هل الإصلاحات الاقتصادية بحاجة إلى مزيد من الخطوات القوية أم بحاجة إلى التقاط الأنفاس؟ يُمكن أن يكون هذا السؤال صعبًا على حكام دول الخليج. 

نشر موقع «المونيتور» الإخباري الأمريكي تقريرًا أعدَّه سيباستيان كاستيلير، كاتب صحافي متخصص في شؤون الخليج، سلًّط فيه الضوء على الصلة التي تربط بين ارتفاع أسعار النفط وبين الإصلاحات المزمع إجراؤها في دول الخليج العربي للتقليل من اعتماد اقتصاديات هذه الدول على النفط. 

ارتفاع أسعار النفط يُنعِش خزائن الخليج

في بداية تقريره يُشير الكاتب إلى أن كبار تجار السلع الأساسية في العالم توقَّعوا بعد عام واحد فقط من انخفاض أسعار النفط أن يسترد النفط الخام عافيته، ويعود سعره إلى 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ انهيار أسعار النفط في المدة بين عامي 2014-2016. ويُعد الارتفاع المتسارع لأسعار النفط بمثابة ثروة حقيقية لدول الخليج المصدِّرة للنفط التي لم تزل تعتمد اعتمادًا كبيرًا على صادرات النفط لتمويل جزء كبير من ميزانيتها السنوية، فعلى سبيل المثال تعتمد أكثر من 80٪ من ميزانية الكويت على صادرات النفط.

Embed from Getty Images

ويُرجِّح التقرير أنه مع اقتراب أسعار النفط المتوازنة الربح والخسارة من تحقيق التوازن في ميزانيات هذه الدول، يُمكن لدول الخليج أن تضع حدًّا للاستغراق في مضاعفة الديون التي لجأت إليها لتحقيق التوازن مع أسعار النفط المنخفضة منذ عام 2014. ومن جانبها توقَّعت وكالة التصنيف الائتماني «ستاندرد آند بورز جلوبال» أن إجمالي الديون السنوية لدول مجلس التعاون الخليجي «سيبلغ متوسطه حوالي 50 مليار دولار خلال المدة من 2021-2024» مقارنةً بما يقرب من 100 مليار دولار في عام 2017.

وفي السياق ذاته تتوقع قطر تحقيق فائض في الميزانية، وأنها لن تلجأ إلى سوق الديون إلا على أساس «نفعي». ومع ذلك لم تزل حملة التقشف التي أطلقتها دول الخليج خلال تفشي جائحة كوفيد-19 أحد الموضوعات المهمة المطروحة للنقاش داخل الأسر الخليجية، لا سيما أن هذه الإصلاحات بدأت تُؤثر على الميزانية المعيشية للأسر الخليجية التي اعتادت كثيرًا على عطايا الحكومة، والأجور المرتفعة المعفاة من الضرائب، بالإضافة إلى إعانات الدعم السخية.

ما هي جدوى ضريبة القيمة المضافة؟

وأشار التقرير إلى نزول المواطنين العُمانيين الباحثين عن فرصة عمل إلى الشوارع في المدن الكبرى للمطالبة بتوفير فرص عمل بعد شهر واحد فقط من بداية فرض سلطنة عمان ضريبة القيمة المضافة البالغ نسبتها 5٪ والتي تأجَّل تطبيقها مرارًا. وأعلن سلطان عمان، هيثم بن طارق، استحداث 32 ألف وظيفة حكومية بدوام كامل وجزئي لتخفيف حدة الاستياء العام، وهي الخطوة التي تتناقض مع محاولة تحديث الجهاز الإداري المتضخم في البلاد. 

وصرَّح مصدر مقرب من السلطات المسؤولة في عمان لموقع «المونيتور» أن «بعض المناقشات تدور بشأن توقيت تطبيق ضريبة الدخل، وجدوى ذلك على ذوي الدخول المرتفعة، والتي كان يتوقع تطبيقها أساسًا في عام 2022».

ويُلقي التقرير الضوء على المملكة العربية السعودية؛ إذ أكدَّ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أن القرار الذي اتُّخذ في يوليو (تموز) 2020 بشأن زيادة معدل ضريبة القيمة المضافة ثلاثة أضعاف إلى 15٪ أمرٌ يصعب تحمله، لكنه قرارٌ «مؤقت». وأضاف أنه «سيستمر لمدة عام، وربما تُخفَّض الضريبة المضافة في غضون خمس سنوات كحد أقصى، وبعد ذلك ستعود الأمور إلى ما كانت عليه». 

وقد يكون تحسن الحالة المالية بمثابة إغاثة قصيرة الأمد لاقتصاد دول الخليج، لكنه يُعد أيضًا مخاطرة بإعطاء شعور زائف بالأمن الاقتصادي. وحذَّر تقرير «ستاندرد آند بورز جلوبال» الصادر في شهر مايو (أيار) من أن «ارتفاع أسعار النفط أدَّت في السابق إلى عرقلة خطط احتواء الإنفاق المالي العامة لحكومات دول مجلس التعاون الخليجي».

ما ثمن تنفيذ الإصلاحات؟

يرى كاتب التقرير أن إصلاح اقتصاد دول الخليج بمنأى عن النفط يتطلب قدرًا من الانكماش والحد من الإعانات، وقدرًا كبيرًا من التشكك وعدم اليقين بين الذين اعتادوا على مزايا القطاع العام السخية. يقول علي الشهابي، المحلل السعودي المقرَّب من الديوان الملكي لموقع «المونيتور»: إن «الناس يُقللون من شأن عتبة الألم التي يمكن أن يتحملها الشعب السعودي قبل تصدع التماسك الاجتماعي. وتقطع السعودية حاليًا شوطًا طويلًا للبعد عن مثل هذه العتبة، لذا لا ترى ضرورة ملحة لضخ مزيد من الأموال في المجتمع».

Embed from Getty Images

ويُضيف الشهابي قائلًا: وعلى عكس ضريبة القيمة المضافة، قد لا تكون الإصلاحات الأخرى مؤقتة، إذ لا تهدف زيادة أسعار الطاقة ومرافقها إلى خفض الإنفاق الحكومي فحسب، لكنها تهدف أيضًا إلى تغيير السلوكيات. وأوضح الشهابي أن «معدل استخدام المياه للفرد في السعودية يفوق استخدام الأوروبيين، ناهيك عن حجم النفايات الضخمة، واستخدام الكهرباء، والبنزين، لذلك لا أتوقع إجراء أي تغييرات في هذه الخطوات».

ويستدرك كاتب التقرير قائلًا: ومع ذلك يمكن أن يُؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى إنعاش الإنفاق الرأسمالي. وفي العام الماضي قللت الحكومة السعودية من الإنفاق التشغيلي والرأسمالي بمقدار 26.6 مليار دولار، بما في ذلك بعض مشروعات الإصلاح.

وشكَّك ياسين الراضي، كبير المحللين السياديين في مؤسسة «كابيتال إنتليجنس ريتينجز»، في الخطة السعودية للإصلاح، قائلًا: إن «إستراتيجية التنمية غير النفطية في رؤية 2030 الأساسية مستوحاة إلى حد كبير من تجربة التنمية غير النفطية في إمارة دبي. إذ أعادت الإمارة تقديم نفسها إلى العالم بوصفها مركزًا للأعمال التجارية من الدرجة الأولى، ومركزًا لوجستيًّا عالميًا، بالإضافة إلى أنها وجهة سياحية استضافت 16.7 مليون زائر في عام 2019، بعدما وصل إنتاج النفط في دبي إلى ذروته في عام 1991.

وأعرب الراضي لموقع «المونيتور» عن شكوكه قائلًا: إنني «مرتاب بعض الشيء من إستراتيجية (دبي المعتمدة على المحفزات) التي ستؤدي إلى تقليل الاعتماد على عائدات المحروقات إلى حد كبير. إن الإستراتيجيات غير النفطية التي تنتهجها دول الخليج متشابهة جدًّا، ويمكن أن تنتج عنها «تداعيات واضحة لترقيع الإصلاحات».

ولفت التقرير إلى أنه في 30 يونيو (حزيران) 2021 أعلنت السعودية عن خطة لإنشاء شركة طيران وطنية ثانية، بعدما ظلت شركة الطيران السعودية المملوكة للدولة لسنوات تتكبد الخسائر لاستهداف قطاع الطيران الخليجي المزدحم بالفعل، وتهيمن عليه شركات الطيران العملاقة: الإمارات، والاتحاد للطيران، والخطوط الجوية القطرية. 

تحول إلزامي

وفي هذا الصدد أشارت مجلة «صندوق النقد الدولي» طبعة صيف 2021 إلى أنه من المرجح أن تكون الدورة الفائقة الحالية لأسعار النفط هي الأخيرة قبل حدوث انخفاض حاد في الاستهلاك العالمي للنفط؛ ما يجعل التحول الاقتصادي للدول المنتجة للنفط «إلزاميًا». وكتب مؤلفو المجلة أنه «لكي تتمكن هذه الدول من التخلي عن اقتصادها الرجعي الشحيح الموارد، والذي أدَّى إلى انخفاض الإنتاج والإسراف، يجب على الاقتصادات الغنية بالنفط الالتزام بإصلاحات تُقلل من العقبات التي تحول دون الابتكار وريادة الأعمال».

Embed from Getty Images

وخلُص التقرير إلى أن جوهر المشكلة في دول الخليج لا يكمن في واقع الأمر في فرض عدد كبير من الضرائب الجديدة أكثر من كونه يتمثل في إرسال صدمة عبر مجتمعاتهم لإحداث تغيير في التوجهات؛ إذ من المحتمل أن تُؤدي عقود من ريعية النفط إلى إفساح المجال تدريجيًّا أمام الاقتصادات المنتجة التي يحركها القطاع الخاص. 

وأقرَّ وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح خلال فيلم وثائقي ترويجي لرؤية 2030 صدر في يونيو 2021 بأن «اقتصاد السعودية شُيد على أساس أنه اقتصاد نفطي. وأصبحنا تواكليين، وهي حقيقة يجب أن ندركها ولا ننكرها». وعلَّق الراضي قائلًا: إن «مثل هذا التحول الاقتصادي الضخم يتطلب نهجًا قويًّا، ولن يتحقق من خلال إصلاحات جزئية».

وألمح التقرير إلى أن رواد الأعمال الشباب في الإمارات يتفقون مع هذه الرؤية ويُؤمنون بضرورة تغيير السلوكيات على مستوى القاعدة الشعبية. فعلى سبيل المثال أدَّى الافتقار إلى إيجاد حلول لتحديات الصحة النفسية إلى إقناع المواطنة الإمارتية خولة حماد بالتوصُّل إلى الحل من العدم. إذ أطلقت خولة، بعد سنوات من العمل في الهيئات الحكومية بأبوظبي، منصة «تكلم» في أوائل عام 2020، وهي منصة استشارات عبر الإنترنت تدعم الصحة النفسية والعقلية. وتوضح خولة حماد لموقع «المونيتور» قائلة: «لطالما أردتُ أن أفعل شيئًا يُحدِث فرقًا. إن قيامك بشيء تحبه سيكون له معنى أكثر من المسار الوظيفي التقليدي».

نصف كوب كوفيد-19 الممتلئ!

وعلى الرغم من أن خولة وُلدت داخل أسرة عادية تمامًا، لكن رائدة الأعمال الشابة وجدت دعمًا من أقاربها، بالإضافة إلى الدعم الذي حظيت به من المنظومة البيئية التي تحولت من تفضيل الأعمال التجارية الكبيرة إلى تقديم مزيد من الدعم لرواد الأعمال الشباب المبتكرين أصحاب التوجه التكنولوجي.

العالم والاقتصاد

منذ 9 شهور
«المونيتور»: هل تتحرك دول النفط في الخليج بجدية نحو مصادر الطاقة المتجددة؟

ونوَّهت خولة قائلة: «يجري حاليًا التأكيد على ريادة الأعمال بوصفها خيارًا وظيفيًّا لكي يُفسَح لها المجال للانتشار». وتنظر خولة إلى جائحة كوفيد-19 على أنها حدث يغير الحياة، إذ تقول: «أظهرت لنا جائحة كوفيد-19 أننا إذا كنا في حاجة إلى التغيير والتحول، فهذا ممكن فعلًا. وإن تحقيق ذلك لا يزيد عن كونه مجرد مسألة وقت».

ومع ذلك يظل الإدمان على عائدات النفط أمرًا ثابتًا؛ إذ ظلت نسبة الوقود الأحفوري في مزيج الطاقة العالمي كما هي دون تغيير عند 80٪ في المدة بين عامي 2009 و2019، كما رجَّحت وكالة موديز للتصنيف الائتماني أن تظل دول الخليج التي أحرزت تقدمًا محدودًا في تنويع اقتصاداتها منذ 2014 معتمدة اعتمادًا كبيرًا على إنتاج المحروقات السائلة خلال العقد القادم على أقل تقدير، بحسب ما يختم به الكاتب تقريره.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد