هناك تقرير جديد يكشف استشراء الأعمال الوحشية في ليبيا بسبب الحرب الأهلية التي اندلعت في أعقاب تغيير النظام بقيادة الولايات المتحدة.

نشر موقع «ريسبونسبل ستيت كرافت» تحليلًا لتقريرٍ صادرٍ عن الأمم المتحدة بشأن حجم المأساة التي أسهم قادة الولايات المتحدة في جلبها إلى أرض ليبيا، فضلًا عن تداعيات تدخُّل القوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في البلاد. وينوِّه التحليل الذي أعدَّه تيد جالين كاربنتر، زميل دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في معهد كاتو للأبحاث، إلى أن الإدارة الأمريكية يجب أن تتعلم الدروس المستفادة من تداعيات التدخُّل في ليبيا، وأن الرئيس الأمريكي جو بايدن يجب ألا يستجيب للإغراءات التي تدعوه إلى الموافقة على مزيد من التدخُّل الأمريكي، خاصةً إذا كان هذا التدخُّل يتضمَّن أيَّ عنصرٍ عسكري، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءَها اتخذوا ما يكفي من الإجراءات التي تساعد في تفاقم الأوضاع في طرابلس.

ضربات متتالية

يستهل الكاتب تحليله بالإشارة إلى أن الضربات لا تزال تتوالى على رأس ليبيا. وعندما شنَّت إدارة باراك أوباما، برفقة حلفاء واشنطن في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حربًا جوية للإطاحة بالرئيس الليبي المستبد مُعمَّر القذافي في عام 2011، كان سقف التوقعات عاليًا بشأن مستقبل ذلك البلد بمجرد رحيل القذافي. ولكن النتيجة كانت بدلًا من ذلك عبارة عن قصة مرعبة مستمرة.

وخاضت الفصائل المتناحرة صراعاتٍ على السلطة، وأسفرت هذه الصراعات عن تدفقات متكررة من اللاجئين اليائسين، الذين حاول كثير منهم القيام برحلةٍ محفوفةٍ بالمخاطر في جميع أنحاء منطقة البحر المتوسط في قوارب صغيرة مُزدحمة للوصول إلى ملاذٍ آمنٍ في أوروبا. وأصبحت بلدان أخرى، بما فيها مصر وتركيا والسعودية والإمارات وروسيا، أطرافًا في الصراع الدائر على أرض ليبيا، ودعمت هذه البلدان الجهات السياسية والعسكرية المُفضَّلة لديها، ما أسفر عن ارتفاع وتيرة إراقة الدماء واندلاع الفوضى في البلاد. وتُعد ليبيا في الوقت الحالي ساحةً لشنِّ حروب مُغرضة بالوكالة بين عملاء تلك القوى الخارجية.

Embed from Getty Images

ويبرِز تقريرٌ جديدٌ صادر عن الأمم المتحدة حجم المأساة التي ساعد قادة الولايات المتحدة في إطلاق العنان لحدوثها. واكتشفت بعثة تقصِّي الحقائق التابعة للأمم المتحدة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على أيدي أطراف مُتعدِّدَة منذ عام 2016. وقال محمد أوجار، رئيس بعثة تقصِّي الحقائق، في بيانٍ: «أثبتت التحقيقات التي أجريناها أن جميع الأطراف في الصراعات الدائرة، بما في ذلك الدول غير المنخرطة في هذه الصراعات والمقاتلين الأجانب والمرتزقة، انتهكت القانون الإنساني الدولي، لا سيما مبادئ التناسب والتمييز، وأن بعض هذه الأطراف ارتكبت جرائم حرب».

وخلُص التقرير إلى أن ممارسة العنف، بما في ذلك شن الهجمات على المستشفيات والمدارس، «أثَّرت في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في ليبيا تأثيرًا بالغًا». كما وثَّق التقرير تجنيد الأطفال ومشاركتهم في الأعمال العدائية، فضلًا عن مشاركتهم في عمليات اختفاء نساء بارزات وقتلهنَّ خارج نطاق القضاء. وأكَّد أحد أعضاء البعثة التقارير المتعلقة باستمرار وجود مقاتلين أجانب في البلاد. وكان من بين أولئك المقاتلين الفصائل التي رحلت عن الصراع السوري، فضلًا عن قوات مرتزقة خاصة تفيد مزاعم أنها خضعت للتجنيد من جانب مجموعة فاجنر (هي منظمة شبه عسكرية خاصة شاركت في حروب كثيرة، منها الحرب الأهلية التي اندلعت في سوريا) التي يوجد مقرها في روسيا.

لماذا تفاءلت إدارة أوباما بعد الإطاحة بالقذافي؟

ويتعجَّب كاتب التحليل من التناقض الذي اتَّسمت به إدارة أوباما حينما نظرت إلى النتائج الأولية لحملتها الإنسانية بتفاؤلٍ كبير. وفي عشية انهيار نظام القذافي، صرَّح الرئيس الأمريكي آنذاك بأن «طرابلس تتفلَّت من قبضة طاغية، وأن الشعب الليبي يُثبت أن السعي على صعيد عالمي من أجل الكرامة والحرية أقوى بكثير من القبضة الحديدية لأي ديكتاتور». وبعد إلقاء القبض على الرئيس الليبي المستبد وإعدامه إعدامًا وحشيًّا، أكَّد أوباما أن «الظِل القاتم للاستبداد أُزيل» من ليبيا.

وعلى صعيدٍ آخر، تمتَّع المؤيدون الآخرون للتدخُّل بمزيدٍ من الحماسة. وخلُص عضوا مجلس الشيوخ الأمريكي جون ماكين (عضو الحزب الجمهوري عن ولاية أريزونا) وليندسي جراهام (عضو الحزب الجمهوري عن ولاية ساوث كارولينا) إلى أن «نهاية نظام القذافي يُعد انتصارً للشعب الليبي وقضية الحرية الأوسع نطاقًا في منطقة الشرق الأوسط وفي جميع أنحاء العالم». وأكَّدت آن ماري سلوتر، الأستاذة في جامعة «برينستون»، أن المُشكِّكين في هذا التدخُّل «أثبتوا أنهم ارتكبوا خطأً جسيمًا». وذكر نيكولاس كريستوف، وهو كاتب عمود في صحيفة «نيويورك تايمز»، أن الأوضاع في ليبيا كانت تذكيرًا «بأنه من الممكن أحيانًا استخدام الأدوات العسكرية لدعم القضايا الإنسانية».

Embed from Getty Images

وينوِّه التحليل إلى أن المعلومات الواردة في تقرير الأمم المتحدة تُقدِّم تأكيدًا إضافيًّا على أن ليبيا شهدت فوضى عارمة منذ اندلاع الحرب التي شنَّتها واشنطن من أجل تغيير النظام. وعلاوةً على ذلك، وعلى الرغم من إعلان الهدنة بين الفصيلين الرئيسَيْن (وهما حكومة الوفاق الوطني المُعترَف بها دوليًّا والجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر) في البلاد، إلا أن احتمالات إنهاء هذه الفوضى من خلال إجراء الانتخابات المُقرَّر إجراؤها في ديسمبر (كانون الأول) بالغة الهشاشة.

وتُعد الانتهاكات التي كشفتها الأمم المتحدة أحدث حلقة في سلسلة طويلة من التطورات القميئة. وفي الواقع، شهدت ليبيا انهيار النظام الاجتماعي على نطاق واسع لدرجة أن أسواق العبيد التي تضم مهاجرين أفارقة أسرى من أصحاب البشرة السوداء يبدو أنها قد عاودت الظهور مرةً أخرى.

خيبة أمل وفشل في تعلُّم الدرس

ويضيف التحليل: ولسوء الحظ، يبدو أن كثيرًا من الأطراف المسؤولة عن المأساة التي شهدتها ليبيا لم تتعلَّم شيئًا من العواقب الكارثية للسياسات التي دَعَمتها. ولينظر أي مراقب لهذه الأحداث في كتابات وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق هيلاري كلينتون أو مستشارة مجلس الأمن القومي الأسبق سامانثا باور، وهما من أكثر المؤيدين داخل إدارة أوباما للتدخُّل في ليبيا، بحثًا عن أي اعتراف بارتكاب أخطاء، فلن يجد أثرًا لذلك.

ولا يزال الشعور بالنشاط الأمريكي بشأن القضية الليبية مرتفعًا. وحتى يومنا هذا، هناك دعوات في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى على حدٍ سواء تطالب واشنطن بـ«مضاعفة» الجهود الدولية وتصدُّر المشهد من أجل زيادة الاستقرار في ليبيا. ويتغاضى هؤلاء الأفراد والمنظمات التي تدافع عن هذه الدعوات عن النتائج غير المُرضية للإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة سابقًا.

ويجب أن يقاوم الرئيس بايدن هذه الدعوات التحذيرية. ويُحسَب لبايدن أنه بدا وكأنه أحد أعضاء فريق أوباما المعني بالسياسة الخارجية الذي أعرب عن معارضته الشديدة للتدخُّل الأول. ويؤكد بن رودس، نائب مستشار أوباما لشؤون الأمن القومي، تلك النقطة. ويشير رودس إلى أن بايدن قال أثناء انعقاد اجتماع بين الرئيس أوباما ومستشاريه المعنيين بشؤون السياسة الخارجية «إن التدخل كان، في الأساس، ضربًا من الجنون، فلماذا ينبغي أن نتورط في حرب أخرى في بلد ذي أغلبية مسلمة؟»، وكان تحذيره مُبرَّرًا تمامًا.

هل يستجيب بايدن لإغراءات التدخُّل في ليبيا؟

ويمضي الكاتب قائلًا: وبوصفه رئيسًا للولايات المتحدة الآن، يحتاج بايدن إلى أن يتجنَّب إغراءات الموافقة على مزيد من التدخُّل الأمريكي، خاصةً إذا كان هذا التدخُّل يتضمَّن أي عنصر عسكري، مثل مشاركة واشنطن في بعثة حفظ سلام دولية. وقد اتخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها ما يكفي من الإجراءات المتعلقة بهذا البلد الفقير بالفعل. ويجب أن يظل الدور الدبلوماسي محدودًا أيضًا.

Embed from Getty Images

وأفادت التقارير أن واشنطن أساءت قراءة الديناميات الداخلية في المجتمعات الإسلامية، واعتمدت سياسات غير مُجدية. ويحتاج قادة الولايات المتحدة إلى أن يبقوا بعيدًا عن الأنظار وأن يسمحوا للحكومات الأخرى بأن تأخذ زمام المبادرة في مجال التصدِّي للصراعات الداخلية في ليبيا. ويجب أن يركز دور الولايات المتحدة الدبلوماسي على حضِّ روسيا وتركيا والأطراف الخارجية الأخرى على وقف بيع الأسلحة ونشر المرتزقة وغيرها من الإجراءات التي تؤدي إلى اشتداد وطيس القتال في ليبيا.

وأسفر عن خلق بيئة فوضوية يمكن أن تزدهر فيها جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فضلًا عن إلحاق ضرر جسيمٍ بالشعب الليبي، وتتحمَّل واشنطن معظم المسؤولية عن تلك المأساة. وعلاوةً على ذلك، لن يكون لهذا الأمر قيمة تُذكَر إذا كانت نوايا الولايات المتحدة حسنة؛ لأن الطريق إلى الجحيم محفوف بالنوايا الحسنة. ويجب أن نحكم على السياسات من خلال تداعياتها، وليس من خلال دوافعها أو أهدافِها.

ويختتم الكاتب تحليله بالإشارة إلى أن تقرير الأمم المتحدة الجديد الذي يوثِّق بإسهاب التداعيات القميئة والطويلة الأمد لتدخُّل الولايات المتحدة وحلف الناتو في ليبيا. وعلى الرغم من أن معمر القذافي كان حاكمًا سيئًا ووحشيًّا، فإن الأوضاع في ليبيا ما بعد القذافي أسوأ مما كانت عليه أثناء توليه مقاليد السلطة. ويحتاج مسؤولو إدارة بايدن إلى أن يتعلُّموا الدروس الملائمة، مهما كانت واقعية ومتواضعة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد