقال: لم يكن هناك من خيار أمام الأكراد، بعد تخلي الولايات المتحدة عنهم، الذين قاتلوا معها لاستئصال شأفة داعش من شمال شرق سوريا، سوى الدمار أو البقاء. يوم الأحد، بعد أن تبنوا الخيار الأخير، لجأوا إلى النظام في دمشق، ودعوا قوات الأسد للتوجه إلى الشمال لحمايتهم من تركيا، وفقًا لما تذكره رولا خلف في الفاينانشال تايمز.

من خلال تحركه المتهور فعل الرئيس الأمريكي آخر أفعاله من سوء الإدارة الأمريكية للأزمة السورية. كانت الضغوط من أجل انسحاب مماثل هي التي جعلت جيم ماتيس، وزير الدفاع آنذاك، يستقيل في ديسمبر (كانون أول).  

وترى الكاتبة أن خيانة المسلحين الأكراد، الذين تعارضهم تركيا لأنهم مرتبطون بجماعة تقاتلها تركيا منذ عقود، ستحتل مكانة بارزة إلى جانب فشل سياسة «الخط الأحمر» سيئ السمعة لباراك أوباما. كان هذا قراره في عام 2013 بعدم معاقبة الأسد على استخدامه الأسلحة الكيميائية، وهو الخط الأحمر الذي حددته الولايات المتحدة من قبل. المفارقة هي أن ترامب ضرب سوريا بعد أربع سنوات، جزئيًّا لإثبات أنه كان أكثر جرأة من سلفه.

ترامب ليس مخطئًا دائمًا في تقييماته – ولم يكن أوباما كذلك- لقد سئم الأمريكيون من حروب الشرق الأوسط التي لا تنتهي، وربما لا توجد فرصة معقولة للمصالحة في سوريا. لكن السماح بتفاقم النزاعات ليس خيارًا كذلك. عند الضرورة، يمكن أيضًا إدارة عمليات انسحاب القوات لحماية الحلفاء ومنع الفوضى. غير أن ترامب يرتكب الخطأ نفسه الذي ارتكبه أوباما، مما يخلق فراغًا سيملؤه أعداء الولايات المتحدة، وفقًا لما تذكره نائبة رئيس تحرير الفاينانشال تايمز.

أخطاء السياسة الأمريكية.. فوائد لروسيا وإيران

وتكمل رولا: في حالة أوباما، ساهم تردد الولايات المتحدة بشأن سوريا في ظهور داعش. الآن عرض ترامب الحملة الناجحة ضد التنظيم الإرهابي للخطر، مخاطرًا بهروب مقاتلي داعش ورفاقهم من المعسكرات التي يسيطر عليها الأكراد. وقد فتح الطريق أمام النظام السوري الوحشي لإعادة تأكيد نفسه عبر المناطق التي يسيطر عليها الأكراد.

وتتابع الكاتبة: هناك تداعيات أخرى يبدو أن ترامب لم يفكر فيها. عندما يفوز الأسد، تفوز إيران كذلك، التي تعد أقرب حليف لسوريا مسؤول عن دعم نظام دمشق. إيران هي الدولة الوحيدة التي سعى الرئيس الأمريكي باستمرار إلى تقويضها. غير أنه يبدو أن سياسته المعروفة «بالضغط الأقصى» تنتهي عند الحدود السورية.

روسيا أيضًا تربح من الفوضى التي أطلقها ترامب. تدخلت موسكو لتعزيز موقعها كوسيط سلطة في سوريا، إذ تفاوضت على الصفقة بين النظام والأكراد. قد يكون ترامب معجبًا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكن السياسة الأمريكية الرسمية لا تتضمن تعزيز النفوذ الروسي في الشرق الأوسط.

الدبلوماسية الأمريكية: دونالد ترامب في الأمم المتحدة

 

ما الذي يمكن أن يفعله ألف جندي أمريكي على الأرض؟

كذلك لم يكن الرئيس يتوقع الأزمة الناشئة الجديدة بين الولايات المتحدة وتركيا. بعد إعطاء رجب طيب أردوغان الضوء الأخضر لهجوم عسكري ضد الأكراد، اضطر ترامب لتصريف غضب حلفائه الجمهوريين في الكونجرس. وتمثل رده يوم الاثنين الماضي في فرض عقوبات على المسؤولين الأتراك، والتهديد بمضاعفة الرسوم الجمركية على صادرات الصلب.

ويختم المقال بالقول: مع تتالي فصول هذه الكارثة التي صنعها ترامب، يكتشف الرئيس، في وقت متأخر، قيمة القوة الأمريكية: كان لقوة صغيرة من ألف جندي أمريكي تأثير كبير على الأرض، حيث كانت تحفظ السلام في شمال شرق سوريا، وتحمي المسلحين الأكراد. الذين لعبوا دورًا فعالًا في هزيمة داعش. هذه هي سلطة الولايات المتحدة عندما تختار أن تمارسها، وهذا هو الخراب الذي يحدث عندما تحجبها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد