قالت جوديت نيورينك في موقع «المونيتور» إنه على الرغم من تأثير الدين في السياسة العراقية، تظهر الدراسات الحديثة أن عدد الشباب الذين يتبنون العلمانية يتزايد باستمرار في العراق.

حاورت نيورينك فتاة عراقية اسمها يارا علي، وهي محامية وناشطة بارزة، فقالت: «يتعلق الأمر بالهوية. لقد أجبرت على ارتدائه (الحجاب). كان من أجل حمايتي، لكنه لم يعكس هويتي». قبل عامين، قررت المرأة المتعلمة خلع حجابها، بحسب التقرير. كانت تربيتها على يد أم متدينة وأب علماني. قالت: «نشأت على الاستقلال والقوة، لكن والدتي وضعت حدودًا». زادت رغبتها في التحرر عندما سافرت من أجل عملها ودراساتها وتعرفت إلى أشخاص من خلفيات مختلفة.

عربي

منذ شهر
«و.س.جورنال»: بعد 15 عامًا.. ما قصة أرشيف حزب البعث الذي عاد إلى العراق سرًا؟

وشرحت ما جرى وانتهى بخلعها الحجاب في نهاية المطاف: «كانت الجماعات المتطرفة عقبة أخرى». صُدم العالم بالسياسات التي اتبعها تنظيم (داعش) في المناطق التي استولى عليها داخل العراق وسوريا، والفظائع التي ارتكبها هناك. أضافت قائلة: «لقد شعرت بالقلق من نظرة الناس إلي؛ لأن الكثير من الناس الآن ينظرون إلى المسلمين على أنهم أشرار».

العلمانية في ظل نظام سياسي يعزز الهوية الدينية

وعلى الرغم من أن مؤسسة «الباروميتر العربي»، وهي شبكة بحثية في جامعة برينستون وجامعة ميشيجان، تشير إلى أن النظام السياسي في دول مثل العراق ولبنان يعزز الهويات الدينية، مما يحافظ على تأثير الدين في الحياة اليومية، خلصت المؤسسة في استطلاع للرأي لعام 2019 بالقول: «حدث انخفاض في الإيمان بالدين والثقة في الأحزاب الدينية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

حذرت الأحزاب السياسية الإسلامية من انتشار الإلحاد في العراق – تؤكد نيورينك – داعية إلى مواجهة هذه «المؤامرة الخطيرة»، بحسب رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. وقال عمار الحكيم، رجل الدين الشيعي ورئيس كتلة الحكمة، في عام 2017م: «نحن بحاجة إلى مواجهة مؤيدي الأفكار الإلحادية الدخيلة بالتفكير الإيجابي وبقبضة من حديد من خلال كشف الأساليب التي يستخدمونها في نشر أفكارهم».

Embed from Getty Images

ويضيف التقرير: هناك طرق مختلفة لكونك غير متدين. ينتقل بعض الشباب ببساطة إلى الإلحاد ويعرفون أنفسهم على أنهم ملحدون، أو يظهرون فقط اللامبالاة بالدين أو يختارون أن يكونوا مسلمين ليبراليين بدلاً من مسلمين محافظين. يتحول آخرون إلى ديانات ذات التزامات دينية أقل مثل المسيحية أو الديانات الحديثة مثل البهائية. واختار البعض ديانة قديمة مثل الزرادشتية. أخيرًا، لا يُظهر البعض وجهات نظرهم المختلفة حول الدين إلا بممارسات مختلفة، مثل خلع الحجاب للتعبير عن انتقاد الدين .

تشعر يارا علي بأن الدين في العراق أصبح «سؤالًا محيرًا. لقد ابتعدت، ونأيت بنفسي عنه. أنا أؤمن بالله، وأنا مسلمة ولكن لا أصلي أو أصوم إلا بسبب الأشخاص المحافظين من حولي». وعلق التقرير: يبدو أن ما تصفه هو جزء من حركة أكبر للشباب الذين يبتعدون عن الإسلام (المحافظ)، كما ظهر في العراق في حقبة ما بعد 2003م، وأثناء وبعد الحرب ضد داعش.

بداية التشكيك في العقيدة

التقت «المونيتور» بشباب في بغداد بدأوا في التشكيك في عقيدتهم، بسبب الفظائع التي قال تنظيم داعش إن الإسلام يسمح بها، وفساد الأحزاب الإسلامية الحاكمة. وقد ابتعدوا عن الأئمة والأحزاب الدينية، حتى إن البعض انضم إلى الحزب الشيوعي. كما اشتعلت حركة احتجاجية في جنوب العراق في أكتوبر (تشرين الأول) 2019م، منددة بالفساد المستشري ونقص الخدمات. ومن المثير للاهتمام، أنه على الرغم من الثقافة المحافظة في العراق، فإن العديد من المحتجين من النساء.

إن الإحصاءات الرسمية غير متوفرة – تنوه نيورينك – لكن الاتجاه يتضح من حقيقة أن الممارسات الدينية مثل ارتياد المساجد تنخفض. وفقًا للباروميتر العربي، انخفض عدد العراقيين الذين يقولون إنهم يحضرون صلاة الجمعة من 60% إلى 33% في غضون خمس سنوات، بالإضافة إلى تراجع كبير في الثقة بالأحزاب الإسلامية العراقية، من 35% في عام 2013م إلى 20% في 2018م.

ووفقًا للباروميتر العربي أيضًا، فإن نسبة العرب الذين يصفون أنفسهم بأنهم «غير متدينين» في البلدان الستة التي شملها الاستطلاع – العراق، والأردن، وتونس، والجزائر، ومصر، وليبيا – تبلغ الآن 13%، ارتفاعًا من 8% في 2013م. في 2013 قال حوالي 51% من المستطلعين إنهم يثقون بقادتهم الدينيين إلى حد «كبير أو معتدل». ولكن في عام 2018م، انخفض هذا الرقم إلى 40%.

Embed from Getty Images

يسير هذا الاتجاه جنبًا إلى جنب مع النشاط المتزايد للناشطين العلمانيين الشباب في الحركة الاحتجاجية. وهم مستهدفون بعمليات الخطف والاغتيالات، مثلما حدث مع الناشطة في البصرة، ريهام يعقوب، التي كانت تنظم احتجاجات نسائية في الآونة الأخيرة. لقد قُتلت في الشارع.

قالت هيلين سرييني، وهي صيدلانية كردية عراقية ولدت في الولايات المتحدة، للمونيتور إنها أدركت أثناء إقامتها في بلدها الأصلي الظلم الذي تعرضت له النساء تحت ستار الدين. «هناك سوء فهم للعقيدة لصالح الرجال. لماذا يجب على النساء تغطية كل شيء، بينما يمكن للرجال فقط ارتداء قميص؟ لقد أدركت أن الدين ينبع من معايير وضعها الرجال».

خلع الحجاب تعبيرًا عن الهوية الجديدة

وأشارت إلى وجود اتجاه بين الشابات المسلمات لخلع الحجاب. وفقًا لها، فإن معظمهن يفعلن ذلك قبل بلوغهن سن 18. تعاني النساء مثلها من ضغوط من الجماعات الدينية ومن الجماعات التي تضع المسلمين في صورة نمطية.

قالت سرييني: «لقد تأخرت قليلًا وفاتتني الكثير من الفرص بسبب ذلك. كان الحجاب حاجزًا». لم تُقبل في كليات الدراسات العليا المختلفة. وبعد 11 سبتمبر، أصبح الحجاب مرتبطًا بالهجوم على مركز التجارة العالمي. أضافت: «من أجل أمني، نُصحت بخلعه. لكنه كان جزءًا من إيماني وهويتي. لذلك لم أفعل».

لم تغير رأيها إلا بعد أن زارت إقليم كردستان العراق. عملت مع أطباء بلا حدود ودرَّست في الجامعة الأمريكية بالعراق في السليمانية. وتؤكد سرييني: «لقد تعبت من الاهتمام بحجابي. كنت أستكشف هويتي وشعرت بأنه لا يمثلني. وقد فعلت أشياء تسيء إلى الإيمان. لم أكن صادقة، بل منافقة. ولم يكن قرارًا سهلًا».

نقاشات العقيدة.. على الإنترنت

الإنترنت هو المكان الذي تدور فيه الكثير من النقاشات حول الإسلام والآراء النقدية – تقول نيورينك – وكذلك الأفلام التي تسخر من جوانب التفكير الإسلامي. وعن ذلك قالت يارا علي: «لقد تحدثت إلى مراهقين في السابعة عشرة من العمر يناقشون الإسلام عبر الإنترنت، وقد صدمت لأنهم تجرأوا حتى على السؤال عما إذا كان النبي محمد ظهر بالفعل».

 

أدركت شيلان بهادين، مدرسة لغة إنجليزية تعيش في أربيل، أن مقدار الدين الذي درسته هو في الواقع جزء من ثقافتها. «شعبنا يستمع إلى الملالي ويحاول فقط اتباعهم دون التحقق مما إذا كان ما يقولونه يتماشى مع الدين. لسوء الحظ، لدى الملالي آراء مختلفة لأنهم يأتون من مدارس فكرية مختلفة».

يدرك الشباب الذين يحتجون على هذه المذاهب الدينية حجم المخاطر التي قد يواجهونها. قالت يارا: «لو لم أتريث، لكان التأثير سلبًا». تحتاج الفتيات إلى الاستعداد لمواجهة ردود الفعل السلبية. فلو خلعت الوشاح مبكرًا – للتعبير عن رأي ديني مختلف – لعجزت عن مواجهة والديها والآخرين خارج الأسرة. واختتمت قائلة: «لقد نجحت فقط عندما تحليت بالشجاعة بما فيه الكفاية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد