نشر موقع محطة «إن بي آر» (الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية) تقريرًا أعدَّه ماكس بارنهارت يستعرض فيه ما جاء في دراسة حديثة حول أصل الموت الأسود (الطاعون الدَّبْلِي) والتي يقول مؤلفوها إنها حلَّت لغز «الموت الأسود»، الذي لا يعرف أحد أين ومتى بدأ؟

لغز طال أمده

يبدأ الكاتب بالسؤال المطروح: من أين أتى الموت الأسود؟ ومتى ظهر أول مرة؟ موضحًا أنه سؤال حيَّر العلماء والمؤرخين لما يقرب من 700 عام، وذلك بالنظر إلى أنه الوباء الأكثر فتكًا في التاريخ المسجَّل، إذ قتل ما يقدر بنحو 50 مليون شخص في أوروبا والبحر الأبيض المتوسط بين عامي 1346 و1353.

تاريخ وفلسفة

منذ 4 سنوات
استخدمه المغول «سلاحًا بيولوجيًّا».. تعرَّف إلى مرض الطاعون الذي قتل نصف سكان أوروبا 

والآن، يقول الباحثون إنهم عثروا على السلف الجيني للموت الأسود، والذي لا يزال يصيب آلاف الأشخاص كل عام. ويقدم بحث جديد، نُشر هذا الشهر في مجلة «نيتشر»، دليلًا بيولوجيًّا يحدد أصول أسلاف الموت الأسود في آسيا الوسطى، وتحديدًا في ما يعرف الآن بقيرغيزستان.

وعلاوةً على ذلك، وجد الباحثون أن السلالة من هذه المنطقة «أدَّت إلى ظهور غالبية سلالات [الطاعون الحديث] المنتشرة في العالم اليوم»، كما يقول فيل سلافين، المؤلف المشارك في الدراسة والمؤرخ في جامعة ستيرلنج في أسكتلندا. ولكن مثل عديد من الألغاز، لا يمكن حل هذا اللغز بسهولة.

الموت الأسود.. بداية مثيرة

وأوضح الكاتب أن الموت الأسود، نوع من الطاعون الدَّبْلِي، هو واحد من عدة سلالات من الطاعون. واكتسبت تلك السلالة اسمها المخيف لأن المصابين أصيبوا بجروح غرغرينية سوداء في جميع أنحاء أجسامهم. ويتَّسم المرض بالحمى وتورم الغدد الليمفاوية وتسببه جرثومة الطاعون الدَّبْلِي (اليرسينية الطاعونية) التي تنتشر عبر القوارض التي تحمل البراغيث المصابة.

Embed from Getty Images

وفي مرحلة ما من الماضي، تنوَّعت سلالة طاعون واحدة إلى أربع سلالات مختلفة. وفي واحدة من تلك السلالات، تطورت السلالة التي تسببت في الموت الأسود. ويقول الباحثون إن تحديد مكان حدوث هذا وزمانه كان لغزًا.

ولفت الكاتب إلى أن باحثي الطاعون في جميع أنحاء العالم اشتبهوا لفترة طويلة في أن تنوع اليرسينية الطاعونية ربما حدث في جبال تيان شان بالقرب من وادي تشوي على الحدود الشمالية لقيرغيزستان. وذلك لأنه في عام 1885، وجد الباحثون دليلًا؛ حيث اكتشفوا مقبرتين في المنطقة بها عدد كبير على نحو استثنائي من شواهد القبور المنقوشة بتاريخ بين عامي 1338 و1339 – قبل نحو ثماني سنوات من بدء جائحة الموت الأسود في أوروبا.

كما ذكرت شواهد القبور هذه سبب الوفاة، موتانا، وهي الكلمة السريانية التي تعني «الجائحة». لقد كان ذلك مؤشرًا على أنه ربما اجتاح طاعون المنطقة، وحافزًا لسلافين وزملائه للتعمق أكثر في الدراسة. وفي حين كانت النقوش على شواهد القبور مُقنِعة، إلا أنها لم تكن كافية لإثبات أن الأشخاص هناك ماتوا بالفعل بسبب الطاعون، كما يقول الباحثون. وسيحتاج سلافين والفريق إلى أدلة جينية.

اختبار الحمض النووي القديم

لذلك، ووفق ما يضيف الكاتب، لجأ الفريق إلى متخصصين في الحمض النووي القديم للمساعدة. وتوضح ماريا سبيرو، المؤلفة الرئيسة للورقة وعالمة الوراثة في جامعة توبنجن في ألمانيا، قائلةً: «لقد استخرجنا الحمض النووي من بقايا بشرية مرتبطة بالمقبرتين».

وأزيلت مئات الجثث من هذه المقابر خلال الحفريات بين عامي 1885 و1892 ووُضعت في كونستكاميرا، متحف بطرس العظيم للأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا في مدينة سان بطرسبرج الروسية.

صحة

منذ شهرين
«جدري القرود» يعاود الظهور! فهل يجب علينا الخوف من تفشي جائحة جديدة؟

وحصلت ماريا وزملاؤها على عينات أسنان من سبعة من الجثث المخزَّنة. وتقول ماريا إن الأسنان بها كثير من الأوعية الدموية، مما يجعلها المكان الأكثر احتمالًا للعثور على دليل على الطاعون، وهو عدوى ينقلها الدم، بالنظر إلى أن بقايا الجثث تحلَّلت إلى حد كبير.

وأشار الكاتب إلى أن الفريق تمكَّن، من خلال استخدام تقنيات تسلسل الحمض النووي القديمة، من استعادة آثار الحمض النووي من طاعون اليرسينا في ثلاث من العينات. وبعبارة أخرى، تمكن الباحثون من تأكيد أن الأشخاص الذين ماتوا في وادي تشوي ماتوا بسبب الطاعون.

تتبع أصول السلالة

وأضاف الكاتب أن الخطوة القادمة كانت هي أن يرى العلماء مدى ارتباط سلالة وادي تشوي بالموت الأسود وسلالات الطاعون الأخرى.

وللقيام بذلك، أخذ الفريق تسلسلات الحمض النووي من الطاعون الحديث (حصلوا عليها من المرموط والقوارض الأخرى في آسيا الوسطى) ومن الطاعون التاريخي، بما في ذلك الموت الأسود، من الدراسات المنشورة سابقًا. واستخدموا هذه التسلسلات لإنشاء شجرة تطورية لرسم خريطة للعلاقات بين السلالات ومقارنتها بالسلالة المأخوذة من وادي تشوي.

Embed from Getty Images

وكشفت الشجرة أن سلالة وادي تشوي كانت مختلفة عن سلالة الموت الأسود بطفرتين فقط. ولأن الباحثين لديهم تواريخ لسلالة وادي تشوي، الموجودة على نقوش شواهد القبور، فقد تمكنوا من تأكيد أن سلالة وادي تشوي كانت أقدم من سلالة الموت الأسود، وبذلك خلصوا إلى أن الموت الأسود قد تطور بالضرورة من سلالة وادي تشوي.

علاوةً على ذلك، كشفت الشجرة التطوريةعن أن سلالة وادي تشوي كانت سلف معظم أوبئة الطاعون الأخرى حول العالم. ومن سلالة الأجداد هذه، تنوع الطاعون إلى أربع سلالات أساسية فيما يسمِّيه الباحثون «الانفجار العظيم». وحتى الآن، لم يكن العلماء يعرفون أين أو متى نشأت سلالة «الانفجار العظيم» – ولكن الآن، لديهم دليل على أنها يمكن أن تكون من وادي تشوي والمناطق المحيطة.

نظرة نقدية

وفي معرض الإجابة عن السؤال: هل هذا يعني أن لغز أصل الموت الأسود قد حُلَّ؟ ينقل الكاتب عن هندريك بوينار، عالم الوراثة التطورية ومدير مركز الحمض النووي القديم بجامعة ماكماستر في مدينة أونتاريو، كندا، والذي لم يشارك في الدراسة، قوله في تعقيب نقدي على الدراسة: «سأكون حذرًا للغاية بشأن تمديد الاستنتاج إلى هذا الحد»، مضيفًا أن «تحديد تاريخ معين وموقع لظهور السلالة هو أمر ضبابي لا يمكن الجزم به». 

ويوضح بوينار أن طاعون يرسينيا يتطور ببطء شديد، إذ يحتوي على طفرة واحدة كل 5 إلى 10 سنوات. لذلك، من الممكن، كما يقول، أن تكون سلالة وادي تشوي قد أتت من جزء آخر من المنطقة.

تاريخ

منذ سنة واحدة
مترجم: الكارثة المنسية.. يوم تفشَّت سلالة مميتة من الجمرة الخبيثة في روسيا

في ذلك الوقت، كما يقول بوينار، كان الناس في وادي تشوي تجارًا وانتقلوا في جميع أنحاء آسيا الوسطى وأوروبا. وكان من الممكن أن يحملوا السلالة أثناء رحلاتهم، ولنَقُل مثلًا إنهم حمولها من أوروبا الغربية. ولأن السلالة بطيئة في التحوَّر، فإن تلك السلالة من أوروبا الغربية كانت ستبدو متطابقة وراثيًّا مع السلالة الموجودة في وادي تشوي، مما يجعل من الصعب معرفة متى ومِنْ أين جاءت السلالة.

وعلى الرغم من هذا التعليق النقدي، يقول بوينار إن الدراسة مهمة في فهم التاريخ المبكر للموت الأسود لأنها تساعد في الإجابة عن الأسئلة التي حيَّرت الباحثين الذين أمضوا سنوات في محاولة سبر أغوارها. ونحن نعلم الآن، كما يقول، إنه «كان يوجد طاعون في ذلك الموقع قبل 10 سنوات من السلالات التي كانت منتشرة في أوروبا الغربية، وأعتقد أن هذا جزء مهم من لغز الطاعون»، وفق ما يختم به الكاتب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد