في الأول من يوليو (تموز) 2022 نشرت السلطة التونسية مشروع الدستور الجديد المنتظر للبلاد، والذي من المزمع أن يجري استفتاء الشعب التونسي عليه في 25 يوليو 2022، أي في الذكرى الأولى من انقلاب قيس سعيد على الدستور.

ويأتي مشروع الدستور الجديد بعد إجراء الحكومة التونسية لاستشارة إلكترونية بهدف إشراك المواطنين في عملية صياغة دستور تونس، إلا أن هذه الاستشارة شهدت مقاطعة شعبيّة واسعة؛ إذ لم يشارك بها سوى حوالي نصف مليون مواطن من أصل 7 ملايين يحقّ لهم الانتخاب.

إذ يأتي الإعلان عن مشروع دستور تونس الجديد في ظلّ أزمة سياسية مستفحلة في البلاد، وعقب إضراب مجموعة من القضاة احتجاجًا على ما يرونه تدخّلًا من طرف قيس سعيد في صلاحيات السلطة القضائية، بالإضافة إلى مظاهرات دورية للمعارضة من أجل إسقاط انقلاب قيس سعيد، ناهيك عن الأزمة الاقتصادية التي أدّت إلى ارتفاع شديد في الأسعار وانهيار القدرة الشرائية للتونسيين.

وقد انتقدت عدّة وجوه معارضة مشروع دستور تونس ودعت لمقاطعة الاستفتاء حوله، من بينهم، أستاذ القانون الدستوري المعارض لانقلاب سعيّد، جوهر بن مبارك الذي اعتبر أنّ المشروع الجديد «نظام سياسي منقول حرفيًا عن دستور بن علي، يضرب في مقتل مبدأ التوازن، ويؤسّس لنظام السلاطين البالي».

وبصورة عامةّ جاء مشروع دستور تونس الجديد بصلاحيات شديدة الاتساع لصالح رئيس الجمهورية، على حساب السلطة التشريعية والقضائية، كما ألغى مشروع الدستور الباب المتعلّق بالهيئات الدستورية المستقلّة، وحدَّ بصورة كبيرة من سلطات البرلمان، كما استحدث هيئة تشريعية جديدة موازية للبرلمان حملت اسم «المجلس الوطني للجهات والأقاليم»، وجعل المحكمة الدستورية تحت سيطرة رئيس الجمهورية، حسب مختصّين في القانون الدستوري.

صلاحيات رئاسيّة واسعة.. ودور هامشي للبرلمان

تعد أبرز الانتقادات التي وُجّهت لمشروع دستور تونس الجديد هي المتعلقة بالسيطرة الكاملة لرئيس الجمهورية على السلطة التنفيذية، إذ إنه الوحيد المخوّل بتعيين الحكومة أو إقالتها، إذ يسعى مشروع الدستور إلى إقامة نظام سياسي شديد التمركز حول رئيس الجمهورية، دون وجود توازن حقيقي بين السلطات الثلاث، كما يشير الخبير الدستوري زايد العلي.

Embed from Getty Images

احتجاجات تونسية على انقلاب قيس سعيد

كما جرت الإشارة إلى أنّ دستور تونس الجديد يخوّل لرئيس الجمهورية السيطرة على باقي مؤسسات الدولة من قبيل البرلمان والقضاء والمجالس المحليّة، وذلك بسبب غياب إطار دستوري واضح يبيّن دور كل مؤسسة من هذه المؤسسات في الخريطة الكبرى للدولة، وذلك عكس «دستور الثورة» لعام 2014 الذي احتوى على فصل كامل (الباب السابع) بعنوان «السلطة المحلية» الذي تضمّن 12 مادة قانونيّة تفصّل مهام وصلاحيات وآليات ممارسة السلطات المحليّة لأدوارها.

أما مشروع دستور تونس الجديد فقد اكتفى بمادة دستورية واحدة (الفصل 133) جاءت صياغتها عموميّة بدون أي تفصيل في صلاحيات ومهام السلطات المحليّة؛ ممّا يعطي انطباعًا بتراجع أهميّتها في سلّم أولويات قيس سعيد، عكس تصريحاته السابقة ومقترحاته المثيرة للجدل حول ما سمّاه «البناء الديمقراطي القاعدي»، أو الديمقراطية المباشرة.

إذ اقترح أن تنبع السلطة من الأسفل إلى الأعلى من خلال المجالس المحليّة، ثم المجالس الجهوية (المحافظات)، وصولًا إلى المجلس الوطني الشعبي، (البرلمان)، حسبما جاء في المقترحات التي قدّمها سعيد إلى لجنة صياغة دستور 2014، والتي تبنّاها في حملته الانتخابية سنة 2019.

لكنّ إهمال سعيد للسلطات المحليّة في هذا الدستور، بالإضافة إلى الضعف الشديد في الإقبال على الاستشارة الإلكترونية التي أطلقها سعيد بين يناير (كانون الثاني) ومارس (شباط) 2022 قصد إشراك المواطنين في كتابة الدستور الجديد (والتي قاطعتها المعارضة)؛ إذ لم يشارك فيها سوى 535 ألف مواطن من أصل 7 ملايين مواطن يحقّ له الانتخاب، يجعل مفهوم الديمقراطية التشاركية التي يسوّقه سعيد محلّ تشكّك كبير.

الاختلاف الجوهري الآخر بين مقترح دستور تونس الجديد ودستور 2014 يكمن في ما سُمي بـ«الهيئات الدستورية المستقلّة» التي احتواها دستور 2014 في الباب السادس، وهي كل من: هيئة الانتخابات، وهيئة الاتصال السمعي البصري، وهيئة حقوق الإنسان، وهيئة التنمية المستدامة، وحقوق الأجيال القادمة، وهيئة الحوكمة الرشيدة، ومكافحة الفساد. وتضمّن دستور 2014 المواد المنظّمة لهذه الهيئات، وطبيعة عملها وصلاحياتها، وطرق تعيين أعضائها.

وقد وضعت هذه الهيئات من أجل ضمان قدر من الحياد والشفافية، والاستقلال عن الهيئة التنفيذية وتجنّب توظيفها سياسيًا بالنسبة لملف شفافية الانتخابات أو مكافحة الفساد أو حيادية الإعلام؛ أما مشروع الدستور الجديد فقد ألغى أيّة إشارة لهذه الهيئات المسقلّة، واكتفى بفصل وحيد (الباب السابع) عن «الهيئة المستقلة للانتخابات».

كما اختفت في دستور تونس الجديد المواد المتعلّقة بالمجلس الأعلى للقضاء، وجرى تقليص السلطات التشريعية للبرلمان، فالبرلمان وفق مشروع الدستور الجديد لا يمكنه تمرير القوانين، بل فقط اقتراحها على الحكومة، وهي المخوّلة برفضها أو إقرارها.

وفي المقابل فإن رئيس الجمهورية بإمكانه تشريع القوانين في عدّة حالات، من بينها فترة العطلة البرلمانية، أو خلال فترة حلّ البرلمان وغيرها، وفي حين أن رئيس الجمهورية يملك صلاحية حلّ البرلمان، فإن البرلمان لا يملك صلاحية عزل الرئيس أو محاسبته.

كما يمنع مشروع دستور تونس الجديد في مادته 41 كلًا من الشرطة، والجيش، والجمارك، بالإضافة إلى القضاء، من ممارسة الحق في الإضراب، وينبغي فهم هذه المادة التي تمنع القضاء بالخصوص من ممارسة الإضراب، في إطار الصراع بين قيس سعيد، وتيار القضاة الذين دخلوا في إضراب لأربعة أشهر على الأقل منذ الثاني من يونيو (حزيران) 2022، احتجاجًا على إعفاء قيس سعيد لـ57 قاضيًا، وهو ما اعتبره القضاة المضربون تدخّلًا سافرًا في صلاحيات السلطة القضائية.

وقد انتقد الفقيه الدستوري التونسي عياض بن عاشور مسودة الدستور الجديد واعتبره ممهّدًا للاستبداد، وانتقد الصياغات الأدبية التي جاءت في توطئة المشروع، غير اللائقة بلُغة الدساتير حسبه، ووصف هذا الدستور بـ«دستور التفاهة»، حسب وصفه.

كما انتقد بن عاشور الصلاحيات الواسعة التي خوّلها مشروع دستور تونس الجديد لرئيس الجمهورية قائلًا: «من الخطأ اعتبار هذا الدستور رئاسيًا، بل هو دستور «رئاسويّ» (أيّ إنه يمدّ رئيس الجمهورية بسلطات وصلاحيات شديدة الاتساع)؛ لأنّه يمهّد للاستبداد، فنرى مثلًا أن رئيس الجمهورية في مشروع الدستور الجديد لا يمكن تنحيته من طرف البرلمان، إذ جرى حذف الفصل 88 من دستور 2014». (ينصّ على إمكانية إعفاء رئيس الجمهورية حال خرقه للدستور بموافقة ثلثي أعضاء البرلمان بعد موافقة المحكمة الدستورية).

كما يتحكّم الرئيس وفقًا لدستور تونس الجديد في تسمية أعضاء الحكومة وحلّها، وحل البرلمان، بالإضافة إلى امتلاكه «الأفضلية التشريعية» حسب عياض بن عاشور؛ إذ إن مشاريع قوانين الرئيس تُفضّل على اقتراحات النوّاب، أما أخطر شيء فهو التحكّم في المحكمة الدستورية؛ لأن رئيس الجمهورية هو الذي يسمّي القضاة الذين يتولّون مناصب في المحكمة الدستورية؛ وبالتالي فإن صلاحيات الرئيس في هذا الدستور تتجاوز بكثير ما نعرفه عن صلاحيات الرئيس في النظام الرئاسي».

من «دين الدولة» لـ«مقاصد الإسلام».. جدل حول موقع الدين في دستور تونس الجديد

أثارت تصريحات سابقة للرئيس قيس سعيّد بأنّ مقترح دستور تونس الجديد لن ينصّ على أنّ «الإسلام دين الدولة» مثلما جاء في المادة الأولى من دستور 2014، وهو ما أثار الكثير من الجدل حول فحوى مشروع الدستور الجديد والصياغة الدستورية التي سيتضمنها حول العلاقة بين الدين والدولة في تصوّر قيس سعيد.

Embed from Getty Images

احتجاجات لمجموعات علمانية مناهضة للتوجه الإسلامي في تونس

إذ عدّل مشروع دستور تونس الجديد المادة الأولى سابقًا من دستور 2014 والتي تنصّ على أنّ الاسلام دين الدولة: (تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها) إلى مادة جديدة لا تنصّ على دين الدولة؛ إذ جاءت المادة الأولى من الدستور الجديد كالآتي: (تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة)؛ بينما جاءت الإشارة إلى الاسلام في مواطن أخرى من الدستور، لكن بصياغات شديدة العمومية والاختلاف عن دستور 2014، من بينها التوطئة التي جاء فيها: «نحن الشعب التونسي نؤكّد مجددًا انتماءنا للأمة العربية، وحرصنا على التمسّك بالأبعاد الإنسانية للدين الإسلامي»

كما جاء في الفصل الخامس من مقترح الدستور الجديد: «تونس جزء من الأمة الإسلامية، وعلى الدولة وحدها أن تعمل على تحقيق مقاصد الإسلام الحنيف في الحفاظ على النفس، والعرض، والمال، والدين، والحرية». ونصّت على أنّ دين رئيس الجمهورية الإسلام في الفصل 88.

كما جاء في الفصل 44 من الدستور الجديد المتعلّق بدور المدرسة أن الدولة «تعمل على تأصيل النّاشئة في هويتها العربية الإسلامية، وانتمائها الوطني، وعلى ترسيخ اللّغة العربية، ودعمها وتعميم استخدامها، والانفتاح على اللغات الأجنبية، والحضارات الإنسانية، ونشر ثقافة حقوق الإنسان».

عربي

منذ شهرين
جمهورية «بمن حضر».. هل ينجح قيس سعيد في فرض دستور جديد على تونس؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد